أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

خشونة المراهقين ومنازعاتهم

من كتاب “المراهق” للدكتور عبد الكريم بكار

التعامل مع مشكلات المراهقين
خشونة المراهقين ومنازعاتهم

 

يقول أحد الاباء: لا أدري ما الذي حدث لابني؟ فقد كنت أراه لطيفاً جداً حين كان في التاسعة، ولا أنسى حين كان يأتي من خلف ظهري ليضع يديه على عيني ليختبر قدرتي على معرفته، ولا أنسى حين كان يهجم عليَّ ويقبلني من غير أي مناسبة، كما أنه كان ودوداً جداً مع والدته، ولم يحدث أبداً أن سمعت منه كلمة نابية.. أما اليوم فقد تغير كل ذلك، ووصل سوء الأمور إلى حد التمتع بضرب أخته الصغيرة، وهو بالإضافة إلى ذلك دائم الجدال والنزاع مع أخيه الذي يكبره بسبع سنوات، وحين يختلفان فإن ما نخشاه هو العراك بالأيدي والقذف بالأشياء؛ بل إن هذا حدث مرات عديدة، كما أن والدته سمعته من أيام وهو يتلف بكلمات نابية مع أحد أصدقائه.. فعلاً إنني قد خسرت ابني، وأخفقت في تربيته!!

هذه الشكوى تكاد تكون عامة؛ حيث أن معظم الآباء يشعرون بأن أبناءهم في مرحلة المراهقة قد فقدوا نعومة  التعامل التي كانوا يتصفون بها، بل إن بعض الآباء يقول: إن ابني صار عدوانياً بما لا يطاق، وبما هو غير معهود في محيطنا.

لماذا يحدث ذلك؟

لو قطعنا النظر عن بعض الأسباب الشخصية والخاصة التي يمكن أن تكون لدى فئة قليلة من المراهقين، فإن في إمكاننا أن نذكر في الجواب عن هذا التساؤل الآتي:

  • إن الاحتكاك بين الإخوة في المنزل والجدال والنزاع، من الأمور الطبيعية والقائمة في كل بيت تقريباً، وسببه حرص كل واحد على اثبات ذاته، بالإضافة إلى التنازع على أمور مشتركة في المكان والأثاث والأدوات، كما إن عدم وضوح مسؤولياتهم وواجباتهم تجاه الأسرة بشكل كافٍ يؤدي أيضاً إلى تنازعهم، ولا ينبغي أن ننسى اختلاف الأمزحة، وغيرة بعضهم من بعض بسبب تفوق أو خطوة عند الأبوين.. إن كل هذا يؤدي إلى النزاع بين الأبناء، وهو طبيعي ما لم يؤد إلى الحقد أو اللإيذاء الجسدي.
  • توفر الحياة الأسرية للأولاد جواً أمناً، وهذا يغريهم أن يتخذوا من المنزل مكاناً للتدرب على عرض العضلات وعلى المفاوضة والمجادلة، واختبار ردود الأفعال على تصرفات معينة، والحقيقة إننا جميعاً نفعل هذا، فنحن نتحفظ في كلامنا وتصرفاتنا كثيراً حين نكون خارج المنزل، ولهذا فلا داعي للقلق.
  • حين يشعر الولد بالإرهاق ويستنفد طاقته الروحية في النهار؛ فإن من المألوف أن تكثر المنازعات بينه وبين بعض أهل بيته في المساء، وهذا شيء يمكن إيجاد حل له.
  • تدل بعض الدراسات على أن (10%) ممن هم في سن ( الخامسة عشرة) لديهم عدوانية ظاهرة. وهذه العدوانية تكون عند الذكور أوضح منها لدى الإناث، وأن من الدراسات ما يفيد أن العدوانية لدى المراهق كثيراً ما تكون رد فعل على الإحباط الذي يشعر به، وهكذا كلما ساءت أحوال الأسرة كان لنا أن نتوقع ارتفاع درجة العدوانية والتنمر لدى أبنائها.
  • كثيراً ما يكون أسلوب تربية الأبوين للأبناء هو السبب في الشدة والغلظة فيما بينهم؛ حيث أن من الواضح أن الأب حين يمعن في تدليل ابنه وغض الطرف عن أخطائه، فإنه بذلك يشجع لديه السلوك العدواني؛ فالمراهق كثيراً ما يفسر تسامح أهله معه على أنه ضوء أخضر في الاستمرار على ما هو عليه، كما أن إيقاع عقاب كبير على ذنب صغير يثير روح العداء للأسرة لدى المراهق، وكثيراً ما يعبر عن تلك الروح بإيذاء إخوته الصغار.
  • غياب الوالد عن المنزل مدداً طويلة قد يدفع بالمراهق إلى التمر على والدته حتى يحقق ما يريد، وهذا يجعله يتعود المشاكسة والتطاول على إخوته، وعلينا ألا ننسى الخصام والتشاحن بين الأبوين، فهو يجعل الأبناء في حالة من التوتر؛ حيث تصبح استثارتهم سهلة ولأتفه الأسباب.

التعامل مع خشونة المراهقين ونزاعاتهم:

  • حين يريد المربي معالجة مشكلة عند أولاده، أو يريد منهم أن يتخلصوا من الأسفاف في خطابهم.. فإن عليه أن يتيقن أولاً من أنهم لم يتعلموا ذلك من أحد أفراد الأسرة؛ لأننا نعرف أن الأطفال والمراهقين يتشربون من محيطهم الكثير من الأخلاق والعادات الحسنة والسيئة، وأذكر أن أحد الآباء أنًّب ابنه على تلفظه بكلمة غير لائقة، فما كان من الابن إلا أن قال له: لما تشاجرت مع والدتي قبل أسبوع تلفظت بها وبكلمة أخرى اشنع منها، قال الأب: كنت غاضباً، فنظقت بما نطقت به دون أن أشعر، قال الابن: وأنا كنت غاضباً أيضاً.
  • ينشا كثير من الجدال والنزاع بين الإخوة بسبب الفراغ الذي يعانون منه؛ ومن هنا فإن على الوالدين البحث عما ينشغل به الأولاد عن المشاكسة؛ وإن ارسالهم إلى حلقات تحفيظ القران، وجعل بعضهم ينخرط في عمل جزئي مأجور أو في عمل تطوعي، أو في مساعدة أبيه في مهنته وكسب رزقه، وترتيب برنامج يومي لبعضهم كي يزور بعض المكتبات العامة.. إن كل هذا يخفف من التوتر بين الأشقاء، ويجلب لهم نفعاً دنيوياً أو أخروياً، على نحو ما أشرت إليه قبل قليل.
  • حين تكون مساحة منزل الأسرة ضيقة، وتكون الغرفة الواحدة مشتركة بين اثنين أو ثلاثة من الأولاد، فإن لنا أن نتوقع- كما أشرت من قبل- حصول النزاع على الكثير من الأمور، ومن هنا فإن تحديد ما يمكن لكل ولد أن يستخدمه من الأدوات، وإقامة نظام يحدد المسؤوليات والواجبات، مما يقطع الكثير من المنازعات ، فالغموض هو أبو الفوضى والصدام.
  • لنترك للأبناء فرصة لحل خلافاتهم وتنظيم شؤونهم دون مساعدة منا في بعض الأحيان، وأن الآباء الذين أدمنوا التدخل في خصومات أبنائهم، قد أعادوهم من حيث لا يشعرون إلى عهد الطفولة، نعم التدخل ينبغي أن يكون حازماً وسريعاً إذا اشتد النزاع إلى حد إمكانية حدوث إيذاء جسدي أو اتلاف بعض الممتلكات.
  • لا بد أن نرسخ في نفوس الأبناء والبنات أهمية تعود استخدام الالفاظ مع كل الناس، داخل الأسرة وخارجها؛ ومن تلك الألفاظ: (عفواً)، (شكراً) ، ( أنا آسف) ، ( لم أقصد ازعاجك)، ( لم انتبه)، ( أنت على حق)، ( هذا يشرفني)، ( لطفاً)، (هذا عظيم)، ( سامحتك).

إن اللغة تصنع المشاعر، وإن الكلمات والتعبيرات الحلوة والأنيقة تولد مشاعر جميلة عند قائلها وعند سامعها، المهم أن تصبح هذه الكلمات جزءاً من نسيج لهجة المراهق وبعضاً من عاداته الكلامية.

  • أحياناً تكون الأسرة هي السبب في خشونة بعض أبنائها، فمن الملاحظ أن المقارنة السلبية بين الأبناء: ( أخولك مجتهد أكثر منك)، ( أنت لا تفعل كذا، بينما أخوك فلان يفعله)، ( انظر كيف نجح أخوك بتفوق وأنت رسبت).. إن هذه التعبيرات تشعل المنافسة أيضاً، فلا بد من الانتباه لذلك.
  • حدد للولد بدقة الالفاظ النابية التي من غير المقبول استخدامها في أي ظرف من الظروف، ولا تكتف بالعموميات، فجهاز الفهم لدى المراهقين لا يساعدهم على استيعاب كثير من التفاصيل.
  • إذا تمادى المراهق في إيذاء إخوته أو في استخدام الألفاظ النابية أو أي سلوك آخر شائن، فلا بد من استخدام العقوبة الرادعة، لكن بحكمة ووعي.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0