فكر مختارات مقالات

المواطنه الجمهورية والإرادة العامة

المواطنه الجمهورية والإرادة العامة

بقلم: د. علي رسول الربيع

قد لا يكون جان جاك روسّو خيارا أوّل لمن يريد البحث عن أمثلة للّيبراليّة الجمهوريّة، ومع ذلك تبقى فلسفته محلّ اهتمام أكاديميّ من قبل الباحثين.[1] إنً تصوّره لدين مدنيّ يكون المشرّع فيه قادرا على تغيير الطّبيعية البشريّة، بالإضافة إلى مقالاته التي تدور حول ترسيخ مبدأ السّيادة وبيان أنّ النّاس قد يجبرون على أن يكونوا أحرارًا قد وضعه خارج التّصنيفات اللّيبراليّة.[2] لذلك يرى بعض الباحثين أنّ هناك فلاسفة أكثر أهمّيّة من روسّو في التّعبير عن اللّيبراليّة الجمهوريّة مثل مونتسكيو، دي توكفيل وجون ستيوارت ميل، مع أنّه لم يضمّ أحد من هؤلاء عند تحليل العقد الاجتماعيّ الالتزام بالجمهوريّة إلى قيم المواطنة المدنيّة، على خلاف روسّو الذي كان يعتقد بضرورة التّأكيد على القيم اللّيبرالية في الأداة التّحليليّة، فقام بعرض أبحاثه بطريقة قيّمة وشيّقة. لقد جاءت التّعاقديّة الجمهوريّة عند روسّو متميّزة بتصوّر عدم التّعارض مع الوسائل اللّيبراليّة، فهو يعتقد أنّ هذه الوسائل ليست في تعارض تامّ مع الجمهوريّة. لذلك فإنّ كونتين سكَينر على حقّ في ملاحظة أنّ أغلب التّصوّرات الجمهوريّة الكلاسيكيّة قد تمّ استيعابها منذ مونتيسكيو فلم يعد من الممكن التّخلّي عن مفهوم الحقوق الفرديّة،[3]وأنّ فكرة العقد الاجتماعيّ تشجّع النّاس على التّفكير بالحكومة كضامن للحرّيّة والحقوق الفرديين؛ وأنّها تقدّم الوسائل لتعميق فهم الواجبات والخير العام والالتزام بها. فروسّو يشير في أبحاثه وبكثافة إلى أنّ استعمال وسيلة التّعاقد بهذه الطّريقة يتطلّب حصول تبادل المنافع بين أعضاء المجتمع السّياسيّ، وأنّ هذه التّبادليّة هي إحدى سمات اللّيبراليّة الجمهوريّة، وبذلك يكون قد أدرك الحاجة إلى أن يعي النّاس حقوقهم وواجباتهم المتبادلة، كما أدرك الحاجة إلى مساعدتهم على الرّبط بين تلك المصالح الخاصّة وبين الالتزام بالواجبات وبالخير العامّ، إنّه بتوسّل فكرة “الإرادة العامّة” يأمل اكتمال هذه الأهداف لتتعزّز باكتمالها المواطنة. وهناك الكثير ممّا يمكن تعلّمه من معقوليّة ومقبوليّة اللّيبراليّة الجمهوريّة وفلسفة روسّو السّياسيّة بعامّة سواء نجح الرّجل في مهمّة تقديمها أم فشل، لأنّها تظلّ محاولة جادّة يلزم لمناقشتها فهم المقصود بالإرادة العامّة في كتاباته، وامتلاك تصوّر وإن بشكل أوّليّ عن اللّيبراليّة الجمهوريّة. فمن التّحليلات المهمّة[4] التي تناولت صياغة روسّو لمفهوم الإرادة العامّة تحليل براين، وسأوسّـع هذا التّحليل بما يعرض تصوّرا يسعى إلى اقتراح معيار يلزم المجتمع بمعاملة جميع الأفراد بالتّساوي. يرى هذا التّحليل أنّ روسّو قد أكّد في رسالته إلى دالامبير[5] سعيه بالأساس إلى التّأسيس النّظريّ لنظام حكم يضمن بإعمال أخلاق “اللّيبراليّة” استقلاليّة المواطنين ضمن أعراف وتقاليد تُشْعِر بأنّ حقوقهم وواجباتهم متبادلة، وأنّ حرّياتهم ترتبط بأداء واجباتهم. وهو ما جعله يتصدّى بعد صياغة مفهوم الإرادة العامّة لإيجاد وسيلة كفيلة بحمايتها حتى وإن اقتضت تلك الوسيلة الإجبار في الأقصى، مادام تهذيب الرّغبات لتكون الأفعال مطابقة للإرادة العامّة ويكون النّاس أحراراً لا يمنع من اللّجوء إلى طرق أخرى.
الإرادة العامّة وأخلاق الحرّيّة
تقوم فكرة الإرادة العامّة على التّمييز بين مظهرين للفرد، فهي تعتبره إنسانا بالفعل من جهة، ومواطنا بالإمكان من جهة أخرى. وطالما هي تعتبر الفرد إنسانا فهي تعترف له بهوّيّة خاصّة وبمجموع المصالح الشّخصيّة التي يكتسبها بالتّساوي مع الأعضاء الآخرين بالمواطنة وبالعضويّة في المجتمع وفي الفضاء العامّ فيتقاسم معهم المصالح العامّة من أجل رفاهية المجتمع ككلّ، وبذلك يكون لكلّ شخص مصالح خاصّة بوصفه انسانًا ومصالح عامّة بوصفه مواطنًا.[6] فبعد أن ميًز روسّو بين الإنسان والمواطن قام بتمييز مماثل بين الإرادة الخاصّة التي تهدف إلى تحقيق المصالح الشّخصيّة والوجوديّة للفرد باعتباره إنسانا، وبين الإرادة العامّة التي تتعلّق بمصالحه كمواطن في علاقتها بمصالح غيره من المواطنين الآخرين من حيث إنّ هدفها هو الخير العامّ أو المصالح المشتركة بين كافّة أعضاء المجتمع. ومن ثمّة فهو يرى أنّ الإرادة الخاصّة تتّجه بحكم طبيعتها الأنانيّة إلى التّفضيلات الفرديّة بينما تتّجه الإرادة العامّة نحو المساواة.[7] ويعتبر أنّ الفرد يميل مع الأولى بشكل عفويّ إلى التّسليم بأسبقيّة مصالحه الخاصّة وإشباع رغباته الشّخصيّة، بينما يتّجه مع الثّانية نحو المساواة والتّسليم بضرورة احترام مصالح الآخرين والتّوافق معها إقرارا بما يقتضيه العيش المشترك في المجتمع من واجبات، فبتركيز هذه الإرادة على المصالح المشتركة بين الأفراد كمواطنين واهتمامها بالمصالح الفرديّة بشكل مجرّد فقطّ تكون غير متحيّزة بطبيعتها تكرّس المساواة بين جميع المواطنين. لنأخذ مثال السّارق الذي يجد مصلحة في استعمال مهارة السّرقة، فإرادة السّرقة عنده هي لإرضاء رغبات خاصّة، لكنّ الإرادة العامّة توجّه هذا اللّصّ المحتمل إلى طاعة القانون، وبذلك فهي تقتضي منه بوصفها إرادة المواطنة أن يفكّر كمواطن في المجتمع. وإذا فكّر على هذا النّحو كمواطن فإنه سيدرك أنّ عليه واجب احترام القانون، وسيدفعه هذا التّفكير إلى أن يتجاهل الرّغبات الوضعيّة في سبيل تحقيق الرّغبات الرّفيعة، وبذلك سيدرك أنّ القوانين الموضوعة ضدّ السّرقة هي لمصلحته أيضا. فالإرادة العامّة تقوم بنفس وظيفة حجاب الجهل عند راولز، فهي تجرّد أطراف العقد الاجتماعيّ من أغلب المعلومات حول هوّيّتهم الفردية[8]، فلا يعرف الأطراف من خلف حجاب الجهل هذا موقعهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ، كما لا يعرفون وجهات نظرهم الدّينيّة أو الفلسفيّة ولا القدرات التي يمتلكون أو تلك التي تنقصهم ولا حتى أعمارهم، فيُجبِرهم ذلك على عقد يتبنّى وجهة نظر عامّة تفترض حياديّة أخلاقيّة، تعزّز بحسب روسّو مصالحهم المشتركة كمواطنين بدلاً من تعزيز مصالحهم الخاصّة كبشر. هناك إذن بعد أخلاقيّ للإرادة العامّة يُسْتَدْعَى كمقابل يوازن المصالح الأنانيّة مادام الفرد إنسانا مواطنا، واعتبارا لذلك يرى روسّو أنّه يتعيّن على الأفراد باعتبارهم مواطنين إعطاءها الأولويّة لأنّ من شأن ذلك أن يرفع ويكرّس المبدأ الذي يقود إلى ممارسة سياسيّة عادلة. ولأنّ الاعتناء بمصالح الأفراد كمواطنين يعين على الوصول إلى قرارات تعلي سلطة القانون وترسّخ احترامه عند صوغ السّياسات، والخلاصة أنّ روسّو يرى الأسبقيّة للإرادة العامّة على الإرادة الخاصّة في تـحديد السّياسات العامّة.[9] فهي بالنّسبة له قاعدة أخلاقيّة لا تُعطى الأفضليّة للمصالح الخاصّة، ومبدأ يضمن المساواة بين الأفراد بهدف أن تأخذ القرارات العامّة بالاعتبار وجهة نظر الفرد من حيث هو مواطن فقطّ. وهنا نلاحظ أنّ العقد الاجتماعيّ طبقًا لفلسفة روسّو السّياسيّة يرسّخ المساواة بين المواطنين ويلزمهم بما متّعوا به أنفسهم من حقوق وما ألزموا به أنفسهم من شروط على قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”.[10]وهي فكرة تأسيسيّة مفادها أنّ تشريع القوانين وفق الإرادة العامّة هو من أجل مصالح الأفراد، فالقوانين المصادق عليها من خلالها تُعزّز وتحمي مصلحة كلّ فرد منهم بوصفه مواطنا. قد لا تكون هذه القوانين هي الخيار المفضّل لدى كثير منهم ولكنهّا مقبولة بالتّأكيد من طرف الجميع باعتبار مساهمتهم في صياغتها وإقرارها، ولأنّها تمثل من هذه النّاحية إذا ما استعرنا وصف باري ذلك العامل المشترك عالي الاتّفاق[11] بلجوئها إلى القوانين وليس إلى الأحكام القضائيّة والمراسيم من حيث إنّ القانون تجسيد للإرادة العامّة، وتعبير سياسيّ عن إدارة الشّأن العامّ، وقواعد تحكم سلوك كلّ عضو في المجتمع على خلاف الأحكام القضائيّة التي تعنى بحالات شخصيّة وخاصّة. تفقد الإرادة العامّة استقامتها وإرشاديّتها متى ما وجّهت لخدمة أهداف شخصيّة محدّدة فتكون الأحكام غير ذات صلة صحيحة بمبدأ العدالة وقواعد الإنصاف.[12] إنّ تدخّل الفرد من خلال كافّة صفاته الشّخصيّة الخاصّة يُفْـقِدُ المبدأ الموجِّه إرشاديّته حتما، ويكون من الأفضل في هذه الحالة ترك مهمّة حماية الإرادة العامّة وإنفاذ مبدأ الاستحقاق والجدارة للسّلطتين التّنفيذيّة والقضائيّة، على أن يترك الأمر بيد متلاعبين استبدّت بهم الأثرة فقدّموا خدمة مصالحهم الشّخصيّة متجرّدين بإيثارها من صفة المواطنة التي تجافي الأثرة وتقوم على مبدأ التّشارك والتّقاسم واحترام حقوق ومصالح الآخرين، ولأنّ فهم الإرادة العامّة وتطبيقها كمبدأ وآليّة في تدبير الشّأن العامّ يعني إعمالها دليلًا موجّها للقرارات. وهو ما يقول به روسّو في رأيه المتعلّق بالمجتمع السّياسيّ عندما تكون للأفراد الذين يشكّلون جماعة مصالح مشتركة بوصفهم أعضاء فيها فتتشكّل لديهم إرادة خاصّة قد تدخل في تضادّ مع الإرادة العامّة للمجتمع في كلّيّته، لذلك أعرب عن التّخوّف من أن يؤدّي تمسّك كلّ جماعة بإرادتها الخاصّة إلى الانقسام الاجتماعيّ وإلى الانحراف في ولاء النّاس للمجتمع والوطن عندما ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم ينتمون لهذه الطّائفة أو تلك. وخلص إلى أنّه من الضّروريّ الحيلولة دون تحيّز الجماعات لمصالحها الذّاتيّة والخاصّة داخل الدّولة لكي يتمكّن كلّ مواطن من أن يعطي رأيه بوصفه مواطنا فقطّ، وأنّه عندما يحصل مثل هذا التّحيّز تصبح الإرادة الخاصّة لتلك الجماعات عائقا أمام الإرادة العامّة للمجتمع تنازعها الأولويّة والسّيادة، وبطبيعة الحال ليس لأجل هذا يصوّت النّاس ويشاركون في العمليّة السّياسيّة[13]. إنّه من خلال الرّبط بين الإرادة العامّة وبين مفهوم روسّو عن أخلاق الحرّيّة يتكفّل العقد الاجتماعيّ بإيجاد حلّ المشكلة الأساس بتوفير نوع من الملاءمة التي تحمي حرّيّة الفرد وتدافع عن مصالحه، وتبقي على وحدة المجتمع وتماسكه في نفس الوقت[14].
في مواجهة النّظريّة
واجهت نظريّة روسّو عن العقد جملة من الأسئلة والاعتراضات نورد بعضا منها كما يلي:
ـ كيف يمكن لفرد يدخل في العقد ويخضع للقانون أن يكون حرًّا كما كان قبل العقد؟
ـ كيف يمكن إكراه الفرد على أن يكون حرًّا بينما الحرّيّة تعني الغياب الفعليّ للإكراه؟
ـ لم لا يـُسمح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم بطريقة غير عادلة؟
ـ كيف يبقى الفرد حرًّا كما كان قبل دخول العقد الاجتماعيّ إذا خضع لإرادة الأغلبيّة؟
ـ كيف يكون المعارضون أحرارًا ويخضعون في الوقت نفسه لقوانين لا يوافقون عليها؟
ـ كيف يمكن للمرء أن يكون أقلّ حرّيّة إذا عبّر عن رأيه؟
وفي هذا الصّدد يميّز روسّو بين ثلاثة أنواع من الحرّيّة: الحرّيّة الطّبيعيّة، الحرّيّة المدنيّة، والحرّيّة الأخلاقيّة، ويرى أنّ الفرد الذي يدخل في العقد الاجتماعيّ إنّما يتنازل عن الحرّيّة التي تمثّلها الحالة الطّبيعيّة ليحصل في المقابل على الحرّيّة المدنيّة ويعطي الفرصة لنشوء حرّيّته الأخلاقية. ويرى أيضا أنّ الحرّيّة المدنيّة تضمن حقّ الملكيّة المُقَيَّد بالإرادة العامّة؛ وأنّ الحرّيّة الأخلاقيّة تقتضي الانتصار على الدّوافع الغريزيّة والخضوع للقانون لكي يمتلك الفرد ذاته ويعلن استقلاليّته التي يعبّر من خلالها عن نفسه[15]. فإذا زُوِّدَ النّاس بمعلومات كافية عند الاجتماع لصياغة القوانين، وإذا سُمحَ لهم بالتّشاور فسيقـترعون كمواطنين، وسيؤيّد اقتراعهم الإرادة العامّة ليُرَسِّخَ القوانين التي وضعوها لأنفسهم، بالتالي سيكونون أحرارًا عندما يخضعون لها، لأنّ طاعتهم للقانون وخضوعهم له سيحفظ لهم حقوقهم.
لقد كان رأي روسّو هذا محاولة جديرة بالاهتمام تسعى إلى إحداث التّوازن المطلوب بين الفرد والمجتمع، بين المصالح الخاصّة والمصلحة العامّة، بين الحرّيّة وسلطة القانون، ومحاولته هذه تبيّن الارتباط الوثيق بين الحرّيّة وسيادة القانون. فأخلاق الحرّيّة تتحقّق عنده كما عند كانط[16] من خلال الخضوع الطّوعيّ لقوانين شرعها الأفراد بأنفسهم لأنفسهم، فالحرّيّة الطّبيعيّة لا تراعي أيّ قيود بينما الحرّيّة الأخلاقيّة تفرض قيودا ذاتيّة. ولأجل صوغ قوانين تضبط السّلوك وتعدّله كان من اللاّزم والضّروريّ أخذ الغرائز، الحاجات، والظروف بعين الاعتبار، علما أن الاقتصار على إشباع الغرائز وحدها ليس حرّيّة وإنّما هو عبوديّة، وأنّ الأخلاق ومراعاة الضّمير كقيد ذاتيّ شكل من أشكال التّعبير عن حرّيّة الفرد وعن استقلاليّة تجعل منه سيّد نفسه وقراره.[17] فالحرّيّة الأخلاقيّة تعني إذن تحكّم الفرد بذاته على نحو يحفظ له استقلاليّة تدفعه إلى التّصرّف كمواطن له حقوق وعليه واجبات. لأنّ في حالة الطّبيعة يكون الإنسان حرًّا بمعنى واحد يخضع فيه لدوافع الغريزة، بينما يستمتع الأفراد في مجتمع العقد الاجتماعيّ كمواطنين بأنواع مختلفة من الحرّيّات تتيح لهم التّعامل مع الآخرين بتعاون يحكمه القانون. من هذا المنظور يُفهم العقد الاجتماعيّ أو الإرادة العامّة كمبدأ قريب من مقولة الأمر الكانطيّة ويمثّل الوجه اللّيبراليّ لفكر روسّو السّياسيّ، فهو يسوّغ السّلطة ويبرّرها من خلال إبراز قدرتها على التّوفيق بين ما يسمح به الحقّ مع ما تتطلّبه المصلحة حتى لا يكون هناك تعارض بين العدالة والمنفعة[18]، ويأخذ بالاعتبار دور الفرد في تنظيم عقد يطيع من خلاله نفسه لكي يبقى حرًّا كما كان قبل العقد[19]، ويضفي على السّلطة السّياسيّة كلّ الشّرعيّة عندما تكون الإرادة العامّة فاعلة على نحو يخضع معه المواطنون للقانون فيحكمون أنفسهم. هكذا يربط روسو الاستقلاليّة بالسّلطة السّياسيّة، وأخلاق الحرّيّة بالواجب السّياسيّ. قد يبدو هناك تناقض فيما يقترح العقد الرّوسويّ من علاقة بين الحرّيّة والواجب عندما يقول بإكراه الفرد على أن يكون حرًّا حيث يمكن اعتباره نوعا من الكلّيانيّة أو الشّموليّة، إذ كيف يمكن إجبار الفرد على أن يكون حرًّا والحرّيّة هي غياب فعليّ للإكراه؟ ولعلّ في حديث روسّو عن الحرّيّة الأخلاقيّة عندما يُجْبَرْ الفرد ذاته على طاعة قانون وافق عليه شيء من الجواب عن هذا التّساؤل مع أنّه لا يكفي لنقض كافّة الاعتراضات بهذا الخصوص. كما أنّ في تمييز الإرادة الخاصّة عن الإرادة العامّة جوابا عن التّساؤل حول وجوب إجبار الفرد على طاعة قانون وافق عليه. ذلك أنّ الإرادة الخاصّة لفرد ينتهك القانون بالاحتيال على دفع الضّرائب مثلًا تكون في صراع محتمل مع الإرادة العامّة باعتباره مواطنًا، فقد يرى الفرد المحتال أنّ ما يشترك به مع الآخرين هو مساهمة طوعيّة منه، وأنّ التّقصير بأدائه حتى وإن سبّب بعض الضّرر للآخرين إلاّ أنّه سيكون أقلّ تأثيرًا عليهم ممّا يلحق به من الأذى عند دفع الضّرائب: إنّه يرغب في التّمتّع بحقوق المواطنة دون أداء واجباتها.[20] فإذا خضع لإرادته الخاصّة سيكون فعله مناقضًا للإرادة العامّة بوصفه مواطنًا[21]، وستكون الإرادتان في صراع لأنّ الفرد المحتال يسعى إلى التّمتّع بمنافع النّظام الاجتماعيّ المتمثّلة في حقوق المواطنة في وقت يتملّص فيه من الالتزام بقواعد ذلك النّظام ومن الواجبات التي يستلزمها، إنّ انتشار هذا النوع من الظّلم سيفضي كما لاحظ روسّو إلى انهيار الجماعة السّياسيّة وغياب النّظام. لذلك، وحتى لا يكون الميثاق الاجتماعيّ مجرّد صيغة شكليّة بدون فاعليّة لا بدّ من أن يتضمّن الإلزام الذي يسمح للجماعة السّياسيّة بالمساءلة، ويشرّع لها محاسبة من يأبى الخضوع للإرادة العامّة لأجل إرغامه على أن يكون حرًّا. فالالتزام هو ما يضمن للمواطن شرط الاستقلال الذّاتيّ ويضفي الشّرعيّة على العقود المدنيّة، وبدونه تكون العقود عرضة لأعظم المساوئ.[22] وتفترض هذه الرّؤية اعتبار المجتمع السّياسيّ مشروعا للتّعاون، فهي تعتبر المواطنة ثمرة للمشاركة في أداء الواجبات، وتقترح لمواجهة نقض الالتزامات وكلّ إخلال أو تقصير في القيام بها صيغا تشجّع النّاس على الوفاء بها، وتحفّزهم على احترامها بوصفهم معنيّين كمتعاقدين وإلاّ فلا ضمان لسيادتهم على أنفسهم إذا لم تتوفّر تلك الوسائل والآليّات التي من شأنها ضمان وفاءهم وإخلاصهم.[23] ومن ثمّة يكون على أولئك الذين يريدون التّمتّع بالحقوق والتّملّص من أداء الواجبات، ويرغبون في الاستفادة من منافع المواطنة دون المساهمة في توفير وسائلها أنْ يُجبَروا على أن يكونوا أحرارًا فربّما كان التّهديد والإكراه ضروريًّا لإنفاذ شروط العقد وحماية الوفاء بالالتزامات، ولأنّه إذا تزايد عدد المتملّصين بفعل إغراء التّهرّب فسيُواجِه المجتمع خطر الانهيار. يتحدّث روسّو في العقد الاجتماعيّ عن الحرّيّة معتبرا أنّ الدّولة العادلة هي دنيا الحرّيّة ومملكتها لأنّها تضمن الحقوق بالتّساوي وتحميها، ويشير في معرض ذلك إلى أنّ فردا يقبل الخضوع للقوانين طالما كانت لصالحه ثمّ ينتهكها عندما تتعارض مع مصلحته الشّخصيّة إنّما يدمّر بانتهاكها مملكة الحرّيّة، ففعله يهدّد أخلاق الحرّيّة فضلًا عن اعتدائه على حرّيّة الآخرين. لذلك يرى للمجتمع حقّا في إجبار أولئك الذين يتسلّقون ظهره لقضاء مآربهم ولا يقومون بما عليهم من واجبات لحفزهم على التّصرّف كمواطنين وفقًا لإرادتهم المؤسّسة للعقد ليكونوا أحرارًا.[24] وهذا ممّا يمكن اعتباره رّدّا يدفع شبهة الاعتراض على الإجبار بينما يتذرّع بالحرّيّة ليطالب بالسّماح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم البعض بطريقة غير عادلة!
إنّ العقد الاجتماعيّ عند روسّو هو اتّفاق جماعيّ ملزم بالتّعريف، ينشئه أفراد ولدوا أحرارا تعبيرا عن إرادة عامّة تنبني في سعيها إلى الملاءمة بين الحقّ والمصلحة، وبين الحرّيّة والواجب على قاعدة الأغلبيّة كآليّة متّفق عليها بإرادة حرّة ومؤسّسة لحظة الإنشاء. والعقد من حيث هو تعبير عن إرادة الأفراد المنشئين له لا ينفي الحرّيّة، فالفرد بصفته مواطنا يظلّ حرًّا بالانتصار على الدّوافع الغريزيّة لديه، وبالخضوع الطّوعيّ للقانون الذي يمتلك من خلاله ذاته ويعلن بطاعته استقلاليّة تجعله يستمتع وعلى نحو أفضل بالحرّيّة المدنيّة والحرّيّة الأخلاقيّة التي تمكّنه من أن يتعامل مع الآخرين بتعاون واحترام، وهو ما يجعله سيدًا على نفسه، لا يحق لأحد أن يـُخضِعَهُ دون موافقته.[25]. وعلى أساس هذا التّصوّر للعقد الاجتماعيّ فإنّ قاعدة الأغلبيّة لا تثير أيّة مشكلة حينما يـُحرز القرار تصويت الأغلبيّة فيُصبح ملزما للجميع، سواء المؤيّدين منهم أو المعترضين أو المقاطعين.[26] لأنّه “عندما يتمّ اقتراح القانون في الجمعيّة التّشريعيّة لا يُسـأل الأعضاء عمّا إذا كانوا يؤيدون الاقتراح أو يعترضون عليه، ولكن يسألون عمّا إن كان هذا القانون يؤكّد ويؤيّد الإرادة العامّة أم لا، فيُعرب كلّ عضو عن رأيه حول ذلك بالتّصويت، ويُستَخْرَجْ القرار المعلن عن الإرادة العامّة بحساب مجموع الأصوات”.[27]
وأعتقد أنّ هذه الفقرة تقدّم تمييزًا مهمّا بين الإرادة العامّة كمبدأ والإرادة العامّة كسياسة على الرّغم من أنّ هذا التّمييز غير واضح في كتابات روسّو، ذلك أنّ الإرادة العامّة تظهر كمبدأ يجب أن يعمل كلّ فرد وفقًا له بوصفه مواطنا من خلال القانون المقترح في الجمعيّة التّشريعيّة، وتتكشّف كسياسة محدّدة بحساب الأصوات المؤيّدة واستيفاء النّصاب. ومن ثمّة فإنّ الإرادة العامّة لا تتعلّق بالتّصويت لأنّ المبادئ لا تُكتَشَف بالتّصويت، وإن كان التّصويت آليّة ضروريّة للاختبار لا يمكن في الغالب تحقّق الإرادة العامّة بدونها.[28] ولولا الفرق بين الإرادة العامّة كمبدأ وبين السّياسة التي تشتغل وفقًا لذلك المبدأ، لما احتاج روسّو لمناقشة مسألة التّصويت بالقول: “عندما يناقض الرّأي العامّ الرّأي المفضّل عندي فإنّ ذلك يثبت أنّني كنت على خطأ، وما تصوّرت الإرادة العامّة ليس كذلك، وإذا تغلّبت إرادتي الخاصّة أكون قد قمت بشيء آخر غير الذي كنت أريد”. فمع التّسليم بأنّه لو فشل النّاس كافّة في إدراك السّياسة التي تتلاءم مع الإرادة العامّة،[29] فإنّ السّؤال هو: “لماذا يكون خطأ رأي الأغلبيّة أقلّ احتمالًا من رأي الأقلّيّة أو رأي الأفراد المنعزلين؟” فمن الممكن أن يكون الشّخص الواحد على حقّ بينما يكون الآخرون مخطئين، لكن إذا أخذنا بافتراضات بيري فصحّة رأي الأغلبيّة أكثر احتمالًا من صحّة رأي الأقلّيّة[30]، يظهر هذا عندما نفترض:
ـ أنّ هناك جوابًا صحيحًا واحدًا، وسياسة محدّدة تتطابق مع الإرادة العامّة.
ـ أنْ يتساوى الجميع أفضل من الوصول إلى الجواب الصّحيح.
ـ أنّ كلّ فرد ينتصر لرأيه كجواب الصحيح.
وتشير هذه الافتراضات على الإجمال إلى إمكانية أن يكون الفرد راضيًا رغم عدم انتصار وجهة نظره لما يغلب على ظنّه من احتمال أن تدرك الأغلبيّة سياسية مطابقة للإرادة العامّة. فالدّولة العادلة كحقل لممارسة الحرّيّة تفترض سياسة ترضي الإرادة العامّة وتجعلها هي السّائدة، كما تفترض إرادة جميع المصوّتين في الجمعيّة التّشريعيّة لتلك السّياسة، ومن ثمّة كان رأي الأغلبيّة أكثر احتمالا لإدراكها، وكان رأي الأقلّيّة إذا أيّد سياسة أخرى غير السّياسة التي تريدها الأغلبيّة خاطئاً لأنّه لا يعزّز المصلحة العامّة، ولأنّ “الإرادة الثّابتة والمستمرّة لكافّة أعضاء الدّولة هي الإرادة العامّة التي تجعلهم مواطنين أحرارا”.[31] فالنّاس لا يفضلون سياسة يرون أنّها لا تخدم فعلاً أو ظاهراً المصلحة العامّة، ويدركون بالبديهة أنً الحرّيّة لا تصان إلاًّ من خلال تقييدها بالإرادة العامّة، وأنّها تضعف عندما تتناقض السّياسة مسعى الإرادة العامّة. ومؤدّى ذلك أن الإكراه قد يكون ضروريًا لضمان أن لا يـُسَتَغلّ أولئك الذين يتصرّفون كمواطنين من قبل أولئك الذين يتصرّفون كأفراد فقطّ، ومواجهة هذه المعضلة بالمصطلح الجمهوريّ هي تعزيز القيم المدنيّة وتحطيم الفساد إذ لا يمكن ضمان أن يتصرّف الأفراد كمواطنين في غياب الإجبار الذي تمثّله سلطة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء وعلى قدم المساواة…
صناعة المواطن من النّاس
يعتبر التّصوّر اللّيبراليّ أنّ حجّة روسّو في العقد الاجتماعيّ تقود إلى خلاصة تتطابق مع آراء المنظّرين الجمهوريّين مع إدعاء بعض النّقّاد أنّها قد تفضي إلى الاستبداد.[32] فطبقا لفلسفة الجمهوريّة يعرَّف المواطن كمشارك في السّلطة وليس كمحلّ للامتيازات ولا كحامل للحصانات.[33] وهذا هو أساس الحجاج الرّوسويّ في إجبَار النّاس عند الضّرورة على أن يكونوا أحراراً من أجل حمايتهم من انتهاك القوانين التي أكسبتهم صفة المواطنة، فليس لمعترض أن يدفع بالحرّيّة ولا بالحاجة الطّبيعيّة إلى تلبية الرّغبات الذّاتية ليبرّر انتهاك القوانين وإنهاء العقد الاجتماعيّ بإعطاء المصالح الشّخصيّة الأسبقيّة على المصلحة العامّة… وبه تقوم حجّة روسّو على مفهوم النّظام السّياسيّ العادل أو دولة القانون كتعاون عمليّ يخضع لمبدأ الإنصاف، إذ يشير منطقه بشكل واضح إلى أنّ أحد الأْوجُه المهمّة لهذا المفهوم هو الرّغبة في تعزيز روح التّعاون من خلال تشجيع النّاس على التّفكير بأنفسهم كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات من ضمنها الخضوع لقوانين شرعوها بأنفسهم لأنفسهم.
إنّ أكبر إمكانات المجتمع السّياسيّ طبقًا لروسّو، هي رفع أيّ ظلم مادّيّ يمكن أن يقع بين النّاس بالتّوزيع العادل للثّروة والملكيّة، وبالمساواة الأخلاقيّة لأنّه “لا يبقى شيء من الحرّيّة في غياب المساواة”، ثمّ بإعمال قاعدة ترى أنّ “الحالة الاجتماعيّة تكون مريحة طالما كان الكلّ يملك شيئًا ولا أحد يملك شيئًا زائدًا أو غير ضروريّ”[34] فالسّلم الاجتماعيّ يقتضي ألاّ يكون هناك ثراء فاحش يستطيع معه الأثرياء شراء ذمم الآخرين، ولا فقر مدقع يضطرّ معه الفقراء لأن يبيعوا أنفسهم للآخرين”.[35] هكذا تعزّز المساواة الحرّيّة بإقرار سلم اجتماعيّ يحمي النّاس من التّبعيّة للأثرياء والأقوياء، علما أنّ كره التّبعيّة هي روح الجمهوريّة عند روسّو يعتبرها أساس كلّ رذيلة ومبعثا على الفساد.[36] وأنّ فكرة العدالة في ظلّ القانون هي برأيه ما يمكّن النّاس من أن يتمتّعوا بالاستقلاليّة والحرّيّة الأخلاقيّة، ويشجّعهم على طاعة ما شرعوا لأنفسهم من قوانين، وعلى النّظر لأنفسهم بوصفهم مواطنين يتقاسمون الإرادة العامّة في مشاريع ومؤسّسات مشتركة.
إميل وفكرة التّعاون
يناقش روسّو في كتابه (إميل) المسألة التّربويّة مشجّعا على التّعاون مثلما قام بذلك في العقد الاجتماعيّ عند الحديث عن التّشريع والإعلان المدنيّ عن الإيمان، فهو يعتبر الرّغبة في الاختلاط بالآخرين عاطفة حبّ بدونها لا يكون المواطن صالحاً.[37] ويمثل تأكيده على محاولة الجمهوريّين تضمين اللّيبراليّة نزعة مدنيّة خالصة دفاعه المستميت عن التّسامح وحرّيّة الفكر والتّعبير. فالدّين المدنيّ في نظره مسألة هامّة بالنّسبة للدّولة: “أن يكون لكلّ مواطن دين يحبّب له القيام بالواجب؛ وإن كانت عقائد هذا الدّين ليست من شأن الدّولة إلاّ بقدر ما لها من صلة بالأخلاق والواجبات التي يتعيّن على كلّ فرد الالتزام بها تجاه الآخرين في المجتمع. عدا ذلك، فإنّ لكلّ فرد حقّ اعتناق الآراء التي يرتضيها ولا يحقّ لصاحب السّيادة معرفتها،لأنّه ليس معنيّا بمصير الشّعب في الدّار الآخرة، وليست له أهليّة النّظر في أمورها ولا مخوّلا بالتّدخّل في ذلك طالما هم مواطنون صالحون في الحياة الدّنيا”.[38] فالوضع القانونيّ والمعياريّ للدّولة يفرض تسامحا مع كافّة الأفراد بصرف النّظر عن عقائدهم ماعدا أولئك الذين يؤمنون بعقيدة غير متسامحة تدعوا للكراهيّة وتحرّض النّاس على مواجهة بعضهم فتقف بذلك ضدّ الفضائل المدنيّة. ويتّفق روسو من وجهة النّظر هذه مع جون لوك في “رسالة في التّسامح” اعتبارا للأسباب المدنيّة المحضة، بل إنّه يفوق لوك حزما بوضع معايير صارمة تضمن قداسة العقد الاجتماعيّ وسموّ القانون. فهو يرى أنّ المشرّع المكلّف بصياغة القوانين وترسيخ قواعد دولة المؤسّسات من الواجب عليه حتما “أن يؤمن بإمكانيّة تغيير الطّبيعة البشريّة مستعينا بفكرة الوجود الاجتماعيّ، وأن يسعى إلى مساعدة الأفراد على العبور من حَالة الوجود الفيزيائيّ المستقلّ أي من حالة الطّبيعة إلى حالة المجتمع حيث يصبح الفرد جزءا من كلّ أكبر، وعضوا في كيان متكامل يتلقّى منه الوجود…”.[39] ومستعينا كذلك بما يُنتِجُ هذا العبور من حالة الطّبيعة إلى الحالة المدنيّة من “تغيير بيّن حين يصغي الفرد لعقله فيحلّ في سلوكه العدالةً محلّ الغريزة، والحقّ محلً الرّغبة ليضفي على أفعاله صبغة أخلاقيّة تستجيب لنداء الواجب وتتنزّه عن النّزوة الفيزيائيّة. فهو وإن ألفىَ نفسه مرغماً على العمل بمقتضى مبادئ تصرفه عن أن يستجيب لميول كثيرة تتأتّى له من الطّبيعة، فإنّه مع ذلك يجد نفسه قد حصل على مزايا أعظم من أن تقاس على شيء دونها: يجد ملكاته قد تمرّست ونمت، وأفق أفكاره قد اتّسع، ومشاعره قد ازدادت نبلاً، وسَمَت نفسه بأكملها فبلغت ما بلغت من درجات السّموّ فيبارك تلك اللّحظة السّعيدة التي انتشلته من وضع منحطّ إلى الأبد بأن صنعت من حيوان بليد ومقيّد الأفق كائناً ذكيّاً وإنساناً سويّا”.[40] فمهمّة المشرّع إذن، هيً توفير الأساس القانونيّ والمؤسّساتيّ الذي يمنع الشّطط في استعمال السّلطة وسوء استعمال الحالة المدنية من خلال توجيه النّاس باتّجاه الإرادة العامّة بهدف استكمال مشروع التّغيير ومساعدة النّاس على استعادة حالة الطّبيعة.[41]
ما تبقّى من مشكلات
لقد استهدف روسّو من خلال ما صاغ في نظريّة العقد الاجتماعيّ من معايير تشجيع النّاس على أن يتصرّفوا كمواطنين. وإذا بدت بعض المعايير مُفْرِطة أو مُفَرِّطة فمردّ ذلك إمّا إلى صعوبة التّوفيق بين “ما يتيحه القانون وما تقتضيه المصلحة” وهي صعوبة استثنائيّة، أو إلى ما واجهت فكرة العقد الاجتماعيّ من تحدّيات واعتراضات حينما بدت بعض معاييره في غير محلّها، أو تنطوي على مفارقة تاريخيّة إذ ربّما كانت ملائمة للجمهوريّة الكلاسيكيّة أكثر من ملاءمتها للجمهوريّة اللّيبراليّة مثل إقصاء المرأة من المجال العامّ، ورأيه المتعلّق بدور المشرّع وشروطه، أو بالإعلان المدنيّ للإيمان. كما أثارت صياغته لمبدأ الإرادة العامّة التي تتطلّب من الأفراد التّصرّف كمواطنين لا كمجرّد بشر جملة من الأسئلة منها:
ـ كيف يمكن تطبيق الإرادة العامّة؟
ـ ماذا يعني القول بوجوب أن تخدم السّياسة العامّة المصلحة العامّة للمواطنين وتتجاهل المصالح الخاصّة للنّاس؟
ـ هل تظهر المصلحة العامّة للمواطن بشكل واضح دائمًا؟
ـ هل يكفي مشروع القانون المقترح للتّصويت الحصول على الأغلبيّة في المجلس التّشريعيّ ليكون جوابا صحيحا صوابه أكثر احتمالًا من رأي الأقلّيّة؟
ـ هل يعدّ لازما حمل رأي الأغلبيّة على الصّواب دائما؟ وهل يعدّ واجبا الاتّفاق معه باعتباره أكثر احتمالا أن يكون على حقّ؟
لقد خطّأ روسّو الأقلّيّة عند الحديث عن الدّولة العادلة وأثناء الحجاج دفاعا عن متطلّبات الإرادة العامّة، فهل ستتغير المسألة بالانضمام إلى وجهة نظره التي تعتبر الرّأي الذي أحرز الإجماع هو الرّأي الصّواب والأقرب إلى الحقّ والأكثر تجسيدا للإرادة العامّة.[42] ماذا لو فشلت سياسية الجهة الفائزة في التّطابق مع الإرادة العامّة؟
ألا يمكن أن تؤدّي هذه الحالة إلى العصيان المدنيّ؟
ألا يريد كلّ الأفراد في الدّولة الظّالمة أن يسود العدل وينتصر الجواب الصّحيح؟
لقد أهمل روسّو هذه الافتراضات فلم يجب عنها إمّا لأنّه رآها غير متوقّعة الحدوث باعتبار الظّروف السّياسية السّائدة في ذلك الحين، وإمّا لأنّه لم يكن مقتنعا تماما بفعل ذلك، لكن هل عليه أن يفعل هكذا؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يتعيّن الذّهاب إلى ما بعد روسّو حيث يكون من الضروريّ تنقيح تحليله ومفاهيمه وربّما طرح بعضها.

د. علي رسول الربيعي*
…………………..
المصادر
روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي، عبد العزيزي لبيب (مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،،2011
Adrian, O., Citizenship and Community: Civic Republicanism and the Modern World, (Routledge, 1990).
Andrew L., The Politics of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press,1976).
Barry, B,. Political Argument (London: Routledge and Kegan Pual,1965).
Barry, ‘’ The Public Interste’ in Political Philosophy,(ed)Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967).
John C., The Social Problem in the Philosophy of Rousseau (Cambridge: Cambridge University Press, 1974).
Klosko.G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation,( Lanham,MD: Rowman and Littlefield.1992).
Lester C., Rousseau’s Social Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).
Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976).
Maurizio,V., Jean-Jacques Rousseau and the ‘’ Well-Ordered Society’’ trans. Deerek Hanson ( Cambridge University Press, 1988).
Quentin S.,‘’The Republican Ideal of Political Liberty,’’in Machiavelli and Republicanism, ed. Gisela Bock, Quentin Skinner, and Maurizio Viroli (Cambridge: Cambridge University Press).
Rawls,J,. A Theory of Justice ( Cambridge, MA: Harvard University Press,1971).
Riley, Patrick, The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986).
Rousseau,J,J,. Politics and Art: Letter to M.D’Alembert on the Theatre, Trans. Allan Bloom (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1968).
Rousseau.J.J.,Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979).
Rousseau, J.J, On the Social Contract, ed. Roger D. Masters and trans. Judith R. Masters ( New York: St. Martin’s Press. 1978).
Simmons. A.J., The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987).
Simmons. A.J., Moral Principles and Political Obligations (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1979).
Talmon.J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger, 1960).
Trachtenberg, Z. M., Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture (London, Routledge, 1993).
هوامش
[1] أنظر عن سبيل المثال
Adrian, O., Citizenship and Community: Civic Republicanism and the Modern World, RoRutledge, (1990), MMaurizio, Viroli, Jean-Jacques Rousseau and the ‘’Well-Ordered Society’’ trans. Deerek Hanson (Cambridge University Press, 1988); and Z M. Trachtenberg, Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture, London, RoRutledge (1993).
[2]Rousseau, J.-J., On the Social Contract, ed. Roger D. Masters and trans. Judith R. Masters (New York: St. Martin’s Press. 1978), pp. 68, 130, 55.
[3]Quentin S ‘’The Republican Ideal of Political Liberty ’’ in Machiavelli and Republicanism, ed. Gisela Bock, Quentin Skinner and Maurizio Viroli (Cambridge: Cambridge University Press), p. 301.
[4]. Brain, B., ‘‘The Public Interest,’’ in Political Philosophy, ed. Anthony Quinton ( Oxford: طOxford University Press, 1967), pp. 119-26, and Andrew Levine, The Politics of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press,1976), pp.40-43, and John C., The Social Problem in the Philosophy of Rousseau ( Cambridge: Cambridge University Press, 1974), chap.4.
[5]Rousseau J,J,. Politics and Art: Letter to M. D’Alembert on the Theatre, Trans. Allan Bloom (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1968),p.24.
[6]Riley, P., The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986), P.251.
[7]Rousseau J,J On the Social Contract P59.
[8]Rawls.J. A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971) Section 24 ‘’The Vile of Ignorance’’.
[9]للإطلاع على وجهة نظر مختلفة أنظر:
Trachtenberg Z. M Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture, London, Rutledge, 1993 PP.7-29.
[10]Rousseau J.J., On the Social Contract, P 63.
[11]Barry, B ‘’The Public Interest’’ P. 120
[12]Rousseau J.J. On the Social Contract, P.62.
[13]المصدر نفسه، ص 61-62
[14] المصدر نفسه، ص 53.
[15]المصدر نفسه، ص 56.
[16]Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976), pp.57-58.
[17]Rousseau J.J On the Social Contract, P.56
[18]المصدر نفسه، ص 46 .
[19]المصدر نفسه، ص 53.
[20]المصدر نفسه، ص 55.
[21]المصدر نفسه، ص 55.
[22]المصدر نفسه، ص 55.
[23]المصدر نفسه، ص 55.
[24] أوضح بريان بيري في كتابه: أنّ روسّو لم ينكر أن يقوم الفرد بانتهاك قانون يفيده كعضو في مجتمع من أجل مصلحته، وما أنكره هو تصويته على ذلك القانون ثمّ انتهاكه له. فإذا كان قد صوّت لإقرار عقوبة معيّنة عن جريمة محدّدة فله ليس الاعتراض اذا ما طبّق عليه في حالته الخاصّة.
Barry, B,. Political Argument (London: Rutledge and Keg an Pual,1965), P.19
[25]Rousseau.J.J. On the Social Contract, P.110.
[26]المصدر نفسه، ص 110.
[27]المصدر نفسه،ص 111-110 .
[28]المصدر نفسه، ص 59.
[29]المصدر نفسه، ص 67.
[30]Barry B. ‘’The Public Interest’ in Political Philosophy,(ed) Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967), P.122.
[31]Rousseau J.J On the Social Contract P.110.
[32]أنظر على سبيل المثال:
Talmon J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger 1960), chap.3, and Lester Crocker, Rousseau’s Sociحخal Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).
[33]Rousseau J.J On the Social Contract P.54
[34]المصدر نفسه، ص 58.
[35]المصدر نفسه، ص 75.
[36]Rousseau J.J. Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979) P.85.
[37]Rousseau J.J On the Social Contract P. 13
[38]المصدر نفسه، ص 130.
[39]المصدر نفسه، ص 68.
[40]روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي،عبد العزيزي لبيب ( مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2011، ص 98-99.
[41] Simmons A.J Moral Principles and Political Obligations
(Princeton NJ: Princeton University Press, 1979) P.139.
‘’ The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987):269-79.
ولكن أنظر الدليل المناقض الذي قدمه
Klosko G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation (Lanham MD: Rowman and Littlefield.1992) Appendix 2.
وايضا قوله: “أعتقد أن تفسير الإلزام السّياسيّ بواسطة مبدأ الأنصاف ملائم لتفسير شعور الفرد بالتزامه يتقوّى عند مباشرة أعباء عديدة يعتقد أنّ الآخرين يتولّون مثلها، ويضعف إذا ما أدرك أنّهم ليسوا كذلك”. ص 148 .

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0