دين سياسة فكر مختارات مقالات

ماكرون وفرنسا والإسلام السياسي

بقلم/ ا.د. علي المرهج

لو كانت الرسومات للنبي موسى (ع)، أو عيسى (ع) هل سيجرؤ ماكرون على العناد في دعم استمرار نشرها؟! وإن كانت الإجابة نعم، فهذا لا يُعد احتراماً لحرية التعبير، إنما هو تعدي على حقوق الجماعات والأقليات وعدم احترام لمعتقداتها، وإن كانت تقدس الثور أو الشيطان.

 

أمرٌ مستغرب أن يدافع رئيس دولة عن حق الاساءة لمعتقد أو دين أو نبي مُقدس عند مكون مجتمعي وعقائدي في فرنسا بذريعة حرية التعبير.

ما يجعل ماكرون مستريحاً في اصراره وعناده هذا، هو فاعلية جماعات الإسلام السياسي المتطرف، فنجد السنة والشيعة يتوحدون حول الدفاع عن نبي الإسلام وإن اختلفوا مذهبياً، ولكنهم لم يتوحدوا باعلانهم البراءة كمؤسسات دينية رسمية مما ارتكبه الطالب المتأسلم بحق أستاذه الفرنسي!.

لماذا يتشدد ماكرون في موقفه ضد الإسلام السياسي ويعتبر أن الرسومات المُسيئة للنبي محمد (ص) هي شكل من أشكال حرية التعبير المتاحة في فرنسا؟.

الجواب لأن جماعات الإسلام السياسي قدموا صورة سيئة عن الإسلام ونبيه، وكأن لا رحمة في الإسلام ولا تسامح.

إنهم يكتبون تاريخ العقيدة بالدم، ولم يعملوا على أن يكتبوا عن سماحة الإسلام أو ما أسماه سمير أمين (المساحة المرنة في الدين) أو ما أسماه السيد محمد باقر الصدر (منطقة الفراغ) التي تتُيح للعقل البشري أن يملأ الفراغ التشريعي بتأويل عقلي يضع الإنسان موضع (خليفة الله)، وهو من بيده فهم مغاليق النص وفتح أفقها للرحابة والسماحة التي ينشدها الإسلام في طيات النص القرآني المُقدس.

طالبٌ من جماعات الإسلام الراديكالي يقطع رأس أستاذه الفرنسي لأنه عرض رسوماً كاريكاتورية لنبي الإسلام (ص)، وما فعله الأستاذ الفرنسي أمر مرفوض (حتماً)، ولكن طريقة مواجهته لم تُساعد المسلمين في الدفاع عن رسالتهم السمحاء، ليكون هذا الإسلامي المتطرف عنواناً يوسم به المسلمين جميعاً.

إن ردات الفعل الانفعالية غير المدروسة، لا تؤذي فاعلها لوحده، بل تؤذي مجتمعاً بأكمله!.

صرح ماكرون في تغريدة له يقول فيها “لا شيء يجعلنا نتراجع أبداً.

نحترم كل أوجه الاختلاف بروح السلام. لا نقبل أبداً خطاب الحقد ونُدافع عن النقاش العقلاني. سنقف دوماً إلى جانب كرامة الإنسان والقيم العُليا”.

ولكنه لم يُطبق مقولته هذه، فعاند في عدم احترامه للأقلية المسلمة وهم جزء من مجتمع فرنسا، أي فرنسيون، ولم يتعامل وفق مقتضيات ومتطلبات النقاش العقلاني الذي يقتضي احترام عقائد الأثنيات المشاركة لنا في الوطن.

أن تقف إلى جانب كرامة الإنسان، عليك أن لا تأخذ الكل بجريرة فعل فردي، وعليك أن تحترم معتقدات أي جماعة دينية أو مكون مجتمعي في بلدك الذي أنت قائده، فتعريف الديموقراطية اليوم يعني (حكم الشعب بالشعب وللشعب، مع الحفاظ على حقوق الأقلية” والأصل في الحفاظ على حقوق الأقلية هو احترام عقائدهم.

 

تذكر أنك وريث شعارات الثورة الفرنسية (حرية ـ اخاء ـ مساواة)، وفي تصريحاتك وعنادك المسيء لدين ولمكون مجتمعي أصيل في فرنسا، إنما أنت تنسف شعارات ثورة فرنسا التي كانت ولا زالت شعلة التنوير والدفاع عن الأنسنة وحرية التفكير والمعتقد ونبذ التمايز الاجتماعي والطبقي الذي ترسم على وفقه طريقاً يُخالف ما أنتجته الثورة الفرنسية وفلاسفتها أمثال (فولتير) و (مونتسكيو) و (جان جاك روسو)، فعد إلى رشدك وعد إلى تاريخ الثورة الفرنسية التي منحت الأمم طاقة إيجابية في الدفاع عن الحرية.

الإسلام السياسي المتطرف ليس هو الوجه الحقيقي للمسلمين ولا للإسلاميين، وجلَ المسلمين إن لم يكن كلهم يستنكرون قتلة الأستاذ الشنيعة، فعليك أن لا تُصرح وفق ردة الفعل وفق انفعالك في لحظة ما، فأنت رئيس لجميع الفرنسيين، ومن ضمنهم المسلمين الذين ينبغي ويجب عليك قانوناً أن تحترم عقائدهم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0