أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

عرض ملحمتي الإلياذة و الأوديسة

بقلم/ نجوى الجزائري

بين الخيال و الواقع، الأسطورة و الحقيقة هو ذاك الخيط الرفيع الدقيق، الذي لا يجيدُ اللعب على أوتاره إلا هو: هوميروس، الأعمى هوميروس، العازف على قيثارة الزمن، المنظم لشعر خالدٍ خلود الآلهة التي تأبى الفناء، فترضى بالبقاء كأنشودة، كشعر ، أسطورة خالدة تتناقلها الأجيال، في رحلة على متن سفينتي (الالياذة) و (الاوديسة) رحلة تخطفك من نفسك، من زمنك لتُلقي بك على أعتاب عصور بائدة، إلى ساحة الوغى قد تحمل سيفاً أو رمحاً لا يهم، فربما تبسق ( أتروبوس) و تقطع خيط حياتك في أية لحظة !!

أنشد يا هوميروس!
يا شاعر الأحقاب الخالية!
يا صَدَى الزمان القديم!
أيها القيثارة المرِنَّة في أنامل الأيام!
أرسل من الأزل أنشودتك تملأ الأسماع في الأبد!
واعصف مع الريح واهتف مع البلابل.
وتقبَّل تحيات المعجبين.

على جبل الأولمب:
الإلياذة و الاوديسة ليستا مجرد ملحمة شعرية تناقلتها الأجيال هي أكثر من ذلك ، هي لوحة رسمها هوميروس بدقة متناهية و بألوان شتى مزج بينها ببراعة و من هذه اللوحات يتبادر إلى ذهن القارئ لهذه المخطوطة الأسطورية، لوحة تكاد تكون ناطقة هي الأخرى و يغدو معها خيال القارئ إلى اللامحدود في التخيل و التأمل و لما لا التأويل و هو ما جعل هذه اللوحة تتمثل أيامي شاخصة، ظاهرة نابضة بالروح و بالحركة هي ما أطلقتُ عليه لوحة (الآلهة تلعب الشطرنج) حتى و إن كان التعبير مبالغاً فيه ، و لو كنت رساما لترجمت اناشيد هوميروس في شكل لوحة على غرار ما فعل أهم رسامي القرون الغابرة و التي خلدت أسماءهم بحروف كأسطورة من ذهب ، لوحة الآلهة تلعب الشطرنج ليست خيالاً أبدا هي بحق الهيئة التي اتخذتها الآلهة في تقديرها لحياة البشر على الأرض، في جلسة على جبل الأولمب حيث الإله زيوس و معه الآلهة الأخرى منشغلة بتحريك أحجار الشطرنج ( البشر) فلم تعد أحجار الشطرنج عندها ، الملك، الملكة، القلعة أو حتى الوزير و الجندي بل آخيل، هيكتور، باريس، أوديسيوس و آخرون…

رمح يقصم الظهر!!
و لم تكتفِ الآلهة بتدبير شؤون البشر من علٍ بل ينشد هوميروس كيف أن هذه الآلهة تتشاجر فيما بينها ، تتنازع بل و حتى تتقاتل بالأيدي و ترسل الرماح و تقصم ظهر بعض !! ( …وتثار الخصومة بين الآلهة لموقف فلكان من سكمندر، ويغيظ مارس من مينرفا أنها تؤيِّد فلكان وتحرِّضه على رب النهر المسكين الذي أفزعتْه النيران تأخذه من كل حدَب، فتقدَّم إليها وطفق يقرعها وتقرعه، ويرميها بالمثالب وترميه بها، ثم تناول رمحَه العظيم واستجمع كلَّ قوته، وأرسله يودُّ لو يقضي به على ربة الحكمة الحازمة، ولكن؛ ويل لك يا مارس! لقد ارتدَّ الرمح فلم يستطع إلى درع مينرفا من سبيل؛ وانحنتِ الإلهة المغيظة فأخذت حجرًا من أكبر حجارة الجبل وقذفتْ به مارس فدكَّت عنقه وقصمت ظهرَه وتركتْه على السفح الشاحب لقًى من ألقاء هذه الحرب!).

الغزل والقطع:
يعتبر (زيوس) في الميثولوجيا اليونانية هو صاحب الأمر و النهي على جميع الآلهة ما عدا ربات الأقدار و هن ثلاث: (كلوتو) الصغيرة تغزل حبل الحياة من خيوط بيضاء و سوداء ، (لاخيستيس) تبرمه فتجعل منه المتين و الواهي و آخرهن (أتروبوس) و هي كبراهن تقوم بقطعه جزءا جزءا بمقص كبير ، فإذا مات شخص فهذا يعني أن ( أتروبوس) قامت بقطع خيطه بمقص كبير، و لا مفر من أقدار ربات الأقدار الثلاث فإذا قضين شيئا فإنهن تقصه في آخر الغزل ، كالتي نقضت غزلها بعد قوة و لهذا حين حاولت ثيتيس أن تهرب من قدر موت إبنها آخيل بأن تقوم بغمره في نهر الخلود نسيت أن تغمر عقب آخيل بالماء و لهذا جرت مقادير الربات بأن يموت آخيل بسهم باريس في حرب طروادة.

انقسامات الآلهة:
لم تدُر رحى الحرب بين الإغريق و الطرواديين كما هو معلوم على الأرض فقط بل كانت ساحة الأولمب على جبله ساحةً أخرى لا تقل حرارة ،اندفاعاً و صراعاً كذلك ،لهذا انقسمت الآلهة في هذه الحرب إلى فريقين، فريق يناصر و يساند بل حتى يقاتل في صفوف الطرواديين و آخر مع الإغريق بل حتى قضى بفوز الإغريق على حساب خصومهم ، أكبرهم الإله (زيوس)
انحاز للجانبين خلال المعركة ، لكنه في النهاية مال للاغريق بناء عى طلب والدة اخيل ، بالإضافة إلى( هيرا ) زوجته و ملكة الآلهات اختارت جانب الإغريق و هذا طبيعي كون باريس ابن بريام فضل فينوس عليها ، أثينا (منيرفا) ربّة الحكمة اختارت الإغريق أيضا انتقاما من باريس و غيرهم ، أما من ناصر الطرواديين فأولهم : أفروديت(فينوس) آلهة الحب، انضمت إلى الجانب الطروادي نصرة لباريس ابن بريام ملك طروادة، لانه حكم لها بالتفاحة ثم أبوللو إله الشمس و آريس (مارس) إله الحرب اختار الطرواديين.

للأكثر جمالاً….
إلى جانب حرب طروادة الشهيرة التي دارت رحاها بين البشر و على الأرض، فقد أنشد هوميروس أناشيده عن الآلهة التي كان لها الدور الأبرز في إشعال فتنة هذه الحرب وتأجيج لهيبها بل حتى المشاركة فيها ، بدأً بقصة تفاحة الشقاق الذهبية التي ألقتها آلهة النزاع التي غضبت من كونها لم تستدع لحفل زفاف حورية البحر ثيتيس و الملك بيليوس فألقت بالتفاحة : للأكثر جمالاً ، التي أثارت نزاع و شجار بين الآلهة الثلاث حيرا (هيرا) العظيمة مليكة الأولمب ، مينرفا (أثينا) ربة الحكمة ، و فينوس (أفروديت) ربة الجمال ، ولحل المشكلة أرسلهن كبير الآلهةزيوس إلى الفتى البشري (باريس) ليحكم بينهن ، فقرر هذا الأخير أن يحكم التفاحة لأفروديت (إلهة الحب) التي وعدته بحب هيلين أجمل نساء الأرض ليجلب عليه هذا الحب الخراب لبلاده طروادة حسب تنبآت العرافين الملك بريام.

أبطال هوميروس :

الأسطورة(آخيل ) الشجاعة و الاندفاع:
كان آخيل ابن( بيليوس) ملك ميرميدون و (ثيتس) الحورية وبحسب الكتابات الإغريقية القديمة، ولكي يصبح من الخالدين (غير الهالكين)، قامت أمه بغمره في مياه نهر ستيكس، إلا أنها وحين غمرته كانت ممسكة بكعبه من الوتر، فكان هذا المكان الوحيد في جسمه الذي لم يغمره الماء، وأصبح ذلك نقطة ضعفه ، حيث تنبأ أحد العرافين للملك وزوجته أن ابنهما سيقتل في معركة طروادة ،حاول بيلوس وزوجته أن يخفيا آخيل، فألبساه ثياب الفتيات، ثم أرسلاه إلى لوكوميدس، ملك جزيرة سيكاروس، ليعيش معه في قصره كإحدى بناته، لكن في النهاية يلتحق آخيل بجيش الإغريق في حرب الطروادين و يقوم بقتل أميرها هكتور يقوده انتقامه لصديقه، فكان آخيل سريع الغضب ولديه رغبةٌ متعطشة للانتقام، أخيل بالنسبة لليونانيين هو رمز الشجاعة ، الاندفاع و الوفاء للاصدقاء و هو أيضا مثال عن تحقق النبوات االعرافيين التي لابد منها لأنها من تقدير الآلهة.

هيكتور إبن بريام ملك طروادة
هو أمير طروادة وقائد جيشها وأهم أبطالها تصدى لهجمات الإغريق طوال عشر سنوات من حصارطروادة، اشتهر بفروسيته وحنكته وشجاعته ومهارته بترويض الخيول وهو الابن المفضل للملك بريام ملك طروادة وولي عهده وأمه هي هيكوبا و أخ الأمير بارس الذي تسبب بالحرب المدمرة، يعتبر هيكتور أول العظماء التسعة في التاريخ اليوناني القديم ليس فقط بسبب شجاعته الحربية ولكن أيضًا بسبب طبيعته النبيلة حيث اشتهر بنبل أخلاقه، ينشد لنا هوميروس من خلال معارك طروادة كيف تقوم الآلهة في العديد من المرات بإنقاذ هيكتور من أيدي آخيل و هو ما تسبب في استمرار هذه الحرب مدة عشر سنين كاملة كان لتدخل الآلهة يدٌ فيها ،لكنها و كما تشاء مقادير الآلهة تمكن آخيل في النهاية من خصمه هيكتور فيقتله و يأخذ جثته انتقاما لصديقه المغدور.

(أوديسيوس ) بطل الاوديسة
هو ملك إيثاكا الأسطوري، ترك بلده كي يكون من قادة حرب طروادة وصاحب فكرة الحصان الذي بواسطته انهزم الطرواديون ، كان أوديسيوس ابن لارتيس وأنتكليا، وزوج بينيلوبي، ووالد تليماخوس (تليماك) اشتهر بذكائه الفكري و مكره، وتعدد جوانبه وبالتالي عُرف بلقب أوديسيوس الماكر (باليونانية: «الذكاء الماكر» وهو مشهور جدًا بعودته إلى وطنه، التي استغرقته عشر سنوات مليئة بالأحداث بعد حرب طروادة التي استمرت لعقد من الزمن، يأخذنا هوميروس في الاوديسة على نفس نسق الإلياذة، في رحلة عودة أوديسيوس إلى مملكته إيثاكا، خلال الرحلة يجوب أوديسيوس البحار و الجزر و يلتقي بالعملاقة و الهامة(دابة كبيرة) يساعده ملوك و أصدقاء و تكون دائما ربة الحكمة بجانبه حتى يعود إلى زوجته و ابنه و مملكته، نسجت عدة حكايا و أساطير على منوال رحلة أوديسيوس مثل حكايا السندباد البحري و ألف ليلة وليلة كيف لا و الأساطير هي تراث عالمي و إنساني و لابد أن تعيش و يننتشر .

#نساء هوميروس
تزخر الإلياذة و الاوديسة بشخصيات نسائية أنثوية كثيرة سواء كانت آلهة أو من البشر لذلك سأركز على الجانب البشري الذي يحمل دلالات و رموز أكثر بينما الآلهة تظهر غاياتها و وظيفتها عيانا ، ثلاث محاور مّثلها ظهور المرأة في ملحمتي هوميروس :الحب و الفتنة ، الخيانة و الوفاء تأرجحت هذه الرموز و ظهرت تباعاً في أناشيد هوميروس لكنه آثر أن ينتصر الوفاء في آخر المطاف:

( هيلين ) الحب و الفتنة
هي أجمل نساء الأرض قاطبة خطب ودها جميع ملوك الإغريق وتسابقو للفوز بقلبها إلى أن اختارت (منيلاوس) زوجا لها ولكنها وقعت في غرام (باريس) ابن بريام ملك طروادة، بسبب سحر (فينوس إلهة الجمال عند الإغريق) عندما كان في ضيافة زوجها واختارت الفرار معه إلى طروادة متسببة باندلاع حرب لمدة عشرة سنوات انتهت بسقوط طروادةومقتل ملكها بريام وأميرها هكتور ، تمثل هيلين الحب و الجمال المنشود و المرغوب من طرف الكل لكنه مقترن بالفتنة التي من أجلها تندلع نيران الحروب ، يغذيها الطمع بالفوز و الاستحواذ على الملك و السلطة.

(كلتمنسترا ) الخيانة
هي زوجة أجاممنون ( أخو منيلاوس الذي جعله قائدا في حربه ضد الطرواديين) حيث تقوم وعشيقها إيجسثوس بقتله بعد عودته منتصرا ً من حرب طروادة حيث تقول الأسطورة أنه و قبل ذهابه إلى حرب طروادة قدم ابنته قربانا للالهه فلذلك حملت زوجته له ضغينة و نفذت وعيدها عندما عاد أجاممنون فقتله عشيقها ، لهذا فهي ترمز إلى الخيانة من طرف أقرب الناس و عدم الوثوق في أي كان مع أخذ الحذر و الحيطة من المصائب الزمان.

(بينيلوبي) الوفاء
أو بينيلوب في أوديسة هوميروس هي زوجة (أوديسيوس) بطل الاوديسة، الوفية التي ظلت ترفض الخاطبين الذين تقدموا لها طوال غيبته في رحلته الطويلة حتى عاد إليها في النهاية ، كان لبينيلوبي ابن وحيد من أوديسيوس هو تليماك (تليماخوس) ، الذي ولد قبيل استدعاء أوديسيوس للمشاركة في حرب طروادة مباشرة، ترمز بينيلوب للوفاء و الأمل و لهذا ارتبط اسم بينيلوبي في التقاليد الأدبية بالوفاء للزوج.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0