أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

تطرف المراهق ومشاكساته

 من كتاب “المراهق” للدكتور عبد الكريم بكار

التعامل مع مشكلات المراهقين
تطرف المراهق ومشاكساته

ينظر كثير من الآباء والأمهات إلى أولادهم المراهقين على أنهم مصدر للإزعاج وتعكير صفو الحياة، وهذه النظرة ليست بعيدة عن الواقع في غالب الأمر، لكن عليَّ هنا أن أشير إلى نقطتين:

الأولى: هي أن معظم مشكلات المراهقين والمراهقات هي نتاج مرحلة المراهقة؛ أي أنها تزول بزوالها، لكن التثقف في كيفية التعامل معها يساعد على تخفيف وطأتها، وعلى عدم تحولها من شيء عابر ومؤقت إلى شيء دائم ومستمر.

الثانية: هي أن خبرة معظم الأهالي بالتفريق بين ما هو طبيعي من سلوكيات المراهقين وما هو غير طبيع أو مشكل، ضعيفة للغاية، وهذا يعود إلى أن معظم الأسر لا تملك الحد المطلوب من الثقافة التربوية، كما يعود إلى أن الأسر الملتزمة والراقية تكون حساسيتها نحو مشكلات أبنائها عالية جداً، ولهذا فإنها تنزعج انزعاجاً شديداً من بعض تصرفات أبنائها غير اللائقة، على حين أن الأسر الأخرى لا ترى في ذلك شيئاً يستحق التوقف والتكدر، ولكن في مقاربة أولية نقول: أن السلوك يصبح مشكلاً إذا تكرر على نحو غير مألوف أو كان في نظر معظم الناس يعد شيئاً خطراً، أو لا يمكن السكوت عليه.

وبما أن مشكلات المراهقين- في نظر غالبية الناس- كثيرة، فإني سأعرض لأهمها عبر النقاط الموجزة الآتية:

تطرف المراهق ومشاكساته:

لا ينبغي أن نستغرب إذا وجدنا مراهقاً ميالاً إلى الغلو أو المجادلة حول شيء صغير، أو مشاكسة والده أو والدته في أمر واضح؛ وذلك لأن الاتزان والاعتدال من الأمور التي تأتي مع النضج والرشد. أحد الآباء يقول: إن ابني شديد التطرق، فهو إذا أحب شخصاً أو شيئاً أخذ في ذكر محاسنه مرات عديدة في اليوم مع المبالغة والاطناب، وإذا أبغض شيئاً صار شاغله الأكبر، وأخذ يصوره على أنه أسوأ شيء في الحياة، وهذا يسبب لنا الكثير الجدال معه، وبعد كل مجادلة يصر على رأيه. فعلاً هذه وضعية كثير من المراهقين.

والسؤال الآن: لماذا يحدث هذا للمراهقين والمراهقات؟

في اعتقادي أن هذا يعود إلى عدد من الأسباب؛ منها:

  • لدى المراهق شحنات عاطفية قوية جداً، وهو في الوقت نفسه لم يكتشف القدرة على محاكمة الأمور والتفكير في المحترزات والعواقب، وهذا يعود إلى أن الفص الأمامي من مخه- وهو المسؤول عن المنطق وتوقع النتائج والتخطيط والتنظيم- لم يكتمل بعد، ولن يكتمل حتى يبلغ المراهق الخامسة والعشرين من العمر تقريباً.
  • يحمل المراهقون في صدورهم قلوباً نقية وارواحاً طاهرة، وهذه مع ضالة الخبرة، تجعل منهم أشخاصاً مثاليين بل ثوريين، وأن الفراغ الذي يجدونه وقلة المسؤوليات التي يتحملونها في الحياة- مما يساعد على تركيز اهتمامهم على الأشياء التي يتعاطفون معها، والأشياء التي ينفرون منها، وحين يدخلون معركة الحياة، ويبدأون في التفكير بالوظيفة والأسرة والإنجاب يعودون إلى الاعتدال.
  • ربما كان من أسباب تطرف المراهقين أنهم يلجأون إلى تبسيط الأمور حتى يستطيعوا التكيف معها، ويضخمون مسؤوليتها ولطالما كان التبسيط سبباً في ركوب المهالك وفي المخاطرة والتهور، ونحن رأينا شباباً عليهم سيما الصلاح يريدون تغيير العالم، وقد ارتكبوا في سبيل ذلك أخطاء فاحشة جداً، عادت عليهم وعلى أسرهم وعلى المسلمين باسوا العواقب، ولو عرفوا تعقيدات المشهد العالمي لما أقدموا على ما أقدموا عليه.
  • المراهق يتطرف، ويجادل، ويشاكس،؛ لا نه يريد أن يثبت لنفسه ولغيره أنه صار انساناً مستقلاً، ويمتلك رؤية خاصة، ويجد في مبدأ: ” خالف تُعرف” وسيلة جيدة لذلك.

كيف نتعامل مع تطرف المراهق؟:

  • إن الطريقة التي يتبعها الأب في التربية تترك تأثيرها السلبي أو الإيجابي في غلو أبنائه واعتدالهم، هناك أب ربّى أبناء كبار راشدين، وحين سئل ذلك الأب عن نجاحه في ذلك قال: الهداية أولاً من الله- تعالى- أما من جهتي فإنني كنت أركز أنا وزوجتي على بعض المعاني الأساسية في مخاطبتنا للأبناء وفي نقاشنا معهم، كما كنت قد اتفقت معها على أسلوب للتعامل مع شططهم ومبالغاتهم، ومن ذلك- مثلاً-:
  • كنا نقول لهم باستمرار: هناك أمور كثيرة قابلة للاختلاف والجدال؛ ولهذا فلا بأس أن نختلف فيها، ولكن بشرط ألا يسفه بعضنا بعضا.
  • كنت حين يحتدم الجدال بيننا في بعض الأمور، ويرتفع صوت بعض الأولاد، اقطع ذلك بقولي لأحدهم: توقف عن الكلام، وخذ نفساً عميقاً، أو أقول: لدينا الآن فاصل لمدة دقيقة، والتفت إلى زوجتي قائلاً: ما عشاءنا اليوم؟
  • طالما قلت لأولادي: أن كل الناس وكل الأشياء وكل الأوضاع، لها سلبيات، ولها إيجابيات، وحتى نراها على حقيقتها، يجب أن نتعرف على ايجابياتها، وعلى سلبياتها، وأذكر أنني كنت أجد تعلق قلب أحد الأولاد بالحصول على شيء من الأشياء، وكان يجتهد في اقناعي به، وكنت أقول له: كلامك جمي، ولكن أود أن تذكر أربع سلبيات له قبل أن أوافق عليه، أو أرفضه.
  • في مرات كثيرة كنت أوقف النقاش، وأقول: صرنا نكرر الأفكار، وهناك منكم من تجاوز حدود المنطق وحدود الأدب، ولن نبحث في هذا الموضوع قبل مرور ثلاثة أيام، وهذه فرصة ليراجع كل منا موقفه.
  • أحياناً يتطرف المراهق في آرائه أو في مواقفه بسبب وجود من يغذيه بالأفكار المتطرفة، وكثيراً ما يحدث هذا في المرحلة الجامعية، ويرفض الأبناء عادةً الإفصاح عن ذلك بسبب توصية من يلقنهم التطرف، وهذا يحتاج منا إلى يقظة وحذر؛ فالمراهقون حين يتعرضون لعمليات غسيل دماغ مركزة يمكن أن يقوموا بأعمال كثيرة مؤذية ومضرة بالجميع.
  • من مظاهر تطرف المراهقين المسارعة إلى اتخاذ القرارات الجادة، وكم من مراهق اتخذ قراراً سريعاً بمقاطعة صديق له، ومراهق سارع في اتخاذ قرار الدراسة في قسم من الأقسام العلمية في الجامعة، وكم من مراهق قرر في ساعة أن يترك المدرسة بسبب ما سمعه من بعض أصدقائه.

الدواء الناجع في هذا الأمر يكون باشراك اشخاص من خارج الأسرة في الحكم على ذلك القرار، وقد ذكر أحد الآباء أن ابنه قرر أن يدرس في قسم علم النفس في الجامعة مع أنه حصل على الثانوية من الفرع العلمي، وحين ناقشه أهله في ذلك رفض مناقشتهم، وقد تبين أنه معجب جداً برجل يعد من الشخصيات العامة ذات الشهرة الواسعة، ولهذا فهو يحب أن يدرس نفس تخصص ذلك العلم، وهنا قال الاب: سوف نوافقك على ما تود دراسته بشرط أن تستشير فلاناً وفلاناً، وسمى له ثلاث أشخاص من الأقرباء ذوي الخبرة في الشؤون الاكاديمية ، فإذا نصحك اثنان منهم بدراسة هذا التخصص، فنحن معك.

يقول الأب: في النهاية سوف أسمح له بأن يدرس ما يريد لكن أحببت أن أعوده على استشارة الكبار والتاني في اتخاذ القرارات الحاسمة.

إن افتقار المراهق إلى الاتزان، كثيراً ما يجعله يفقد التركيز في طروحاته ومجادلاته، وهكذا فإن المراهق يبدأ حديثه مع والدته-  مثلاً – بنقده لإصرار أبيه على أخذه معه لزيارة الأقرباء، وحين تأخذ أمه في الدفاع عن وجهة نظر أبيه، ينتقل إلى نقد أسلوب أخته في الضحك، وأنها ترفع صوتها حتى أن أصدقاءه يسمعونها حين يكونون في زيارته، ثم ينتقل إلى نقد والدته وأنها لا تقسم أعمال المنزل بين أخوته بالعدل.. وهكذا يندفع المراهق إلى تحويل نقطة الجدال الصغيرة إلى معركة تشمل جميع من في البيت. هنا يقف المربي بحزم في وجه لك الانتقال من موضوع إلى موضوع، ويصر على أنه لن يناقش ابنه إلا في مسألة واحدة، وفي جلسة أخرى يمكن التحدث في مسالة ثانية وهكذا..

يتبع مقالة التأخر الدراسي من سلسلة مشكلات المراهق …

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0