أدب و تراث مختارات مقالات

في الحاجة إلى طه حسين

في الحاجة إلى طه حسين

بقلم/ علي حسين

تمر اليوم الذكرى الـ” 47 ” لرحيل عميد الادب والفكر العربي طه حسين، الذي اسس سؤال النهضة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر ، وهي بالتاكيد المرحلة التي لن نصلها كعرب مستقبلا ، لاننا فضلنا ان ندافع عن قطع الرؤوس ، بدلا من قطع ثمار الفكر ، وهو ما تنبأ به الشاعر نزار قباني وهو يلقي قصيدة في رثاء طه حسين الذي توفي في ” 28 ” من تشرين الاول عام 1973 :
إرم نظارتيك … ما أنت أعمى
إنما نحن جوقة العميان وعد الينا فأن ما يكتب اليوم
صغير الرؤى … صغير المعاني
طه حسين الذي حياه الجواهري بابيات لن تتكرر :
أحييك طه لا أطيل بك السجعا …كفى السجع فخراً محض اسمك إذ تدعى
نهضت بنا جيلاً وأبقيت بعدنا …لأبنائنا ما يحمدون به المسعى
أبا الفكر تستوحي من العقل فذّه …وذا الأدب الغضّ استثرت به الطبعا
كنت شاباً صغيراً مفتوناً بعدد من الكتّاب .. أراهم دائماً يرسمون فى مخيلتى عالماً من الشخوص والنماذج الملهمة.. لذا كنت أحرص على قراءة كل سطر من سطورهم .. سُعدت بالساحر توفيق الحكيم الذي ادخل البهجة الى حياتي ، وانا اتابع مصائر أبطاله وأفراحهم وأحزانهم ، حيث استطاع ،وبمهارة الفنان العظيم، ان يخلق لنا عالما كاملا يتحرك فيه ببراعة وسط شخصيات واحداث هي جوهر فنه يكتبها ويعالجها منذ “اهل الكهف” و “عودة الروح” و “عصفور من الشرق” و”زهرة العمر” و”السلطان الحائر” و”يوميات نائب في الأرياف” . هناك عشت مع سحر الكلمات والوجوه والأحداث التي تحمل نكهة الفن الصافي . أما سلامة موسى فقد كان لوحده مكتبة متكاملة تضم الناقد والمفكر والمؤرخ والفيلسوف وعالم النفس والباحث الاجتماعي. وتعلمت من كتب طه حسن كيف اقرأ الادب وكيف أفهمه وكيف أتذوقه ، وطه حسين مثل سقراط يبحث مع قارئه ويناقشه ويسعى لسحق الافكار القديمة ثم يأخذك معه في رحلة استكشاف للادب العربي ، قديمه وحديثه ، وقد كان لكتابات طه حسين الفضل الاول بأن اخذت بيدي لتُدخلني عالما عجيبا مدهشا اسمه الكتاب.
في المتوسطة النظامية أهداني أستاذي ، الفنان الراحل شاكر حسن ال سعيد ، نسخة من الجزء الاول من كتاب “الايام” ، وكان هذا اول تعرفي على طه حسين الذي لم اترك عملا صدر له دون ان أقتنيه . وقد فتح لي عميد الادب عوالمَ وآفاقاً ما أزال أكتشفها منذ ان قرأت الجملة الاولى في كتاب “الأيام” حيث يقول : ” لايذكر لهذا اليوم اسما ، ولا يستطيع ان يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة ، بل لا يستطيع ان يتذكر من هذا اليوم وقتا بعينه ، وانما يقرَب ذلك تقريبا ، واكبر ظنه ان هذا اليوم يقع من ذلك اليوم في فجره او في عشائه ، يرجح ذلك لأنه يذكر ان وجهه تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس ” .
اليوم حين استرجع هذه العبارة ، واتوقف امام مؤلفات طه حسين التي اعدت قراءتها اكثر من مرة ، وأسترجع الفتى الذي كنته ، يوم انتهيت من قراءة الصفحة الاخيرة من “الأيام” فانتابتني رغبة بأن اصبح مثل صاحبها ، حتى انني تمنيت في سري ان استيقظ من النوم ، فأجد نفسي وقد اصبحت ضريرا ، من أجل ان أعيد سيرة الفتى الذي تحدى العمى فانتصر عليه ، وتحدى الفقر فأصبح غنيا بثروة المعرفة ..وقد تعلمت من كتبه كيف اكتب بلا خوف ، وكيف اعيش حرا رغم المصاعب ، ومن خلاله ايضا تعرفت على كنوز الادب العالمي ، ونطقت لاول مرة باسماء لم تطرق سمعي من قبل ، ولعل كتابه “ألوان” كان بوابتي لمعرفة سارتر وكافكا واندريه جيد وجان كوكتو وبول فاليري ، واتذكر انني دهشت وانا اقرأ في هذا الكتاب مقالا بعنوان “سارتر والسينما” ، وهو مقال كتبه العميد في الاربعينات ونشره آنذاك في مجلة “الكاتب” المصرية. ولعل البعض يتساءل : ما هذا ؟ رجل ضرير ويكتب عن السينما وعن افلام لم تزل تمثل حيرة ولغزا للنقاد قبل المشاهدين ، مثل “الدوامة ، وتمت اللعبة ، والاشتباك” واخيرا فيلم عن مكتشف التحليل النفسي فرويد ، ليس هناك مجال للتساؤل في الحقيقية ، فلم يكن طه حسين يمثل استثناءً لقدرة الانسان الخلاقة فقط ، وانما كان هو تاكيد لوجودها ، في هذا المقال المثير لم يكتف عميد الادب بمناقشة افلام سارتر وانما حاول مقارنتها بنماذج اخرى فهو يكتب : “لم يكن سارتر وحده الذي وظف الكاميرا مع الفيلم في الكتابه فقد سبقه في الادب الفرنسي اثنان من أعلامه هما جان كوكتو ومارسيل بانويل ، غير انهم لم يتجاوزوا بآثارهم محاولة التوفيق بين السينما والادب ، اما سارتر فهو لايكره ان يمتع النظارة ولكنه لايكتفي بإمتاعهم ، وهو لايكره ان يعظ النظارة ، لكنه لايكتفي بوعظهم ، وانما يحاول فوق الإمتاع والوعظ ان يعرض عليهم مشاكل عنيفة ، بعضها يعرض للانسان من حيث هو انسان يفكر في حياته ومصيره تفكيرا فلسفيا ، وبعضها يعرض عليه من حيث هو انسان يدبر حياته تدبيرا سياسيا واجتماعيا ، فيلقى في هذا كله ما يلقى من المصاعب والعقاب “.
في كل مرة اعود لكتاب “الايام” ، اسأل نفسي كيف قرأت هذا العمل الساحر قبل اكثر من اربعين عاما وبأية احاسيس ومشاعر اقرأه اليوم، وانا اتابع سيرة الرجل الأزهري الذي يواجه الحياة في القاهرة وبعد ذلك في باريس، واذ يكتب التجربة ويصف انطباعاته ، حيث يلاحقها بأسلوب أدبي قل نظيره ، ونعيش معه ذكريات مرق الفول في الازهر، وتبرمه ببعض الاساتذة والرفاق. لكن اللغة التي سيكتب بها حتى اللحظات الاخيرة ، هي لغة منحوتة، ببلاغتها وتعابيرها، ، فيما هو يحاول ان يعيش بكل جوارحه في باريس ، ونعرف انه قرر ان يتخذ شريكة له، الفرنسية سوزان التي يرى بعينيها سحر باريس ، وسوف يكتشف ان على الضرير ان يغطي عينيه بنظارتين سوداوين سميكتين، وهو المنظر الذي سيرافق صورته في ذاكرتي .
كان طه حسين في السادسة والعشرين من عمره ولم يكن كاتبا معروفا عندما تعرف على سوزان التي اصبحت زوجته فيما بعد وتذكر هي في كتاب “معك” ،وهو واحد من اجمل ماكتب في مجال السيرة الذاتية للادباء العرب، انها: ” ذات يوم صرحت برغبتها في الزواج منه فصعقت العائلة واخذ جميع افرادها يصيحون فيها غاضبين: كيف؟ من أجنبي؟ وأعمى؟ وفوق ذلك كله مسلم؟” ، غير ان الفتاة كانت قد اختارت. وجاءها العون من عم لها كان قسا، فقد قال لها بعد ان تنزه مع طه حسين مدة ساعتين في حقول باريس : “بوسعك ان تنفذي ما عزمت عليه.. لا تخافي، فبصحبة هذا الرجل يستطيع المرء ان يحلق بالحوار ما استطاع الى ذلك سبيلا، انه سيتجاوزك باستمرار” . وفيما بعد سوف تكتشف السيدة سوزان ان عمها كان على حق.
************
في كتاب “الايام” نرى طه حسين ويرانا ، وتخبرنا سوزان في “معك” ان فكرة الكتاب نضجت بعد ان تعرض عميد الادب العربي الى موقف عنيف بسبب صدور كتاب له في الشعر الجاهلي ، وخوفا على حياته سافر الى احدى القرى في باريس. وهناك وفي تسعة أيام بدأ يكتب سيرة الطفل الضرير والتي صدر عام 1926 الجزء الاول منها بعنوان “الايام” ، وفيه نقرا صفحات ناصعة جريئة من نضال الانسان وكفاحة واصراره على خوض المستحيل .
هذا الكتاب هو الرسالة التي وجهها طه حسين لابنته البالغة آنذاك تسعة أعوام : “نعم يا ابنتي لقد عرفت ابيك في هذا الطور من حياته ، واني لأعرف ان في قلبك رقة وليناً ، واني لأخشى لو حدثتك بما عرفت من امر ابيك حينئذ ان يملكك الإشفاق وتأخذك الرأفة فتجهشين بالبكاء “.
كتب طه حسين الكتاب وهو في السابعة والثلاثين من عمره ، وطبع الكتاب اكثر من خمسين طبعة وما زال يطبع ويجد قارئا جديدا كل يوم ، وهو يقول لغالي شكري في حوار موسع نشر في كتاب “ماذا بقى من طه حسين” : ” ليس الغرض من الايام ان اصف حياتي ، وانما كنت اريد ان ادرس حياة المجتمع المصري في ذلك الزمان” وهو يرسم لغالي شكري حدود نظريته الفنية في كتابة السيرة فيقول: “خصلة اخرى حببت إلي نشر هذا الكتاب ، وهي انه يؤرخ حياة الطالب في الازهر وفي الجامعة المصرية ، وهو نوع جديد من الكتابة ، لست ابحث من خلاله عن الاولوية في القيمة وانما اكتفي بهذه الاولوية نفسها مغريا بنشر المعرفة بين الناس ، ولست اتخذ من اولويته فخرا وانما اتخذ منها معذرة ان كان فيه بعض النقص “.
تتذكر سوزان الأزمة التي اثيرت حول كتاب “في الشعر الجاهلي” فتكتب في مذكراتها :”الضجة التي اقترنت بهذا الكتاب ، وثورة الجهل والتعصب التي اعقبت صدوره نعرفها جميعا ، اما ما لانعرفه فهو ماكانته هذه المحنة في نظر زوجي الذي كانت رزانته الثابتة تمنعه من الشكوى ، لقد بدأ كتابة هذا الكتاب في كانون الثاني عام 1926 وانجزه في اذار من العام نفسه. ”
ما المشكلة ؟ كان طه حسين في السطور الاولى من الكتاب قد خاطب القارئ قائلا : “وأول شيء لأفاجئك به في هذا الحديث ، هو اني شككت في قيمة الشعر الجاهلي ، وألححت في الشك ، او قل ألح علي الشك فاخذت ابحث وافكر وافكر واقرأ واتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إن لم يكن يقينا ، فهو قريب من اليقين ، ذلك ان الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ، ليست من الجاهلية في شيء ، وانما هي منتحلة مختلفة بعد ظهور الاسلام ، فهي اسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم واهواءهم اكثر مما تمثل حياة الجاهليين.”
ما ان ظهر الكتاب الى الاسواق منتصف عام 1926 حتى ثارت ثائرة الوسط الادبي والديني لتظهر عشرات الكتب ترد على طه حسين اضافة الى مئات المقالات واشتركت اكثر من صحيفة ومجلة في المعركة ، وبرزت الاهرام في صف المهاجمين للكتاب فنشرت على صفحاتها الاولى افتتاحيات تأخذ على المؤلف انه اساء للتراث العربي والاسلامي .ولم يشأ طه حسين ان يرد على سيل الهجوم، هذا إلا أنه اجاب فيما بعد على اسئلة وجهها له صديقه احمد حسن الزيات ونشرت في مجلة الرسالة في عددها الصادر في ايار عام 1926.
– أية عاصفة تلك التي أثرتها يادكتور؟
يجيب طه حسين : ضجة كبيرة لأمر تافه ، ان الاستاذ الذي يلقي دروسه بأمانة كثيرا ما تعرض له في المادة التي يدرسها ملاحظات ومباحث شخصية كما تعرض له في بعض الاحيان نظريات ايضا ، وطبيعي جدا ان يجمع هذه الملاحظات ويصوغها في قالب تحليلي يعرضه مع شيء من التفصيل.
– ولكنك تعرضت لمسائل تعرف انها شائكة.
– بلى ، ولكني طلبت مدفوعا بشغف مهنتي الى اولئك الذين لا يعرفون مناهج النقد الحديثة والبحث الحر ألا يقرأوا كتابا لم يكتب لهم ، ان كتابي جدير بما هو جدير به ، وقد لاتكون له قيمة إلا في نزاهة بحثه.
لم تنته الأزمة عند حد الردود فقد أثار الأزهر ضجة عنيفة دفعت احمد لطفي السيد عميد جامعة فؤاد الاول لحجز نسخ الكتاب ، ولكن ذلك لم يخفف من غلواء المتشددين الذين طالبوا بمحاكمة طه حسين ، وانتشرت تهديدات بالقتل ، وبناء على نصائح اصدقائه ذهب الى فرنسا وبقى فيها حتى عام 1927 ، وكانت نهاية القصة ان عقد البرلمان المصري اجتماعا قرر فيه فصله من الجامعة ، لكن نهاية القصة عند طه حسين كانت التفرغ لمدة تسعة اشهر ليُخرج الى الادب العربي واحدا من اهم كتب السيرة وهو الجزء الاول من “الايام”.
قبل أكثر من تسعين عاماً القى طه حسين حجراً في بركة الثقافة العربية حينما أصدر كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي) الذي استقبل من البعض بالمديح لجسارة وريادته ، والبعض الأخر أتهمه بالزندقة ، فيما ظهر فريق ثالث يقول ان طه حسين سرقه من المستشرق البريطاني صمويل مرجليوت ، الذي كان قد نشر بحثا بعنوان ” نشأة الشعر الجاهلي ”
وكان طه حسين قد كتب في مقدمة الكتاب” نحن لم نكتب هذا الكتاب هازلين ولا لاعبين” فهو قد تنبأ بأن يظل كتابه هذا موضع جدل عابر للاجيال.
واتذكر انني قبل اعوام حصلت على كتاب بعنوان ” في الشعر الجاهلي. دراسة وتحليل سامح كريم ” .. ينشر فيه مؤلفه وثيقة مهمة لمرجليوت يُبرأ فيها طه حسين من سرقة بحثة ، ويؤكد ان طه حسين أستطاع بمهارة فائقة أن يرصد الدوافع المختلفة لتحريف الشعر في العصور الاسلامية ، ونسبته الى شعراء جاهليين يعتبرهم هو بحق شعراء من صنع الخيال.
وكنت قبل سنوات عديدة قرات كتاب ” دراسات المستشرقين في الشعر الجاهلي ” وهو مجموعة مقالات في الالمانية والانكليزية والفرنسية جمعها وترجمها عبد الرحمن بدوي ، ومن ضمن مقالات الكتاب البحث الذي نشره مرجليوث عام 1925 بعنوان ” نشاة الشعر العربي ” حيث فيه ينكر مرجليوث أن يكون العصر الجاهلي قد عرف فن الشعر وأن ما وصل الينا منه من صنع شعراء المسلمين .
وفي كتاب بدوي نقرا للمستشرق الألماني ثيودور نولدكه صاحب كتاب ” تاريخ القران ” حيث ترجم له بدوي بحثه ” من تاريخ ونقد الشعر العربي ” وايضا بحث المستشرق الالماني أرش بروينلش بعنوان ” في مسالة صحة الشعر الجاهلي ” وبحوث اخرى للفرنسي بلاشير صاحب كتاب تاريخ الادب العربي ، وكتاب ابو الطيب المتنبي ، والمستشرق فلهام الفرت الذي كتب بحثاً بعنوان ” ملاحظات على صحة القصائد العربية القديمة ”
واعود لكتاب بدوي الذي يقول في مقدمته التي كتبها وهو في روما عام 1979 ، انه كلما تذكر الحملة الشعواء الهوجاء التي اثيرت حول كتاب استاذه طه حسين ” في الشعر الجاهلي ” ، فان :” عجبي لاينقضي على جهل الذين هاجموا طه حسين لان قضية انتحال الشعر الجاهلي طرحت في كتب التراث ” ويورد بدوي اهمها كتاب طبقات الشعراء لابن سلام الذي حققه محمود شاكر وهو احد تلامذة طه حسين ، لكنه هاجمه فيما بعد لانه اختلف معه حول المتنبي .يقول ابن سلام في كتابه :” فلما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها ، أستقل بعض العشائر شعر شعرائهم ، وما ذهب من ذكر وقائعهم . وكان قوم قلَّت وقائعهم وأشعارهم ، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والاشعار ، فقالوا على السنة شعرائهم . ثم كانت الرواة بعدُ، فزادوا في الأشعار التي قيلت ” .. ويضيف ابن سلام في صفحة اخرى من كتابه ” طبقات الشعراء ” ان الكثير من الرواة وعلى راسهم حماد الراوية وخلف الاحمر كانوا يصنعون الشعر وينسبونه الى كبار الشعراء في الجاهلية أن :” شعراء الجاهلية حُمل عليهم – اي نسب اليهم – الكثير من الشعر واصبح تخليص الصحيح من الزائف عسيرا حتى اضطرب فيه خلف الأحمر ” .
ويعيب عبد الرحمن بدوي على مهاجمي طه حسين انهم لم يطلعوا جيدا على كتب التراث ولا على الدراسات الحديثة عن الادب العربي وخصوصا عند المستشرقين :” ظل المشتغلون بالادب العربي بمعزل تام عنها ، وفي جهل فاحش بها ، وربما كان هذا هو التفسير للدهشة الحمقاء التي قوبل بها كتاب الدكتور طه حسين ولو كانوا على علم بما كتبه القدماء من علماء العربية ، واطلعوا على ابحاث المحدثين من المستشرقين لما راو في كتاب في الشعر الجاهلي شيئا مستنكرا ” .
وفي العودة الى طه حسين وتلميذه عبد الرحمن بدوي ، نجد ان طه حسين وحده من الأساتذة الذي نجى من سلاطة بدوي اللسانية ، فعبد الرحمن بدوي في مذكراته يعترف بانه يكن وداً خاصا لطه حسين الاستاذ الجامعي والباحث القدير ، لكنه يكره طه حسين عميد الكلية الذي عمل في السياسة وكان حسب قوله عميلا للبوليس السري .. وفي ” سيرة حياتي ” يشتم بدوي العقاد واحمد امين ، ويسخر من محمد مندور وزكي نجيب محمود وعثمان امين لانهم فشلوا في الحصول على شهادة الدكتوراه في بعثتهم الجامعية الى الخارج بسبب :” قلة الذكاء المقرونة بالكسل وعدم الرغبة في العلم ” .. اما توفيق الحكيم ونجيب و محفوظ فهم عنده مجرد ابواق ناطقة بلسان السلطة .. ويسخر من لويس عوض ويتهمه بعدم معرفته باللغة العربية ويقول عن عبد الرحمن الشرقاوي انه يدور بين اليمين واليسار ويجمع بين عمامة الاسلام وكاسكيت الشيوعيين .
الكلمات الاخيرة
في يوم 27 تشرين الاول 1973، أصيب طه حسين بوعكة صحية ، ولما جاء الطبيب لفحصه زالت النوبة وعاد صاحب “الأيام” الى حالته الطبيعية، كانت برقية الأمم المتحدة التي وصلت عصر ذلك اليوم تعلن فوزه بجائزة حقوق الانسان، غير انه لم يسعد كثيرا بتلك البرقية ، وبإشارة من يده تعرفها زوجته جيدا ، علّق على ذلك قائلا: ” أية حماقة ، يريدون ان يجعلوا من رجل اعمى قائدا لسفينة ؟ ”
صبيحة اليوم التالي شرب العميد قليلا من الحليب، ثم لفظ انفاسه. وفيما بعد كتبت زوجته تقول واصفة مشاعرها في تلك اللحظة العصيبة: “جلست قربه، مرهقة متبلدة الذهن وان كنت هادئة هدوءا غريبا ، ما اكثر ما كنت اتخيل هذه اللحظة الصعبة، كنا معا وحيدين، متقاربين بشكل يفوق الوصف. ولم أكن ابكي ـ فقد جاءت الدموع بعد ذلك ـ ولم يكن احد يعرف بعد بالذي حدث، كان الواحد منا مثل الاخر مجهولا ومتوحدا، كما كنا في بداية طريقنا”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0