فكر مختارات مقالات

الفكر السياسي عند الرومان

قراءة في كتاب تاريخ الأفكار السياسية من اليونان إلى العصر الوسيط ل “جان توشار”
ج2: الفكر السياسي عند الرومان

بقلم: صلاح الدين ياسين- المغرب

لئن شكل دحر الرومان لمقدونيا وتقليصها إلى مقاطعة في القرن الثاني قبل الميلاد (عام 146 ق.م) إيذانا بسقوط العالم الهلنستي، فإنه أفضى إلى ميلاد حقبة جديدة بلغت فيها الجمهورية الرومانية أوج عظمتها وتفوقها على الصعيد الفكري والحضاري، مغتنية وللمفارقة من الإرث الذي خلفه اليونان (في العصر الهيليني على وجه الخصوص)، حيث سرعان ما أخذت تتدفق إلى روما بالتتابع نخبة أهل الفكر والعلم والفلسفة والفن الوافدين من مراكز الهيلنستية الكبرى، فلا غرو والحالة هذه أن نجد بصمات واضحة للفكر اليوناني الهيليني على مجمل النتاج الفكري الذي أفرزته روما إبان حقبة الجمهورية المزدهرة، وإن (مع تسكين النون) أثار ذلك الزحف الهيلنستي شعورا متقدا بالحمية القومية لدى بعض المفكرين الرومان المزهوين بأمجاد وفضائل روما والمتوجسين من ضياع هويتها:

“وهو ذا كاتون (234-149 ق.م) يدافع دفاعا عنيدا عن المثل الأعلى الروماني العتيق. وتبين آثاره بقدر كاف فكر مزارع كبير أصبح ضابطا ورجلا سياسيا متشددا متعلقا تعلق المحب الغيور بالعظمة الرومانية وبفضائل العرق. وبنظره أن للشعب الروماني موطنا هو إيطاليا. وأن روما اكتسبت حقوقها بفضائلها الجماعية وحسها القومي لا بفعل العناية أو إلهة الحظ. وفي هذا يعارض كاتون بشدة التقاليد السياسية الهلنستية التي تضفي أهمية كبرى على رجال العناية وهو يحذف من تاريخها جميع الأعلام”.

كما لا يمكن أن نعرض لأهم ملامح وسمات الفكر الجمهوري عند الرومان دون أن نستحضر اسم “بوليب” (205- 125 ق.م) المتحدر من أصول إغريقية كأحد أهم منظري وملهمي الدستور الروماني والذي يبدو جليا مدى تأثره وتعلقه بمضمون الفكر السياسي الهيليني عند اليونان، حيث متح بوليب من أفكار أهم رواده  في سعيه لبناء نظرية سياسية متماسكة ومتوازنة حول النظام الجمهوري بروما، فكانت البداية باستلهامه لنظرية تعاقب الأنظمة التي نحتها أفلاطون:

“ويعرض بوليب، ملتمسا اسم أفلاطون، نظرية في تعاقب الدساتير، فعلى رأيه أن المجتمعات، بين النكبات الدورية التي تبيد فيها كل حضارة (طوفانات، أوبئة…)، إنما تعرف بالضروري التطور الآتي: حكم الفرد، وهي حالة بدائية يحددها الإنضواء الطبيعي إلى الأقوى والأكثر فعالية، تتحول إلى ملكية وهذه بمنزلة حكم فرد واحد ولكنه تحلى بالأخلاق، لكن الملكية تنحط إلى طغيان بمجرد أن يستسلم الملك إلى أهوائه، ويقوض الطغيان تمرد الأخيار الذين ينيط بهم الشعب السلطة، ويؤسسون على هذا النحو أرستقراطية تتحول بفعل عدم اعتدال أجيال الأرستقراطية التالية إلى أوليغارشية فتولد عندئذ انتفاضة الشعب ديمقراطية، شغوفة بالمساواة والحرية، إلا أن طمع البعض، وبخاصة الأغنياء، يفسد الشعب بتعويده أن يعيش على حساب الآخرين، فتنشأ الأزمة وصراعات الأحزاب والمحظورات والمذابح، تلك هي الكارثة المحتومة التي يخرج منها من جديد حكم الفرد الواحد وعلى هذا النحو يستمر الأمر أبدا.”

وإلى جانب ذلك، يتوسل بوليب بأرسطو في دراسته للدساتير وأنواع النظم القائمة، حيث يقيم بدوره تمييزا بين ثلاثة أنواع من الدساتير (الدستور الملكي، الدستور الأرستقراطي، الدستور الديمقراطي)، غير أنه لا يوصي بالأخذ بأي نوع من أنواع الدساتير المذكورة شأنه في ذلك شأن المعلم الأول، وإنما أفضل دستور برأيه هو الدستور المتوازن الذي يمزج بين عناصر ملكية وأرستقراطية وديمقراطية وهو ما يشكل أفضل ضمانة برأيه لاستمرار النظام الجمهوري والحؤول دون الإنتكاس إلى النظام الإستبدادي (وهكذا فإن بوليب قد سبق مونتيسكيو أحد رموز الحداثة السياسية في طرح فكرة التوازن بين القوى التي تؤلف النظام السياسي)، وهو ما كان يعكس الوضع القائم في روما التي كان نظامها يرتكز على التوازن بين ثلاث قوى مختلفة لكل منها وزنه ومكانته الخاصة في رحاب الجمهورية الرومانية:

“والسبب أن بوليب في الواقع قد تطلع إلى نظام محدد: هو نظام روما. وفي رأيه أن دستوره يلبي الموجبات التي جاء على بيانها، حيث تذكر سلطات القناصل بالملكية، وسلطات مجلس الشيوخ بالأرستقراطية، وحقوق الشعب بالديمقراطية، وأن جميع هذه السلطات يراقب بعضها بعضا. فالقناصل، أهل السيادة في قيادة الحروب، يرتبطون بمجلس الشيوخ بصدد تموين الجيوش وشأن تعيينهم كقادة، ويرتبطون بالشعب بشأن المعاهدات. كما يتبع مجلس الشيوخ للشعب الذي يحب أن تعرض عليه المحاكمات الكبرى والذي يستطيع عن طريق نوابه أن يوقف قرارات هذه الجمعية…”

غير أن التجربة الملهمة للجمهورية الرومانية التي يعود أصل ظهورها عمليا إلى القرن الخامس قبل الميلاد بعد أن وضعت حدا للنظام الملكي لم تفلت كسابقتها الإغريقية من منطق الصيرورة التاريخية، إذ دخلت حوالي القرن الأول قبل الميلاد طورا جديدا سمته الرئيسة الإنحطاط وفقدان السلم المدني الذي طالما ميزها حيث غدت عرضة للإضطرابات ودوامة الحروب الأهلية التي أضرت بنسيجها الإجتماعي، ولم تستعد روما صفاءها واستقرارها السابق إلا بعد تولي “أوكتافيان”  )63ق.م-14 ق.م) وريث قيصر بالتبني الحكم وتنصيبه إمبراطورا فعليا لروما من قبل مجلس الشيوخ في العام 27 ق.م واضعا بذلك حدا للنظام الجمهوري المتهالك.

وبالرغم من ذلك التحول الذي طاول عصب النظام السياسي في روما الإمبراطورية، لم تطرأ تغييرات جذرية على الملامح العامة للفكر السياسي في المراحل المبكرة لنشأة الإمبراطورية، إذ سرعان ما أعيد الإعتبار إلى الأيديولوجية الجمهورية التي وضع أسسها بوليب ومن بعده تلميذه شيشرون (106-43 ق.م) والتي تستند إلى نموذج الدستور المختلط أو المتوازن، حيث تم الإتفاق على صيغة معينة لتقاسم السلطة بين الإمبراطور ومجلس الشيوخ ذو التقاليد الأرستقراطية العريقة:

“فليس من المدهش إذن أن لم تنشأ أية نظرية جديدة حينذاك، لأن كل شيء قد سخر من أجل البرهان خلافا للواقع الراهن على أن لا شيء قد تغير. ومن حيث المبدأ بقيت الصورة التقليدية للدستور الروماني كما لم يشجب مطلقا النظام المختلط العتيد الذي كان يتمسك به تلامذة بوليب وشيشرون. وظل الحكم في روما ديمقراطيا لأن الأمير يمثل الشعب الروماني، ولبث الحكم أرستقراطيا لأن سلطات مجلس الشيوخ في الظاهر لم تمس. فلنلاحظ فحسب أن الدعاية الإمبراطورية اقتبست ببساطة مواضيع الأيديولوجية الجمهورية، مع إضافة هذا التصحيح إليها: ألا وهو أن أحد العناصر التقليدية الثلاثة من الدستور الجمهوري وهو الشعب، فوض إلى الأمير سلطاته وهكذا تقلصت الثلاثية في الواقع إلى ثنائية”.

غير أن ذلك التوازن العتيد لم يكن يستند إلى أسس صلبة وراسخة كما كان عليه الحال في فترة الجمهورية في ظل المتغير الجديد الذي أملاه الواقع الإمبراطوري، فقد أبدت الفئات والقوى التقليدية بالمجتمع الروماني (الشيوخ، الأعيان، الفرسان…) تحفظات متزايدة إزاء تعاظم نفوذ وسلطة الإمبراطور بالرغم من إيمانها بشرعية الحكم الإمبراطوري كملاذ وحيد للحفاظ على السلم الأهلي. ولم تجد تلك القوى التقليدية بدا من إعادة إحياء تقاليد  هيلنستية وعلى وجه الخصوص الفلسفة الرواقية التي لم يكن يخفي منتسبوها تعاطفهم مع النظام المتوازن، في إطار سعي تلك الفئات إلى البحث عن الدوافع الأخلاقية التي من شأنها كبح جماح النزعة التسلطية الإمبراطورية:

“لكن الأرستقراطية تعرف جيدا أن الإمبراطور لا يمكن أن يحكم حقا إلا إذا لجمها وقلص سلطانها. ويفسر هذا التناقض الذي كانت الأرستقراطية حبيسة فيه الفقر المذهبي النظري لحركة مقاومة الإمبراطورية. ففي الفترة ذاتها التي راح فيها الأمراء يبحثون في التقاليد عما قد يقنع تزايد سلطاتهم، حاول الأعيان أن يجدوا فيها ما قد يحد من هذه القوة الجديدة التي لا محيد عنها إنما لا تستساغ. وبما أنهم كانوا يبحثون عن أيديولوجية لا عن مؤسسات، فإنهم عثروا مجددا على الرواقية، وبالتأكيد لم يكن ممكنا أن يخرج أي شيء أصيل حقا عن موقف كهذا، إلا أن يتيح قياس المرونة المدهشة لهذه الفلسفة”.

ومع ذلك، فإن نزوع الأرستقراطية إلى التمسك بأهداب التقاليد الفلسفية القديمة كمحاولة لتحجيم نفوذ السلطة الإمبراطورية لم يجد نفعا، فما لبثت أن وجدت التقاليد المشرقية التي عملت الروح الجمهورية الشغوفة بالحرية على لجمها بيئة حاضنة لها في البلاط الروماني، حيث أخذت سلطة الإمبراطور في التوغل مما أخل بالتوازن التقليدي الذي جهد مجلس الشيوخ على حفظه وترسيخه. وابتداء من القرن الثاني بعد الميلاد أوجدت جملة الأفكار السياسية المتداولة في تلك الفترة أرضية صلبة لاستبداد السلطة الإمبراطورية (حكم الفرد المطلق) بعد ظهور مذهب رسمي أو ما أسماه المؤلف بالمذهب النظري في الأمير والذي يعد من أهم رموزه “ديون كريزوستوم” (40-120 ق.م) إلى جانب منتسبي الأفلاطونية الجديدة الذين أكدوا على الأصل الإلهي لسلطة الإمبراطور:

“وبوضوح، إن اهتمام جميع هؤلاء الفلاسفة، الذي يكتسب المزيد من الوضوح من سينيك إلى ديون، هو الآتي: تعزيز مبدأ الملكية إيديولوجيا، مبدأ النظام، بإنكار التعاطف الرواقي القديم مع الدستور المختلط، لكن مع الإبقاء على حق الرقابة أو الشجب مباحا فيما يتعلق بالشخص الملكي ذاته”.

غير أن المنظرين الرسميين لسلطة الإمبراطور ما لبثوا أن وجدوا أنفسهم في مواجهة فاعل جديد في الساحة الفكرية والسياسية لروما منذ القرن الثالث الميلادي وهي المسيحية والتي أكدت وجودها وتفوقها بعد إصدار الإمبراطور “قسطنطين” لمرسوم ميلانو (313 ب.م) الذي أسبغ الشرعية على العبادة والشعائر المسيحية ليصبح بذلك أول إمبراطور مسيحي في روما ويدشن حقبة جديدة اتسمت بهيمنة نمط التفكير اللاهوتي والتحالف المتين بين السلطة الزمنية (الإمبراطور) والسلطة الروحية (الكنيسة).

وقد انقسم الفكر السياسي اللاهوتي الذي أمسى الفاعل الوحيد والمهيمن على تداول وإنتاج الأفكار أثناء تلك الحقبة إلى اتجاهين رئيسين، الإتجاه الأول يقوده “أوزب” (260- 337 ب.م) والذي نظر لحكم تيوقراطي يتولى فيه الأساقفة مناصب مدنية وسياسية بالتعاضد مع الإمبراطور الذي يستمد سلطته من الإله ويعد الخادم الأمين للكنيسة المسيحية. في حين برز بالموازاة مع ذلك اتجاه ثان رائده القديس “أوغسطين” (354-430 ق.م) الذي يرفض التنظير لحكم لاهوتي على أساس التمايز القائم بين السلطة الزمنية التي تسهر على المصالح المادية والدنيوية، والكنيسة التي تعنى بالجوانب الباطنية والروحية، حيث يجب أن يحفظ لكل منهما مجاله الخاص، وإن كان يقر بأن سلطة الإمبراطور يجدر بها أن تكون مشبعة بالروح والخلقية المسيحية:

“تتجابه نظريتان، متناقضتان، الأولى هي نظرية الشرق المسيحي، التي إذ تعترف بوحدة الإمبراطورية والمجتمع المسيحي تقبل بالرغم من الضجيج إقامة نظام موحد يختلط فيه الزماني بالروحاني ويقبل أحدهما بالآخر، أما الذي نادى به أوغسطين فهو مذهب الغرب، وهو يؤكد على الإنفصال الجذري بين النظام المسيحي والنظام الإمبراطوري”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0