أدب و تراث فكر مختارات مقالات

غاستون باشلار .. حين تكون الفلسفة والشعر شيئاً واحدا

غاستون باشلار .. حين تكون الفلسفة والشعر شيئاً واحدا

بقلم/ علي حسين

في رسالة على بريدي كتب احد الاصدقاء تعقيبا على المقال الذي نشرته عن كارل بوبر وكتابه ” منطق البحث العلمي ” ، ينبهني مشكورا إلى انني ربما اغفلت ، أو فاتني الاشارة الى الفيلسوف الفرنسي ” غاستون باشلار” الذي اصدر اكثر من كتاب فيما يتعلق بالعلوم ابرزها ” تكوين العقل االعلمي ” و ” الفكر العلمي الجديد ” ، لكن الغريب أن اسمه ما أن يذكر حتى يتبادر الى اذهاننا فورا كتابه ” جماليات المكان ” . ربما حكايتي مع باشلار حكاية غريبة فقد كنت اعتقد انه محلل نفسي بعد ان قرأت له مقالا مترجما في مجلة الثقافة الاجنبية بعنوان ” التحليل النفسي للنار ” ، وفي مقدمة المقال نعرف ان باشلار تجنب اعطاء نفسه صفة العالم او حتى المحلل النفسي ورفض أن يقال عنه ناقد ادبي ، وكان يقول انه لا يقصد من كتبه إلا شيئا واحدا اسمه “متعة ولذة القراءة ” ، وهذه المتعة هي التي شكلت فلسفة منهجية اوجدت نظرية لعلم الجمال مغايرة للنظريات التقليدية ، وفي نفس المستوى نظرية متجددة لفسفة العلوم ..في بداية الثمانينيات كانت معرفتي الحقيقة لفلسفة غاستون باشلار ، فقد صدر في ذلك الوقت عن مجلة الاقلام العراقية سلسلة كتب شهرية افتتحتها بكتاب ” جماليات المكان ” لغاستون باشلار وقد ترجمه الى العربية غالب هلسا ، وكان صدور الكتاب بمثابة حدثا ثقافيا احتفى به معظم المثقفين الذين لم يصلهم كتاب بهذا العمق يناقش المكان واهميته ، واتذكر حوار جرى بيت غالب هلسا والذي كان من زبائن المكتبة التي اعمل فيها ، واحد النقاد العراقيين ، الذي نشر آنذاك دراسة عن المكان في الشعر مستندا الى كتاب باشلار كما اشار في هوامش المقال ، وكانت المقالة قد اثارت استغراب غالب هلسا الذي قال ان باشلار يرفض الاعتقاد بان المكان مفهوم هندسي متعين ، وانما مفهوم متخيل عابر لحدود الزمان والمساحة عبر الذاكرة واحلام اليقظة ، ظلت الجملة التي قالها هلسا غامضة ، وكعادتي سجلت آراء غالب هلسا واخذت كتاب جماليات المكان معي الى البيت ، وبدأت بقراءة الجملة الاولى من الكتاب :” ان الفيلسوف الذي تطور تفكيره بكامله من خلال الموضوعات الاساسية لفلسفة العلم ، عليه ان ينسى ما تعلمه ، ويتخلى عن عاداته في البحث الفلسفي ، اذا كان يرغب في دراسة المسائل التي يطرحها الخيال الشعري ” ، واصابتني الحيرة ما علاقة فلسفة العلم بكتاب عن الادب ؟ قرأت الصفحات الاولى وتوقفت عند مصطلحات لم اكن قد تعرفت عليها من قبل مثل الظاهراتية ، والعقلانية المنطقية ، وقررت ان اعود الى غالب هلسا لأساله ما علاقة كتاب عن الشعر والادب والخيال بفلسفة العلم ، وقد كان جواب غالب هلسا واضحا : ان كتاب جماليات المكان هو من كتبه الاخيره حيث صدر عام 1957 ، وتوفي باشلار عام 1962 ..بعدها حدثني هلسا عن الفلسفة الظاهرتية وكيف يمكن بعد فهما ان تكون دليل القارئ لاستمتاع بكتب هذا الفيلسوف .
كنت في تلك الفترة احاول ان اتفلسف وارطن باسماء ديكارت وسارتر وماركس واخشى الاقتراب من هيغل وكان كانط بالنسبة لي اشبه بسور منيع لن اتمكن من تسلقه ، وعندما شاهد غالب هلسا علامات الاستفهام وهو يذكر امامي اسم ” ادموند هسرل ” قال لي ” ها قد حصلت على رحلة جديدة مع الفلسفة .. لكنها ستكون صعبة مع فيلسوف خالص ”
من هو ادموند هوسرل وما هي الظاهراتية ؟ . في رحلة البحث التي استمرت سنوات ساعرف ان هذا الفيلسوف ولد في شهر نيسان من عام 1859 في قرية صغيرة بمقاطعة مورافيا شرق جمهورية التشيك ، ومات في قرية من قرى المانيا في شهر نيسان من عام 1938 ، وبين هذين التاريخين عاش تسعة وسبعون عاما من الفلسفة ، استطاع فيها ان يؤثر على الكثير من الفلاسفة المعاصرين ..ولتبدا معه الفلسفة الحديثة تاريخا جديدا اتسم بشعار اطلقه هوسرل ” الفلسفة علم دقيق ” ، لانه ارادها ان تذهب الى الحياة مباشرة ، تجربها لحظة بلحظة ، وان تطرح جانبا الاسئلة الملغزة من قبيل : هل الاشياء حقيقية ؟ او كيف يمكن معرفتها عن طريق اليقين ؟ . فبدلا من هذه الالغاز اوضح هوسرل ان اي فيلسوف يسأل تلك الاسئلة مقذوف به الى عالم مليء بالاشياء او الظاهر ( الاشياء التي تظهر ) . فلماذا نركز إذن على ما نلقاه من ظواهر الاشياء ونتجاهل كل ما عداها وقد اطلق هوسرل نصيحته للفلاسفة :” لا تضيعوا الوقت في تفاسير تتراكم على سطح الاشياء، ولا تضيعوا الوقت في التساؤل عما كانت هذه الاشياء حقيقية . لا تنظروا سوى الى هذا الذي يعرض نفسه عليكم ، وحاولوا ان تصفوه بدقة قدر المستطاع ” ، ويدعونا هوسرل من خلال فلسفتة الظاهراتية ان نتحرر من كل رأي سابق ، وهذه الحالة تشبه الشك الديكارتي ، وكان هوسرل قد اصدر واحدا من اهم كتبه بعنوان ” تاملات ديكارية ” وكثيرا ما كان هوسرل يلتفت حوله ، ويقول ” إن الظاهرة هي ما نراه حولنا ، إنها الخطوة الاولى الحقيقية الاولى التي تقيم عليها عقول الناس معرفتها بكل شيء” . وقد امتد تاثير فلسفة هوسرل الى فرنسا وامريكا وبريطانيا وبلدان اخرى ، كما امتد تاثيرهذه الفلسفة على مجالات معرفية اخرى مثل الدراسات الادبية والعلوم الاجتماعية وتطور العلم .. ونجد هوسرل يؤكد في كتابه أزمة العلوم الاوربية – ترجمه الى العربية اسماعيل مصدق – ان ازمة العلوم الحديثة تتجلى في تشتتها ، الذي يرجع حسب رأيه الى استقلالها عن الفلسفة . وهكذا فان ازمة العلوم الحديثة هي ، في نفس الوقت ازمة الفلسفة الحديثة : ” ان الفلسفة لا يمكن ان تحقق مهمتها ومعناها الاصليين إلا اذا كانت تحتضن كل العلوم الجزئية ” ، فالفلسفة من وجهة نظر هوسرل ليست مجرد شكل ثقافي او معرفي مثل بقية الاشكال الاخرى ، بل ان الوجود الفلسفي الحقيقي هو ذلك الذي ينفذ بعمق الى كل اشكال الحياة البشرية ويطبع كل ميادينها :” إن الفلسفة بوصفها نظرية لا تجعل الباحث وحده حرا ، بل تجعل كل من له تكوين فلسفي حرا .. وليس للفلسفة مهمة نظرية فقط ، بل كذلك وظيفة عملية . وان على الفيلسوف أن يشكل كل المحيط البشري ، كل الوجود السياسي والاجتماعي للإنسانية ، انطلاقا من العقل الحر ” .
في المقدمة التي وضعها غاستون باشلار لكتابه ” جماليات المكان ” نجده يحدد منهجه بالظاهراتي ، فهو حسب رأيه المنهج الذي يصلح لدراسة موضوع الخيال يكتب :” ليست وظيفة الظاهراتية وصف الاعشاش كما هي في الطبيعة ، فتلك هي مهمة عالم الطيور . ان بداية الظاهراتية الفلسفية للاعشاش تكون في قدرتها على توضيح الاهتمام الذي نطالع به البوما يحتوي صور اعشاش ، او بشكل اكثر وضوحا قدرتنا على استعادة الدهشة الساذجة التي كنا نشعر بها حين نعثر على عش ” ثم يضيف :” حين نحلم ، فنحن ظاهراتيون دون ان نعلم ” .يكتب الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة إتيان جلسون ان غاستون باشلار يمثل سيرة للفيلسوف الذي يملك عقلا جبارا ، وفي الوقت نفسه شخصية متواضعة لا تحب الظهور كثيرا ، حتى أن مؤرخو الفلسفة لا يعرفون الكثير عن تفاصيل حياته في مرحلة الشباب ، فهم وجدوا انفسهم امام فيلسوف عجوز يتحدث بلكنة ريفية ، يحيطه طلبته الذين يحبونه جدا ، اما جيرانه فهم لا يتذكرون منه سوى ذلك العجوز الذي كان يحب ان يشتري حاجاته بنفسه ويعشق اكل السمك كثير ..ثم يعود الى العمل وهو يضحك :” ما زال في قعر البرميل شيئا مفيدا ” .
يبوح ياشلار باجزاء من قصة حياته في العديد من كتبه وبالاخص منها كتاب لهيب الشمعة ، وهو يجد في لهب الشمعة استعادة احلام الذاكرة ، ويعيد الى الانسان من ذكرياته البعيدة مواقف وسهرات مستوحدة ، ويستكشف ايضا حاجة الانسان الى الصحبة ، حتى وهو حالم بعزلته :” وأنا أحلم على ضفة النهر، أوجه كل خيالي إلى الماء، ماء أخضر صاف، تخضر به الضفاف. لا يمكنني الجلوس بجانب الجداول، دون أن يستغرقني تأمل شارد عميق، فأحلم بسعادتي” – غاستون باشلار.. حياته ومساره ترجمه: سعيـد بوخليـط – ويرصد في سنوات عمره الاخيرة ، إرهاصات الطفولة عندما كان يتوغل وسط الغابات ، هذا الحضور الطاغي للطبيعة سيكل المناخ الفكري لأولى انطباعاته التي التقط عبرها صور الطبيعة المبهرة، التي ساعدته على تشكيل ذاكرة شعرية يقظة .
ولد غاستون باشلار في بلدة صغيرة اسمها ” سور أوب ” تقع شرق فرنسا ، في السادس والعشرين من حزيران عام 1884 لأسرة من الفلاحين ، ولم يكن جده يحب مهنة الزراعة فعمل اسكافيا ، فيما قرر والداه ان يفتحا كشكا صغيرا لبيع الجرائد والسكائر، وظل غاستون يحتفظ بصورة فوتغرافية تظهر فيها امه ومعها ابوه يرتديان ملابس زرقاء ، يقفان امام الكشك وهما يبتسمان ، ونجده يستدعي صورة ذلك الطفل الذي يتكفل أبوه كل صباح بأن يوقد النار داخل غرفة الطفل غاستون، الذي يستيقظ وعيناه مفتوحتان على شرارات الشعلة، ليكتب بعد سنوات :” كل طفولة هي مذهلة، طبيعياً مذهلة. ليس لأنها تجعلنا نذعن، بسهولة مفرطة، كما يعتقد للحكايات المزيفة دائماً التي تحكى لنا، والتي لا تصلح لأي شيء، سوى تسلية العجوز الذي يحكيها. كم هن الجدات، اللواتي يتعاملن مع حفيدهن كأبله. غير أن الطفل، وقد ولد ذكياً، يؤجج ذاك الإذلال المرتبط بحكي مثرثر دائماً، فليس تلك الحكايات المتحجرة، من يضحك خيال الطفل، مادام الأخير يعثر على حكاياته في تأمله الشارد الخاص، حكايات لا يرويها لأحد ” ، وكان لا بد للفتى غاستون ان يساعد عائلته ماديا ، فعمل ساعيا للبريد اثناء دراسته الثانوية ، ثم توجه للعمل في المزارع مع اصرار على تكملة الدراسة . داخل الفصل المدرسي سيجد الطفل نفسه مجبرا على سماع كلام مكرر من عينة ان الارض كروية ، تدور حول الشمس :” مسكين هذا الطفل الحالم، الذي لايتم الاستماع إليه، كم سينطلق، تأملك الشارد، حينما تغادر الفصل الدراسي، كي تصعد إلى ربوة ما، أو بالأحرى هي ربوتك ؟ ” ، وعلى مدى سبع سنوات يتابع غاستون دراسته الابتدائية ، ثم الاعدادية ، ولما بلغ التاسعة عشر من عمره قدم طلبا للعمل معلم في احدى المدارس ، فلا مفر من الحصول على المال حتى وان كان زهيدا ، بعدها سيجد وظيفة مستخدم في دائرة للبريد ، ثم يلتحق بالخدمة العسكرية . عام 1907 بعد ان بلغ من العمر الثالثة والعشرين، ينهي خدمته العسكرية ليلتحق بوظيفة في احدى دوائر البريد في باريس ، سيواصل العمل بوظيفة مستخدم لمدة ست سنوات ، عام 1912 يسجل نفسه طالب حر لدراسة الرياضيات بكلية ” سان لوي ” ، وفي هذه السنوات سيرتبط بعلاقة حب تنتهي بالزواج ، وبعد ثلاثة اسابيع من زواجه يستدعى للخدمة العسكرية بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 حيث يجند برتبة عريف ضمن فيلق الخيالة ، وسيمكث في الجبهة لاكثر من ثلاثة اعوام وفي هذه الاثناء تصاب زوجته بمرض السل الذي يؤدي الى وفاتها في العشرين من حزيران عام 1920، ويجد نفسه مسؤولا عن طفلة ولدت قبل وفات امها بثلاثة اعوام .
بعد انتهاء الحرب يجد وظيفة مدرس في مدرسة ثانوية ، ويواصل الدراسة حيث يحصل عام 1922 على شهادة الدبلوم في الفلسفة وعام 1927 ينال الدكتوراه في الادب ، سيواجه صعوبات حياته بارادة قوية يكتب :” ما يمكث هي الأشياء الايجابية ” ، وبرغم المحن اصبح أستاذاً للكيمياء والفيزياء ومنظرا في الفلسفة ومجازاً في الرياضيات ، عام 1928 ينشر اول بحوثه عن نظرية المعرفة من الناحيتين الفلسفية والعلمية ، يكتب اميل برهيه في موسوعته الفلسفية :”ان هذا البحث ظهر في دائرة الفلسفة ، اسلوب غريب ، اسلوب فلسفي ريفي ، نضج في العمل المنعزل ، بعيدا عن النماذج الاكاديمية الجامعية ” ، في تلك الفترة يبشر بان الشعر نشاط مثل العلم ، ونجده يولي اهتماما لموضوعة الخيال ، وفي كتابه ” الهواء والاحلام “الذي صدر عام 1943 يكتب :” إن الصورة المثبتة بين صفحات الكتب، الخاضعة لنقد ومراقبة الأساتذة، تكبح الخيال ” ، بعد اكثر من دراسة وكتاب عن الفيزياء والكيمياء والنظرية النسبية يصدر عام 1932 كتابه المهم ” حدس اللحظة ” – ترجم الى العربية ونشرته دار الشؤون الثقافية عام 1986 – وفيه يكتب عبارته المؤثرة :” ان التفاؤل هو ارادة ، في حين التشاؤم هو معرفة واضحة ” ، وفي حدس اللحظة يطلب باشلار من الفلسفة بان تتامل الزمن ، ويعد هذا الكتاب الاساس الذي قامت عليه ما سمي فيما بعد ” الفلسفة الباشلارية ” والكتاب كتب من خلال تجربة شخصية مع الموت الذي عاشه خلال الحرب العالمية الاولى ، فالموت فى نظر “باشلار” ليس نهاية المطاف فى حياة الفرد ، بل هو مرتبط بالوجود الزمنى للإنسان ، فنحن نموت ونحيا فى الزمن ، لأن الزمن لحظات معلقة بين عدمين ” الماضى والمستقبل ” .
في سنوات الاولى ينشغل باشلار بدراسة المسائل التي تثيرها طبيعة المعرفة العلمية ، حيث عرف كمتخصص في فلسفة العلوم ، وكان جهده منصرفا بشكل كامل الى النقد الفلسفي للفكر العلمي ، فاصدر عام 1934 كتابا بعنوان :” الفكر العلمي الجديد” ” ثم عام 1938 كتابه المهم ” تكوين العقل العلمي ” ، وفي الكتابين حاول تقديم قراءة للتقدم العلمي بطريقته الخاصة ، إذ يرى أن التقدم في العلم يتم من خلال صراع بين الجديد والقديم، ولا يتحقق إلا بنوع من التطهير الشاق لهذه الأخطاء. المعرفة لا تسير في طريق ميسر ومعبد مباشرة إلى الحقيقة، بل إن طريقها ملتوٍ متعرج، تمتزج فيه الحقيقة بالبطلان، ويصارع فيه الصواب الخطأَ . ويصر باشلار على رفض فكرة الاتصال في فلسفة العلم، فمراحل المعرفة العلمية تتصف أساسا حسب رايه بالانفصال ، فروح العلم هي تصحيح المعرفة وتوسيع نطاقها ، وهو نفس المنطق الذي صاغه فيما بعد كارل بوبر يقول باشلار: ” العلم لا يخرج من الجهل كما يخرج النور من الظلام، لأن الجهل ليس له بنية، بل يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه، والحقيقة العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي المشترك.، ولهذا يؤكد باشلار كما اكد بوبر فيما بعد ، على أهمية النقد، أو ما اسماه الشك الهوسرلي :” هذا الشك المسبق المنقوش على عتبة كل بحث علمي، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير العلمي ” ويؤكد باشلار باستمرار أن القطيعة المعرفية تعني أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، فهي شق طريق جديد لم يتراءى للقدامى ولم يرد لهم باية حال من الاحوال ، بحكم حدودهم المعرفية الخاصة بزمنهم ، ، وليس هذا معناه نفي الماضي والتنكر له ، فذلك غير وارد في مفهوم باشلار ، القطيعة تعني أن التقدم لا يعود مجرد تواصل ميكانيكي أو استمرار تراكمي لمسار الماضي، أو تعديلًا أو إضافة كمية له، بل هو شق طريق جديد ، والمثال الابرز الذي يطرحه باشلار موضوعة ” المصباح الكهربائي ” ، فهو ليس استمرارا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل قطيعة لكل هذه الأساليب للشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو احتراق … فهي خلق وإبداع جديد تماما. والجدة العلمية كما يصفها باشلار هي هي بؤرة التقدم ، والإضافة الحقيقية لحاضره..
في السابع والعشرين من حزيران احتفلت ابنته سوزان ومعها عدد من طلبة الاستاذ العجوز بعيد ميلاده الـ ” 78 ” ، وقد قال لهم ان يتعزى بالقصائد ، لكي تجعل معاناة الحياة تستمر دائما بنعومة ، وتتذكر سوزان ان والدها قرأ في ذلك اليوم مقاطع من قصيدة الشاعر ” انطونيو ماشادو ” :
لدي في القلب
صنبورة عاطفة
اقتلعتها يوما
ولم اعد اشعر بقلبي
بعد اقل من ثمانين يوما سيرحل غاستون باشلار عن عالمنا حيث اعلنت ابنته وفاته في صباح يوم السادس عشر من تشرين الاول عام 1962 .
هناك ثلاثة عناصر في فكر باشلار جعلت منه فيلسوفا ومفكرا من طراز فريد ، العنصر الاول تاكيده على اهمية نظرية المعرفة ، ونجده يكتب ان :” نظرية المعرفة هي المكان الذي يتيح لنا فهم ومغزي واهمية المحاولات العلمية ” ، والثاني هو اهتمامه بموضوعة الخيال وعمله على تحليل اشكال الخيال ، وخصوصا الصور المتعلقة بمواضيع المادة والحركة والقوة والحلم وكذلك ما يقترن بها من صور النار الماء والهواء والتراب ، ونجده في كتابه ” ارض واحلام يقظة الارادة ” الذي نشره عام 1947- صدرت ترجمته العربية عام 2018 – يدخل مراجع عديدة من شعر التراث الغربي ، مستخدما اياها لتوضيح عمل الخيال ” حيث يرى باشلار ان فعل الخيال اكثر اهمية من إدراك الصور ، وهو يرى ان الخيال ليس مجرد انعكاس لصور خارجية وانما هو نشاط خاضع لارادة الفرد يكتب :” يتحتم، على الخيال أن يفرط في خياله، كي يمتلك مايكفي من الفكر” والعنصر الثالث الاحلام التي يتعمق في دراستها من خلال كتبه ” شاعرية احلام اليقظة ” و” الماء والاحلام دراسة عن الخيال والمادة ” ، وفيها يربط باشلار بين الفلسفة بصفة خاصة والنقد الادبي من ناحية اخرى ، ونجده يعمل على البحث عن ادق تفاصيل حلم الانسان بالعناصر الاربعة( الماء ، النار ، الهواء ، التراب ) ذلك الحلم الذي يصاحب كل حياة واعية وتعبر عنه تلقائيا في ميدان فلسفة العلوم .
حاول غاستون باشلار في معظم مؤلفاته ان يجمع بين الاستعارة العلمية وبين البرهان الادبي ، بين الشعر والعلم ، ولم يجد اي افتراق بين تكوينه العلمي العقلاني وولعه بالخيال ، فالعلم والشعر لدى باشلار هما حدسان كامنان في الابداع البشري ، وهما الرغبة الكامنة فيه لاضفاء معنى على العالم ..لعب باشلار دورا مهما في تاريخ الفلسفة المعاصرة ، وكان له تاثيرا مهما على ميشيل فوكو الذي استمد منه توجهه الخاص حول حفريات المعرفة ، كما ان لوي التوسير وجد ضالته في مفهوم ” الانقطاع ” الذي طرحه باشلار ليصبح منهجا له وهو يكتب كتابه الضخم ” قراءة راس المال ” .
يستعمل العلماء تجارب حقيقية، لكن الفلاسفة من جهة أخرى يميلون إلى خلق تجارب فكرية ليجعلوا أفكارهم مقبولة. طور الفيلسوفان غاستون باشلار وكارل بوبر عددا من التجارب الفكرية الدقيقة التي تكشف عن خاصيات مهمة للفكر العلمي المعاصر ، وكان هناك فيلسوفا آخر له رؤية اكثر تطورا هو توماس كون صاحب الكتاب الشهير ” بنية الثورات العلمية ” . إنه موضوع آخر سيكون جزء من سلسلة هذه المقالات عن فلسفة العلم . قبل عقود قال كارل ماركس ان الافكار العلمية لا تنزل من السماء ، بل لها حتمية تاريخية ومادية ..فالى لقاء قريب مع توماس كون .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0