أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

ضعف الإحساس بالمسؤولية لدى المراهق

من كتاب “المراهق” للدكتور عبد الكريم بكار

التعامل مع مشكلات المراهقين
ضعف الإحساس بالمسؤولية

لدينا نحن الكبار شعور متزايد بأن شعور أبنائنا بالمسؤولية تجاه الكثير من الأمور أقل بكثير من شعورنا حين كنا في مثل أعمارهم، وأعتقد أن هذا الشعور لا يبتعد كثيراً عن الصواب؛ فالجيل الحالي يقضي نحواً من (40%) من عمره وهو يتعلم، وخلال فترة تعلمه يتلقى الكثير من التدليل والعناية؛ حيث تظل الأم مدة طويلة من حياتها وهي تقدم الخدمة والرعاية الكاملة لأبنائها المراهقين والشباب، كما أن من الملاحظ أن درجة الانانية والاستئثار بالأشياء قد ارتفعت لدى الجيل الحالي، وهذا قد يعود إلى التقدم الحضاري الحادث الآن، والذي من شأنه توسيع ادراك الناس للمتعة الشخصية والمصلحة الخاصة، وينال المراهق من هذا أوفر النصيب.

مظاهر ضعف الشعور بالمسؤولية لدى المراهق:

تقول إحدى الأمهات: ابنتي المراهقة اتعبتني بكثرة اهمالها لواجباته؛ فهي تخرج إلى المدرسة وقد تركت غرفتها أشبه بساحة حرب، أبواب الخزائن جميعاً مفتوحة، الكثير من الملابس على الأرض وبعضها على السرير والمصابيح كلها مضاءة، والكتب والدفاتر منشورة في زوايا الغرفة ،أنك تستطيع القول: لا شيء في مكانه، وهذا يعود إلى أنني أحاول ايقاظها في الوقت المناسب للاستعداد للذهاب الى المدرسة، لكنها لا تستيقظ إلا في اللحظة الأخيرة بسبب طول سهرها، أما الهاتف فله حكاية أخرى، وأما غسيل الصحون ومسؤوليتها عنه فتلك قصة محزنة، إني أتكلم كثيراً معها، وهي تهز رأسها بالإيجاب، وأقول: هذه المرة ستستجيب لما أطلبه منها، لكن بعد نصف ساعة تنسى كل شيء، وكأننا لم نتحدث بأي شيء!

ويقول أحد الآباء: حين كان ابني في التاسعة كنت أحدثه في أمور صغيرة ومحدودة، وكان يستمع، ولا يعقل كثيراً مما أقوله، وحين صار في السابعة عشرة بدأت أحدثه عن أمجاد المسلمين الغابرة وانجازاتهم التاريخية، وكنت- بوصفي مدرساً للتاريخ- أحاول أن أوصل له رسالة، مضمونها: التاريخ يعلمنا أن الحضارات تنهار بسبب الأخطاء الفادحة.

وإذا أردنا أن نبني حضارة الامة من جديد، فلابد من تجنب الأخطاء الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي وقعنا فيها، وكنت أحاول شرح تلك الأخطاء في مناسبات مختلفة، وأتحدث معه طبعاً عن دور الشباب في خدمة البلاد، وخدمة الأمة ودورهم في تشييد حضارة جديدة.. وكان ابني يستمع – فيما يظهر لي- باهتمام، لكن لا يعلق على كلامي، ولا يشاركني الحديث، وذات يوم كنت جالساً معه؛ فقال أبي: قد ربيتني على الصراحة والصدق، وأنا سأقول لك بصراحة: إن جلوسنا معاً صار مملاً جداً، وأنا أحاول أن يكون قصيراً قدر الإمكان، أنت يا أبي في وادٍ وأنا في وادٍ آخر، أنت تريدني أن أكون مصلحاً وبانياً لنهضة أمة ومسؤولاً عن ترقيع ما يمزقه الآخرون، وهذا لا يدخل في حساباتي اليوم لا من قريب ولا من بعيد، أنا الآن مشغول بثلاثة أمور: الحصول على حاسوب جديد، وبلوغ الثامنة عشرة حتى احصل على رخصة قيادة لأني أحب ركوب السيارات، وحل مشكلتي مع ثلاثة من أصدقائي المتحالفين ضدي!

يقول الأب: كنت مسروراً بمصارحته، ومحبطاً من اهتماماته، ومنزعجاً من سوء تقديري لموقفه!

إن شكوى الآباء والمعلمين من ضعف شعور المراهقين والمراهقات بالمسؤولية مستطيلة في الزمان ومستعرضة في المكان، وأعتقد أن شيئاً من التبصر في الموضوع مع شيء من الجهد يجعلان وطأة المشكلة أخف.

كيف نبني الشعور بالمسؤولية لدى المراهقين:

  • يعني الشعور بالمسؤولية إحساس المرء بأنه يتحكم بسلوكه، وأن أعماله لها عواقب محددة؛ فالتصرفات الخيرة والصحيحة لها عواقب حسنة وممدوحة، والتصرفات السيئة لها عواقب خطيرة ومذمومة، كما يعني الشعور بالمسؤولية إحساس المرء بضرورة الالتزام بواجباته ومسؤولياته الدينية والاجتماعية، ويأتي في قمة الشعور بالمسؤولية إحساس المرء بما عليه أن يفعله تجاه مستقبله وأهدافه.
  • من المهم أن ندرك- معاشر الآباء- إن المراهق حديث عهد بمرحلة منا فيها بالنسبة إليه كل شيء؛ حيث كان يعتمد علينا في الصغيرة والكبيرة، والآن هو يدعي أنه يعرف كل شيء، ويحاول أن يكون له رأيه في كل شيء، إنه يريد أن يخرج من الشرنقة، بل يظن أنه خرج منها، لكننا نعلم علم اليقين إن ذلك يحتاج إلى وقت؛ ولهذا فإن وعيه بما ينبغي عليه القيام به يتكون على نحو متدرج وبطئ، فلنصبر، ولنحتسب، ولنكن الإناء الكبير الذي يتسع لماء الإناء الصغير.
  • الشعور بالمسؤولية لا ينمو تحت المتابعة الشديدة، وتحت الضغط والاكراه؛ وإنما ينمو ويترعرع في فضاء الحرية، أعطه الحرية، وثق به، وعامله على أنه انسان موثوق ومحترم وقادر على انجاز ما يكلف به، وعلى سبيل المثال: اطلب منه التخطيط والاعداد لرحلة قصيرة للأسرة، واطلب منه شراء بعض الأشياء للمنزل، وكلفه اعداد مادة للتحدث بها في مجلس الأسرة الشهري، وأعهد إليه برعاية أخيه الصغير المتعثر في دراسته، وفوض إليه إدارة ميزانية الأسرة لمدة أسبوع..
  • حين تكلفه القيام بشيء، تيقن أنه مغتبط بذلك التكليف، ومتقبل لهن وعليك أن تدرك أنه سيخطئ؛ لأنه ما زال يتعلم، فلا تسحب منه التكليف إذا وقع في خطا، ولا تمتنع عن تكليفه أموراً أخرى، وإنما وضح له برفق لماذا اخطأ، وكيف يتلافى الخطأ في المستقبل، وليكن ذلك سراً بينك وبينه، وإذا حدثته عن اخفاقك في بعض ما كُلفت به يوم كنت في سنه فسيكون ذلك ممتازاً.
  • حين يقع في مأزق، ساعده في المرة الأولى، وقل له: إذا وقعت فيه مرة أخرى، فلن أساعدك، وقد ذكر أحد الآباء أن ابنه نسي أن يأخذ معه أوراق مشروع كلف به، فرجع إلى المنزل، وأحضرها له، وقد تكرر منه نحو هذا ثلاث مرات، وفي الرابعة قال له: لن أحضر لك ما نسيته، وعليك أن تتحمل العواقب، وفعلاً حرمه المعلم من درجة أحد الواجبات، وأخذ من ذلك درساً بليغاً.
  • اشتر له ساعة منبهة، واجعله مسؤولاً عن وقت استيقاظه لصلاة الفجر، والذهاب إلى المدرسة وكل المواعيد المهمة, إن هذا سوف يجعله يتحمل مسؤولية عدم استيقاظه في الوقت المطلوب وتأخره عن أعماله.
  • دربه على التخطيط لوقته، ولا سيما ما يتعلق بالدراسة وكتابة الواجبات، وشجعه على أن يكتب المواعيد المهمة والمناسبات الخاصة، وحثه على أن يكون في جيبه دائماً قلم وورقة لكتابة الأفكار والخواطر والحكم التي يمكن أن يلتقطها من هنا وهناك؛ إذ أن هذا مما يقوي لديه الشعور بالمسؤولية.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0