فكر مختارات مقالات

كارل بوبر .. الفلسفة في مواجهة المجتمات المنغلقة

بقلم/ علي حسين

كنت قد بدأت بقراءة بعض الكتب العلمية في سن مبكرة ، ولا أستطيع الأدعاء بأنني تمكنت من حل ألغازها ، والبعض منها لم أستطع قراءة عشرة صفحات منه ، وإذا سألتني إن كنت أحب مثل هذه الكتب ، فسأرد بالإيجاب ، واكثر من هذا ، لطالما اعتبرت هذه الكتب بوابتي لأن أكون قارئاً جيداً ، هل يمكن لأحد أن يقول عن نفسه قارئ جيد ، يكتب موريس بلانشو :” إن القارئ الجيد هو الذي يتجنّب التواضع ويملك العناد على البقاء كما هو أمام ما يقرأ ” .، كان اول كتاب علمي يقع في يدي بعنوان ” ” الفيزياء المسلية ” اصدرته دار نشر سوفيتية آنذاك وبنسخة عربية، وأتذكر إنني أخذت الكتاب الى البيت. كنت أشعر بالإثارة ، وأنا اقرأ عن ظواهر نصادفها كل يوم ولكننا لانعرف الإجابة عنها. متى ندور أسرع حول الشمس؟ كيف يجب القفز من العربة المتحركة للأمام أم للخلف، أيمكن أن نمسك رصاصة متحركة، كم يزن الجسم عند سقوطه، كيف نعرف البيضة المسلوقة من النيّئة، كيف تنقل الماء بالغربال، هل صحيح إن الجليد لا يذوب في الماء المغلي، لماذا وكيف ينكسر الضوء، هل من السهل كسر قشرة البيضة ؟ ، وأعجبتني طريقة المؤلف البسيطة في شرح النظريات العلمية المحيرة، وعرفت فيما بعد أن مؤلف ” الفيزياء المسليّة ” عالم روسي اسمه ياكوف بيريلمان، توفي في عام1942 ، وما ان انتهيت من الكتاب حتى شعرت بانني استطيع ان اقرأ اي كتاب علمي مهما كان حجمه وموضوعه ، وبدلاً من اختار كتبا سهلة الفهم ، قررت ان اجرب عضلاتي مع كتاب النسبيىة لالبرت أينشتاين ، إلا ان هذا الرجل الغريب الاطوار لم يمنحني مهلة لاكتشف انني دخلت مغارة لا استطيع الرؤية فيها بوضوح ، وتشاء الصدف ان اعثر على كتاب صغير الحجم بعنوان ” اينشتاين والنسبية ” كتبه الصحفي المصري الشهير مصطفى محمود ، وهو كتاب ذكرني بسهولة قراءة الفيزياء المسلية ، قرات كتب كثيرة عن أينشتاين والنظرية النسبية ، لعل اشهرها كتاب برتراند رسل الف باء النسبية وكتاب أينشتاين كما عرفت لجون بروكمان ، وأينشتاين والنظرية النسبية لمحمد عبد الرحمن مرحبا ، والسيرة الممتعة التي كتبها والتر إيزاكسون لصاحب النظرية النسبية ، وكتاب ميشيو كاكو ” كون اينشتاين ” وكتب اخرى كثيرة ، واعدت قراءة كتاب مصطفى محمود ثانية فاكتشفت انه حاول ان يمزج افكار أينشتاين ببعض الشطحات المثالية والغيبية ، ووجدت انه يشكك في النظرية النسبية مستندا في ان النظرية نفسها نسبية ، وهذا موضوع يطول شرحه ، وتضع مغامرة القراءة امامي كتابا آخر بعنوان ” منطق الكشف العلمي ” اسم المؤلف لم اسمع به من قبل ” كارل بوبر “، من هو ؟ لم اجد آنذاك مصادر تتحدث عنه سوى صفحة واحدة من الكتاب يقول فيها المترجم “ماهر عبد القدر محمد “ان مؤلف الكتاب فيلسوف نصفه نمساوي والنصف الآخر بريطاني ، والمترجم يهدي ترجمة الكتاب الى استاذه زكي نجيب محمود ، حيث يبدأ كتابه بمقدمة عن الفلسفة الوضعية المنطقية ، وقد كان زكي نجيب محمود من دعاة الوضعية المنطقية واصدر كتابا يعد الاهم في كتبه بعنوان ” المنطق الوضعي ” يكتب في مقدمته :” مذهبي الفلسفي هو فرع من فروع المذهب التجريبي ، يمكن تسميته بالوضعية المنطقية ، فهو اقرب المذاهب الفكرية مسايرة للروح العلمي كما يفهمه العلماء الذي يخلقون لنا اسباب الحضارة في معاملهم ” .. وقد ظهرت مدرسة الوضعية المنطقية حينما اجتمع مجموعة من الفلاسفة المهتمين بالعلم والعلماء بعد الحرب العالمية الثانية ، للتحاور حول إنشاء منهج بحث فلسفي جديد، متأثر بالحرب، والحاجة لتجاوز ضبابية الفلسفة السابقة، ومسايرة التطور الرهيب للعلوم في تلك الفترة التي مثّلت انطلاقة للعلم الحديث، وعرفت فيما بعد تلك الاجتماعات باسم حلقة فيينا، ضمت الحلقة كلا من: ” مورتس شيليك، أوتو نيوراث، هانز هان، فيليب فرانك، ورودولف كارناب صاحب الكتاب الشهير البناء المنطقي للعالم والذي ترجم الى العربية وصدر عن سلسلة المنظمة العربية للترجمة ، وترجم له ايضا كتاب الاسس الفلسفية للفيزياء ” أسست تلك المجموعة فلسفتها على أفكار ديفيد هيوم في الفلسفة التجريبية ، ثم كتاب لودفيغ فيتغنشتاين الأشهر “رسالة منطقية فلسفية” والذي أشار فيه إلى أن اللغة هي طريقة لـ”تصوير” العالم في أذهاننا، أي أنها تعطينا صورا عن العالم الحقيقي ، واعود لكتاب كارل بوبر الذي منحني درسا مهما في القراءة ، وهي ان لا اقترب من هذه النوعية من الكتب دون ان اكون متسلحا بتاريخ الفلسفة العلمية وايضا بمعرفة للمصطلحات وتطور فلسفة العلوم والفلسفة بشكل عام .
بعد سنوات ساقرأ ترجمة اخرى لكتاب كارل بوبر بعنوان ” منطق البحث العلمي ” واكتشف ان صاحبنا النصف نمساوي اراد ان يقول ان العلماء مثل باقي الناس يتعلمون من أخطائهم، وان العلم يتقدم عندما يدرك العلماء بأن طريقة خاصة في التفكير هي خاطئة. وقبل بوبر كان الناس يعتقدون أن العلماء يبدؤون بشعور حول العالم، ثم يجمعون الأدلة ليبينوا أن شعورهم صحيح، يؤكد بوبر ان ما يفعله العلماء هو إثبات أن نظرياتهم خاطئة. يعني اختبار نظرية هي أن نرى إن كان ممكنا أن نبين أنها خاطئة، هكذا يبدا العلم عند كارل بوبر بتخمين أو ظن يحاول أن يقوضه بمجموعة من التجارب أو الملاحظات. :” العلم هو مشروع إبداعي و مثير، لكنه لا يثبت أن شيئا ما هو صحيح، كل ما يفعله هو التخلص من الرؤى الخاطئة على أمل التقدم شيئا فشيئا نحو الحقيقة خلال العملية ”
كان كارل بوبر الذي وصفهُ ستيفن هوكينغ بانه الفيلسوف الاكثر تاثيرا على العلماء في العصر الحديث ، يرى ان العلماء الحقيقيّون يتميّزون بمحاولة تخطئة ورفض نظرياتهم بدلاً من محاولة إثباتها، حيث تسنتد فلسفة بوبر كما جاءت بكتابه ” منطق البحث العلمي ” إلى أن الخاصة المنطقية المميزة للعلم التجريبي هي إمكان تكذيب عباراته ، وهي ايضا قابليته المستمرة للمواجهة مع الواقع والوقائع ، للنقد والمراجعة واكتشاف الأخطاء وبالتالي التصويب والاقتراب الأكثر من الصدق ، يكتب توماس كون صاحب الكتاب الشهير ” بنية الثورات العلمية ” ان كارل بوبر :” علمنا كيف تكون فلسفة العلم هي منطق قابل للتقدم المستمر”.
ولد كارل ريموند بوبر في الثامن والعشرين من تموز عام ١٩٠٢ ، في مدينة فينا، لأب كان استاذا في القانون ويعمل في المحاماة ، مغرما بالكتب
وكانت مكتبة البيت تضم اكثر من 15000 الف كتاب ، تنوعت بين الفلسفة والادب وعلم الاجتماع والسياسة ، وسيرث كارل المكتبه فيما بعد ونجده يصف حياته بانها كانت ” مكتبية بامتياز ” ، اما الام فقد كانت عاشقة مولعة بالموسيقى ، وقد نقلت هذا العشق والهيام الى ابنها الصغير الذي قرر في بداية حياته الدراسية ان يتخصص في الموسيقى ، وعندما لم يتمكن من ذلك اختار تاريخ الموسيقى كموضوع ثان الى جانب الفلسفة التي كانت تحظى باهتمامه الاول .. ونجده في صباه يعزف البيانو ويرافق والدته لحضور الى قاعات الموسيقى الكلاسيكية :” كانت الموسيقى قوة دافعه ، ساعدتني كثيرا في تطوير افكاري ” .
في العشرين من عمره ينضم الى رابطة الطلاب الاشتراكيين ، ونجده في هذه الفتره شابا ماركسيا متحمسا لافكار ماركس وزميله انجلز ، لكن فيما بعد سيكتشف بوبر ما هي غايات النشاطات السياسية. والتي ستقوده هذه المعرفة إلى رفض الشيوعية ثم أصبح فيما بعد ناقداً للماركسية ، بعد ماركس سيجد ضالته مع فرويد ونظرياته ويعمل تحت اشراف ألفرد أدلر مؤسس مدرسة علم النفس الفردي ، وبعد سنوات نجد كارل بوبر يوجه نقدا لنظريات فرويد التي قال عنها انها لا يمكن إثباتها ولا هي بالتي يمكن دحضها، وفي تلك السنوات ايضا يُعجب بافكار أينشتاين حول النظرية النسبية ، حيث وجد في افكار أينشتاين الروحالنقدية التي غابت كما يقول عند ماركس وأدلر وفرويد ، وقد أوحى إليه أينشتاين بفكرة ” التمييز بين العلم واللاعلم، والتي شكلت النقطة المحورية في مذهبه الفلسفي بأسره ” ، لكن الحياة كانت تخبئ مفاجاة للشاب المغرم بالفلسفة والموسيقى والعلوم ، فقد تعرض والده لنكسة مالية ، جعلته يخسر كل ما يملك ، مما اضطر كارل ان يعمل في مهن عديدة منها عامل بناء ، ونجار وموظف في حضانه اطفال ليتمكن من اكمال دراسته حيث حصل عام ١٩٢٨ على الدكتوراه في لفلسفة، ليعمل بعدها مدرسا للرياضيات والفيزياء في المدارس الثانوية.
في تلك السنوات تشكلت حلقة فينا وكان ابرز اعضائها موريتس شليك وفيليب فرانك ورودولف كارناب و فيكتور كرافت وأوتو نويرات، وهانز هان، وهربرت فايجل واخرون ، وقد اطلق على الجماعة ايضا اسم “جماعة الوضعية المنطقية ” ، وقد جعلت جماعة فينا غرضها الاساسي هو مبدأ التحقيق ، وهو المبدا الذي يؤكد ان معنى القضية هو طريقة تحقيقها، ومن ثم فليس هناك معنى لأي عبارة إلا إذا كان بإمكان المرء من حيث المبدأ أن يتحقق منها ، ولم لم يرق هذا المبدأ، ، لكارل بوبر، فقام بمحاولة نفنيده ، مستبدلا مبدأ التحقيقي بمبدا اطلق عليه اسم ” قابلية التكذيب ” ولخص بوبر بعبارة بسيطة خلاصتها ” ماذا تكون عليه حال الأشياء لو أنها كانت كاذبة ” ، وقد بين وجهة نظره هذه في كتابه الاول ” منطق البحث العلمي ” الذي صدر عام 1934 ، واعتبر مؤرخوا الفلسفة ان كتاب بوبر هذا قد دق ناقوس نهاية جماعة فينا ، لتنتقل الوضعية المنطقية الى انكلترا وتسود لمدة عقود . عام1937 يهاجر كارل بوبر الى نيوزيلندا هربا من النازية ليمارس مهنة التدريس في الجامعة ، وكان قرار هتلر ضم النمسا الى المانيا عام ١٩٣٨ حافزا لكارل بوبر لأن يوجه كتاباته نحو السياسة وعلم الاجتماع ، عام ١٩٤٦ ينتقل الى بريطانيا التي قبلته لاجئ سياسي ثم منحته الجنسية البريطانية ، وهناك سيدرس المنطق ومناهج العلوم بجامعة لندن وفي عام ١٩٦٥ يمنح لقب ” سير” ، وهو أعلى لقب تمنحه بريطانيا لمواطنيها ، وتمنحه بلاده النمسا ” وسام الشرف الذهبي الأكبر” ، العام 1966 يتقاعد عن العمل بجامعة لندن عام ١٩٦٩ ، لكنه يظل يمارس بنشاط مهامه كمفكر وفيلسوف ويصدر العديد من الكتب المهمة ويلقي المحاضرات في جامعات العالم الى ان يتوفى ١٩٩٤ ، وقد بلغ الثانية والتسعين من عمره كان فيها نصيرا للحريات والديمقراطية .
لاحظ كارل بوبر ان الفلسفة لم تعد مثلها مثل العلم ، مجرد مسألة لايجاد دليل لاثبات صحة نظرية ، لان الفيلسوف الحقيقي او العالم الحقيقي على حد تعبيره سيعمل على اثبات انه مخطئ ، محاولا العثور على الثغرات في اي نظرية موجودة .. حينها يمكن للمعرفة ان تستحق الاسم الذي أُطلق عليها .ويصر بوبر على أن اليقين لا وجودَ له في السياسة مثلما هو لا وجودَ له في العلم، ومِن ثم فان فرضَ وجهة واحدة هو أسوأ صور المجتمع الحديث ، فالنقد هو الطريق الرئيسي الذي يمكن فيه تنقيح السياسات الاجتماعية قبل تنفيذها ، ويرى بوبر أنَّ المجتمع الذي يسمح بالمعارضة والحوار النقدي هو ” المجتمع المفتوح ” ، وهو الذي سيكون أقدر على حل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية عكس المجتمع المغلق الذي يتبنى فلسفة الرأي الواحد ، وهو يرى ان الشغل الشاغل للمجتمع
هو في البحث الدائم عن أسوأ الشرور الاجتماعية ومحاولة إزالتها، الفقر والبؤس، تهديد الأمن، مساوئ التعليم والخدمة الطبية، والسعي لتحسين نصيب الناس من هذه الخدمات.
ظل كارل بوبر طال حياته يدافع عن الديمقراطية ، وكان يصر على ان حل المشكلات في المجتمع يستلزم الطرح الجريء للحلول المقترحة التي توضع عندئذٍ على محك الاختبار النقدي لاستبعاد الحلول الفاشلة ونبذ الأخطاء، فهو يؤمن ان أصلح المجتمعات هو ذلك المجتمع الذي يسمح بالاختلاف ويُصغي إلى شتى الآراء، ويتبع ذلك بعملية نقدية : ” فضي إلى إمكان حقيقي للتغيير في ضوء النقد، إن مجتمعًا يتم تنظيمه وفقا لهذه التوجهات سيكون أقدر من غيره على حل مشكلاته ويكون مِنْ ثم أكثر نجاحا في تحقيق أهداف مواطنيه مما لو نُظِّم وَفقا لتوجهاتٍ أخرى ” ، وكان بوبر يسخر من الاعتقاد الشائع بأن الديكتاتورية أو الاستبداد العادل هو الشكل الأكثر كفاءة في حل المشكلات ، فقد أثبت بوبر أن المجتمع الذي يتمتع بمؤسسات حرة منفتحة على النقد هو أقدر على حل مشكلاته على المدى البعيد،” فالمؤسسات الحرة تتيح لنا أن نغير رأينا فيما ينبغي أن يكون عليه الحكم، وأن نضع هذا التغيير موضع التنفيذ دون إراقة دماء”
كان بوبر من ابرز دعاة الديمقراطية الحديثة ، وقد تميز بثرائه الفكري وكتبه المتنوعه في مجال الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والسياسة وعاش حياته وهو ينادي بمجتمع ديمقراطي تعددي، يسمح بالتعبير عن وجهات النظر المتعارضة وتبني الأراء المتضادة … مجتمع يتمتع كل فرد فيه بحرية البحث في المواقف التي تحيط به ، وحرية اقتراح الحلول، وحرية انتقاد الحلول التي يقترحها الآخرون وبخاصة أعضاء الحكومة، سواء في مرحلة طرح الافكار والمشاريع أو مرحلة تطبيقها العملي ، مجتمع تتغير فيه سياسات الحكومات في ضوء المراجعة والفحص النقدي المستمر .. لا مجتمع يتغنى بالديمقراطية ، لكن يواجه منتقديه بالرصاص الحي.
وعلى مدى اكثر سبعة عقود من العمل الفلسفي ظل كارل بوبر مصرا على ان الصراع المستمر مع المشكلات معنى وهدف الحياة الإنسانية، وطريقا يجب ان تسلكه الفلسفة وهي تدافع عن حق الانسان في العيش بمجتمع مفتوح.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0