أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

في الطريق إلى متاهة فرانز كافكا

في الطريق الى متاهة فرانز كافكا

بقلم/ علي حسين

لا اتذكر في بدايات شغفي بالكتب انني كنت انتبه إلى كاتب اسمه كافكا ، ورغم ان روايته المسخ – ترجمها الى العربية منير بعلبكي – كانت الاكثر مبيعا في المكتبة ، إلا انني لم احاول ولو مرة واحدة ان أمد يدي باتجاهها ، حتى بعد ان حمل لنا بريد الهيئة المصرية للكتاب ترجمة رواية اخرى لكافكا كانت بعنوان القضية – ترجمها مصطفى ماهر – وبعدها القصر – ترجمة مصطفى ماهر ايضا – لكن سيكون طه حسين هو البوابة التي سادخل من خلالها الى ادب هذا الكاتب الذي لم يعش اكثر من واحد واربعين عاما ، قضى الاعوام الاخيرة منها مريضا بالسل . كتب عدد من الروايات أوصى باحراقها .. كان طه حسين قد نشر مقالاً عام 1947 بعنوان ” فرانز كافكا ” في مجلة ” الكاتب المصري ” واعاد نشرالمقالة في كتاب بعنوان ” الوان ” صدر عام 1958 ، وفي هذه الدراسة التي تجاوزت صفحاتها الخمسة عشر صفحة يحاول طه حسين تحليل فكر كافكا الفلسفي كما اسماه وتاثيره على ادبه ، حيث ينتهي طه حسين إلى ان ادب كافكا هو صورة عن حياة الكاتب وانعكاس لشخصية انسان ” ضحية مجتمع تحكمه فئة عابثة مجهولة تقوم بدور خسيس تجعل الانسان البريء متهما ، تجعله يكفر عن ذنب لا يدركه وهو منه براء ، ويبحث عن شيء لا يعرف حقيقة وجوده ” .ويستعرض طه حسين في هذه المقالة الممتعة علاقة كافكا بابيه وهي كما يقول طه حسين علاقة معقدة للغاية حيث : ” ظل طوال حياته واقفا من ابيه موقف الطفل الخائف المروع الذي يرى تفوق ابيه وتسلطه ويحاول ان يتخلص من سلطانه ولا يستطيع ” .
في سيرة فرانز كافكا نعرف انه استاجر عام 1919 وكان في السادسة والثلاثين من عمره ، غرفة في فندق صغير . امضى فيها تسعة ايام كتب خلالها رسالة إلى والده البالغ من العمر آنذاك سبعة وستين عاما . انها الرسالة التي نشرت لاحقا بعنوان ” رسالة الى ابي ” – ترجمها الى العربية ضمن الاعمال الكاملة لكافكا ابراهيم وطفي – والرسالة كانت تصفية حساب بين ابن وابيه وقد بلغت 103 صفحات تبدا بعبارة ” أبي الحبيب ” ، وتنتهي بكلمة واحدة ” فرانز ” .
والرسالة كما يؤكد روجيه غارودي في كتابه ” واقعية بلا ضفاف ” تحليل نفسي واجتماعي لحياة كافكا يُذكر فيها والده بانه لم يكن عطوفا معه وكان يهدده دوما بالقول : “سأمزّقك مثلما أمزّق سمكة ” ،وفي الرسالة يقول كافكا بان والده كان يتمتع بالقوة ، والصحة ، عكسه هو الذي عاش حياته يعاني من الضعف والخوف من المجهول فالاب بالنسبة للابن كافكا ، كان طاغية مستبد يفرض نفسه من خلال قوة جسده ..ويعترف كافكا حتى وهو يكتب رسالته على الآلة الكاتبة انه لم يكن بوسعه الحديث وجها لوجه مع ابيه :” ولو جزئياً. وإنني إذ أحاول هنا أن أجيبك خطياً، فإن كل ما أقوم به لن يكون سوى محاولة مبتورة، وذلك لأن الخوف وتبعاته يصدانني عنك حتى في الكتابة، ولأن جسامة الموضوع تتعدى نطاق ذاكرتي وإدراكي ” ..ومع هذا بقيت الرسالة في درج كافكا لم يرسلها إلى والده ، فقد اقنعته امه أن رسالته هذه تفيده في الكشف عن ذاته اكثر مما تفيد في اشعال حالة من الصدام مع والده .. لم يكن الاب يرغب في قراءة ما يكتبه ابنه ، فهو في معظم الايام يبدو متعبا ما أن ينتهي من العشاء حتى يذهب الى السرير ، بينما كان الفتى كافكا يشرع في الكتابة الساعة العاشرة مساء ويبقى حتى الثالثة او الرابعة فجرا ، وهو يذكر في يومياته انه حاول مرة أن يقرأ احدى قصصه على والديه ، فكان الاب يصغي مكرهاً ، اما الام فكانت تبتسم دون أن تفهم ماذا يريد ابنها .
كان والد كافكا ” هيرمان ” قد نشأ في عائلة فقيرة في قرية تقع جنوب التشيك ، في صباه وشبابه عمل بائعا متجولا ، عاش مع عائلته التي تتكون من ثمانية افراد في بيت صغير بحجرتين ، لم يدخل مدرسة لكنه تعلم ما هو ضروري من الكتابة والحساب وبعض الكلمات التي يرددها في الصلاة بعدوفاة والده – جد كافكا – سينتقل بعائلته إلى براغ ، وسيسكن عند ابن عمه ويواصل عمله بائعاً للملابس . في الثلاثين من عمره يقرر الزواج يتعرف على جولي البالغة من العمر سته وعشرون عاما ، قضت سنواتها تساعد والدها في محل القماش الخاص به وتدير له حساباته ، وهي نفس المهنة التي ستتوالها بعد الزواج ، حيث يتمكن هيرمان من افتتاح محل لبيع الاقمشة وانواع اخرى من البضائع ، وفي هذا المحل سيعمل عنده خمسة عشر عاملا اضافة الى زوجته التي كانت تتولى الامور الحسابية .. كان العمل في المحل يبدأ في الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الثامنة مساء ، وكانت الام تذهب في الثانية عشر ظهرا لمساعدة زوجها ولتجلس الى جانب الخزنة .. ولهذا لم يكن فرانز الصغير يرى والديه اكثر من ساعة يوميا حيث تتجمع الاسرة لتناول الغذاء ثم يسرع الاب والام بالذهاب إلى المحل ، لان التفكير في ترك المحل بلا رقابة لا يسمح لهما بالاسترخاء والاستراحة ، كان هذا الامر مؤلما للطفل فرانز الذي كان يرى نفسه وحيدا على الدوام لأن الام والاب كانا دائما في المحل ، وبسبب غياب الام عانى فرانز من الامراض في طفولته ، كان جسمه نحيلاً عكس والده ، عاش طفولة مليئة بالوحدة ، في مقاطع من رسالة الى ابي يكتب : ” كنت طفلاً عصبياً ، غير انني كنت – بالمؤكد – متجهماً ، كل ما هنالك أنك عاملت طفلاً بالشكل الذي خلقت انت به ، بالعنف والضجيج والطبع الحاد .”
كانت هواية هذا الطفل هي القراءة ، وفي غرفته الصغيرة كان يعكف بصورة سرية غالبا على قراءة بعض الكتب باحثاً دوماً عن معانٍ جديدة . ومع مرور الزمن أنشأ لنفسه مكتبة صغيرة ..ولكن مع هذا الخوف من الاب والحرمان من رعاية الام كان كافكا الصبي يكتب في دفتر يومياته :” عندما يشيخ الوالد ، سيعرف ماذا انجز ، اما انا ؟ ” .. سيعيش وسط عائلته اشبه بالغريب ، يخبرنا في يومياته – ترجمها الى العربية خليل الشيخ – انه لم يتحدث مع والدته اكثر من عشرين كلمة في اليوم ، ومع والده لم يتبادل اكثر من كلمات التحية :” ينقصني دوما حس للمشاركة في الحياة مع الاسرة ” ، يحاول طه حسين في دراسته عن فرانز كافكا أن يعمل مقارنة بين شاعره المفضل ابو العلاء المعري وبين صاحب القصر والمحاكمة والمسخ ، فكلاهما حسب تعبير طه حسين له منهاجه التشاؤمي ، وكلاهما ينظر الى الحياة والى العالم دون يتحسس فيهما بارقة امل .. وقد حاول طه حسين تأكيد اوجه الشبه بين كافكا والمعري رغم وجود تباعد زمني بينهما يقرب من عشرة قرون ، فهو يؤكد أن هناك توافق في الفكر والمنهج في اعمالهما ، في اللزوميات والفصول والغايات عند المعري وفي المحاكمة والقصر عند كافكا :” أدب فرانز كافكا كما أدب أبي العلاء أدب قاتم حالك، يفل العزائم ويثبط الهمم، ويصد الإنسان عن العمل ويرده عن الأمل، ويدفعه إلى نشاط عقلي عقيم، يدور حول نَفْسه أكثر مِمَّا يدور حول غيره، ولا يُحَفِّز الناس إلى طمع أو طُموح، وإنَّما يُمْسِكهم في لون من الخوف المُنكر، الذي لا أمن معه ولا اطمئنان ” .
عاش فرانز كافكا حياته مراقبا من والديه ، فقد كانا والدا كافكا يكلفان بعض الاشخاص لتقصي اوضاع اي فتاة يريد كافكا الزواج منها .. كان الاب يعيب على ابنه انه لايستطيع تحمل المسؤولية ، فهو برغم كونه حقوقي يعمل في مؤسسة للتامين ، إلا انه لم يستخدم خبرته هذه لمساعدة والده في تجارته ، الامر الذي كان يعتبره الاب عملا عدائيا ، إلا ان العلاقة مع الاب تحسنت في الاشهر الاخيرة من حياة فرانز كافكا – توفي والد كافكا بعد وفاة ابنه بسبعة اعوام 1931 ، وتوفيت والدته عام 1934 – ويكتب فرانز قبل يوم من وفاته رسالة الى والديه يتذكر فيها جلساتهم القليلة وكيف كان يتناول الطعام معهم ..لكنه لم يخبرهم بحالته الصحية .. كان قد كتب في ورقة صغيرة لصديقه ماكس برود ، فقد منع من الكلام بسبب المرض الذي اصابه في حنجرته : ” اقتلني وإلا فانت مجرم ” كان يعلم أن امه لا تتحمل منظر مشاهدته لا يستطيع شرب الماء .
بعد أن انتهيت من مقال طه حسين اخذت ابحث في المكتبة عن روايات كافكا ، هذه هي المسخ –ترجمت فيما بعد بالانمساخ وفي ترجمة اخرى التحول – وهناك رواية القصر ترجمة مصطفى ماهر ثم رواية القضية قبل ان تترجم اعماله الاخرى ..كنت آنذاك في السابعة عشر من عمري .. كانت قراءة كافكا وانا في هذه السن تجربة فاشلة بالنسبة لي ، لانني لم افهم إلا اشياء بسيطة من صفحات رواياته ، في الوقت الذي كان فيه مقال طه حسين واضحا وسلسا ، لكني لاحظت بالتدريج انني طورت طموحا لقراءة اعماله مرة اخرى . وكان ذلك بعد عشر سنوات ، في ذلك الوقت كان هناك مفتاحا آخر فتح لي مغاليق كافكا كتاب بعنوان ” واقعية بلا ضفاف ” تاليف روجيه غارودي ، والكتاب لم يكن مخصصا لكافكا وحده وانما تناول ثلاث شخصيات هي بيكاسو وكافكا وسان جون بيرس .. وفي الفصل المخصص لكافكا يؤكد غارودي أن عالم كافكا هو عالمنا .. عالم الغربة ، ومنذ السطور الاولى يرفض غارودي التفسيرات العقائدية والايديلوجية لاعمال كافكا ، ففي الوقت الذي نشر فيه كتاب غارودي كان كافكا محشورا بين الماركسيين والوجوديين ، لكن غارودي يؤكد أن روايات كافكا لا يمكن ان تكون تعبيرا لهذا الاتجاه الفكري أو ذاك ، وانما هي صورة للحياة بكل ابعادها :” عالم كافكا من نفس نسيج حياته ، وهو في الوقت نفسه عالمنا .. عالم الانسان ” ولم يكن كافكا فوضويا مثلما يصر النقد الماركسي ، وليس وجوديا مثلما قرر سارتر في واحدة من مقالاته ، ولم يقترب من العدمية مثلما اراد كامو ان يلصقها به ، انما حسب تعبير غارودي هو ” شاهد على عصره ” ، وتُعبر اعماله عن موقفه من العالم ، وهو ليس ثوريا ، ولا يقدم تفسيرا للعالم ولا يريد تغيره وانما يكتفي بالكشف عن قصوره ويدعو الى تخطيه وتجاوزه .. فهي اعمال ضد الغربة ، ويستند غارودي الى عبارة كافكا التي جاءت في يومياته :” اعيش غريبا اكثر من الغرباء انفسهم ” .. كما يسخر غارودي من فرويد الذي يتحدث عن عقدة اوديب عند كافكا ، اذ يرى غارودي ان النزاع مع الاب كان يلخص نزاع وغربة كافكا عن مجتمعه ، فكان الاب في نظر ابنه كافكا صورة مصغرة لمجتمع ضاغط يدفع بالانسان تجاه الغربة ويخنق احلامه وطموحاته .
ويذهب غارودي في ” واقعية بلا ضفاف ” إلى ان كل عمل من اعمال كافكا هو جزء من ملحمة واحدة تدور حول نفس البطل ، واحداث كل عمل من الاعمال ليست استكمالا للحدث السابق او تمهيدا للحدث القادم ، وانما كل هذه الاعمال هي محاولة لتقديم ماساة الوجود الانساني في عالم تسوده الغربة وضياع الذات .. وتتمثل اهمية كافكا في نظر غارودي في نجاحه في خلق عالم اسطوري لا ينفصل عن عالمنا الواقعي ، بل يشكل معه وحدة واحدة . لقد ابدع كافكا عالما خياليا بمواد من عالمنا الواقعي تماما مثلما فعل بيكاسو الذي قال عنه كافكا انه ” يسجل التشويهات التي لم تدخل بعد في مجال وعينا ” .
في واحدة من المناقشات المهمة التي جرت بين الفيلسوف والناقد الالماني فالتر بنيامين والمسرحي برتولد برشت حول كافكا –ضمن احاديث فالتر بنيامين التي ترجمها الى العربية خليل كلفت – فقد كان بنيامين يعطي اهمية كبرى لانتاج كافكا ، بينما برتولد برشت يوجه نقدا جذريا الى كافكا يصل الى حد رفضه واعتباره كاتبا فاشلا رغم انه كان يعده روائيا عظيما ورغم انه كان يعتبره ممثلا للاغتراب في الفن ، يكتب فالتر بنيامين في السادس من تموز عام 1934 :” منذ ثلاثة اسابيع ، اعطيت برشت مقالي عن كافكا ، وانا واثق من انه قرأه ، لكنه لم يشر اليه قط من تلقاء نفسه ، وفي احدى الليالي بدأ يتحدث فجأة عن المقال قائلاً انني لم استطع ان ابرأ تماما من اسلوب الكتابة الذي يشبه يوميات كافكا واني لازلت تحت سطوة نيتشه ، واضاف ان مقالي عن كافكا يتناوله الى حد بعيد من وجهة النظر الظاهراتية- الانتاج بوصفه شيئا نشأ بصورة منفصلة بذاته – والانسان ايضا ، لقد فصل الانتاج عن كافة العلاقات ، حتى عن مؤلفه . ثم اضاف ، في النهاية يفتقر كل شيء كتبته غلى مسألة الجوهر ” ..ويوصي برشت ان الطريقة السليمة لدراسة كافكا اوقراءة اعماله هي ان نسأل : ماذا يفعل ؟ كيف يسلك ؟ عندئذ يمكن ان يتضح ان كافكا عاش في براغ ، في وسط فاسد من الصحفيين ، من رجال الادب المعتدين بانفسهم ، وفي ذلك الوسط كان الادب هو الواقع الاساسي ان لم يكن الوحيد ، وكانت نقاط القوة ونقاط الضعف لدى كافكا مرتبطة ارتباطا لا ينفصم بهذه الطريقة في رؤية العالم .. وكان رد فالتر بنيامين ان ما اراده كافكا في اعماله هو ان يُوصل الفزع الى القارئ ، وهو يزعم انه يعرف كابوس هذه المدينة التي يتجول فيها ابطاله من خلال تجربته الشخصية .
قبل اكثر منعام قرأت السيرة الذاتية التي كتبها راينر شتاخ عن كافكا – ترجم الجزء الاول منها بعنوان السنوات الاولى – حيث تفرغ استاذ الادب الالماني طوال ثمانية عشر عاما من عام 1996 الى عام 2014 لكتابة سيرة كافكا التي نشرت بالالمانية في ثلاثة اجزاء وبلغ حجمها اكثر من 2200 صفحة ، والكاتب سبق له ان نال شهادة الدكتوراه برسالة عن كافكا ايضا ، وهو يخبرنا انه قرأ كافكا منذ ان كان في المدرسة الثانوية ، وقد حالفه الحظ وهو طالب ان يحصل على جائزة تفوق من المدرسة كانت عبارة عن الاعمال الكاملة لفرانز كافكا ، ويتذكر ان هذه الاعمال جعلته يغير درؤاسته من الفرع العلمي حيث كان ينوي ان يتخصص في الرياضيات ، الى الفرع الادبي حيث قراءة يوميات كافكا جعلته من عشاقه المتحمسين ، ليكرس حياته لهذا الشخص :” كنت عاشقا له ” ، عام 1985 يحصل على الدكتوراه في اطروحة عن ” اسطورة كافكا الايروسية ” ، بعد ذلك يعمل محررا في دار نشر تطبع مؤلفات كافكا ، يقول شتاخ ان الكتابة عن كافكا كانت بالنسبة لكافكا “ضرورة داخلية عميقة”، وبالتالي تتطلّب تركيزا كاملا من الروح والبدن. وينقل عنه قوله: ” ينبغي أن يكون أي كتاب مثل فأس تذيب البحر المتجمّد في داخلنا”. ومما كتبه كافكا أيضا :” إذا لم يوقظنا الكتاب الذي نقرأه بضربة على الرأس. فما فائدة قراءته؟”.
وفي هذا العمل الذي يقدمه راينرشتاخ يشعر القارئ أنه يعرف كافكا بصورة أفضل من خلال التفاصيل الدقيقية التي يسردها شتاخ ، حيث يؤكد شتاخ ان أن كافكا انسانا وكاتبا ، هو محصّلة لفشل الذي عاشته البشرية في القرن العشرين ، وميزته العظيمة انه تمكن من عبر رواياته وقصصه ورسائله أن يجعل من الأشياء “التافهة” أحداثا حقيقية، ومن الأحداث الكبرى كأنها لم تحدث أبدا.
ولعل المثير في هذه السيرة هو ما يخبرنا به شتاخ من انه اعتمد على ما يقارب 500 موقع الكتروني مخصصة لتناول أدب كافكا وحياته ، وعلينا ان نعرف ان شبكة الانترنيت تضم اكثر من 133 موقعا الكترونيا عن كافكا وادبه وسيرته .
في سيرة كافكا نجد شتاخ يهتم بسرد تفاصيل حياة كافكا اكثر مما يهتم بتناول اعماله الادبية ، لكنه بالمقابل يقدم مقاربات بين ما يحدث داخل روايات كافكا وما حدث في حياته ، حيث يجد شتاخ ان محنة كافكا وكذلك محنة ابطاله ليست في الاذلال الذي تلقوه من عوائلهم ومجتمعهم ، وانما من الشعور بالوحدة الذي لازم كافكا كما لازممعظم ابطال رواياته ، ولهذا نجد شتاخ يؤكد ان اعمال كافكا اثارت سؤالا مهما : ما الذي يتعيّنُ على البشر فِعله ليحظوا بقبول مجموعةٍ ما، ولماذا لا يحظى البعض بالقبول؟ وهو السؤال الذي تصدّى له كافكا في روايةٍ وخصوصا في عمله الكبير ” القصر ” التي لم ينتهي منها وبقيت صفحاتها الاخيرة ترافقه حتى اليوم الاخير من حياته ، الخامس من حزيران عام 1924 ، وكان قبلها قد طلب من صديقه ماكس برود أن يُتلف جميع مخطوطاته. غير أن الصديق ، رفض تنفيذ وصية الكاتب فرانز كافكا ، وذهب في اليوم الثاني لينشر الاعلان التالي في احدى الصحف والذي جاء فيه :” “توفي أمس في مشفى كيرلينغ ، فرانز كافكا ، كاتب الماني عاش في براغ”. قلة هم من يعرفونه هنا ، لأنه كان منعزلاً ، رجلاً حكيماً يهاب الحياة ، عانى لسنوات من مرض رئوي ، ومع انه كان يتلقى العلاج ، غير انه كان يغذي مرضه متعمداً ، ويشجعه نفسياً ، كتب ذات مرة في احدى رسائله : عندما يعجز كل من القلب والروح عن تحمل العبء ، تأخذ الرئتان النصف، وهكذا يصبح الحمل موزعاً بالتساوي تقريباً . كانت لديه حساسية تقارب الإعجاز ونقاء أخلاقي صارم الى أبعد حد ، إلا أنه جعل مرضه يتحمل عبءَ خوفه من الحياة ، كان يرى عالماً مملوءاً بشياطين لامرئية تحارب الأشخاص الضعفاء وتدمرهم . كان صافي الذهن ، أحكم من أن يعيش وأضعف من أن يقاوم ” .
يكتب موريس بلانشو :” نحن نفهم اعمال كافكا في حالة واحدة فقط ، وهي عند خيانتنا لها ، فقراءتنا لها تدور بتلهف وتوق حول اساءة الفهم ” .
في النهاية يكفي بان نقول ان حياة كافكا قد وضعت طريقة جديدة لفهم الرابطة المتينة بين الكتابة والحياة ، لقد بَيَّن كافكا في اعماله الادبية، بان الكتابة هي اسلوب حياة ..

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0