أدب و تراث مقالات

الناقد الكردي كه يلان محمد: القراءة مغامرة يجب دفع ثمنها

الناقد الكردي كه يلان محمد علي: القراءة مغامرة يجب دفع ثمنها

خلال حواري مع الناقد الكردي « كه يلان « عن حكاياته في عالم الكتب التي رافقته طوال حياته تأثرا بها، وهو يعددها لي شيئا بالتفصيل، وأخرى نمر عليها سريعا، في لمحة صمت صغيرة، راودني سؤال؟ وهو يتحدث بحماس عن هويات أمين معلوف وأعني بذلك روايته « الهويات القاتلة « هل يأتي ذلك اليوم وتدرس فيه مدارسنا مؤلفات مفكرينا ومثقفينا العرب يقول « كه يلان « نحن نعيش مرحلة عصيبة من عمر التاريخ تفشت بها الأفكار المتطرفة من الشرق والغرب فما أحوج ما نكون إلى أفكار معلوف التي يبثها في أعماله الروائية وعن أبطاله الذين ينفتحون على الآخر ويبحثون عن المشتركات الإنسانية، ثقافة اليوم استشفت بعض تجاربه الروائية في الحوار التالي.

 

ما الكتاب الذي أحدث تأثيرا فيك بعد قراءته؟

 

أريد أنْ أشدد في بداية هذه المداخلة على أهمية الالتفات إلى تجارب من يكون مهتماً بالقراءة ومتابعة الشأن المعرفي. فأنتم بهذه المبادرة تقدمون خدمة كبيرة للمجال الفكري والأدبي بل تشجعون الناس على القراءة وتعيدون اللحمة بينه وبين المكتبات في عصر قد حلت مباني البنوك والأسواق التجارية محل المكتبات على حد قول الكاتب الأرجنتينى (ألبرتو مانغويل). لعلَّ الأجدر بنا أن نستهل بسؤال.لماذا نقرأ؟ ما سر شغفنا بالقراءة؟ هل يستغني

 

بحثنا عن الحلول لمشكلاتنا في كل الاتجاهات وتجاهلنا البعد الثقافي والتنمية الفكرية

 

الإنسانُ عن القراءة؟ كلما يسألونك عنْ تجربتك مع الكتب.تتداعي إلى ذهنك هذه الأسئلة وتعيدك إلى الكتب التي ساهمت في تكوينك الفكري وعمقتْ لديك حُبَّ القراءة وفتحت لك النوافذ الجديدة وكشفت لك أفقاً أرحب. طبعا القراءة هي حوار متواصل مع ذاتك من خلال فكر الآخر. فأنت عندما تقرأُ غيرك تعودُ إلى ذاتك وتمحصُ مُعْتقداتك وتتأملُ ما تعتبره الثوابت لديك من هنا تتحاشى الوقوع في مزالق التحنط العقلي وتحافظ على عملية الارتقاء التي يجب أن تستمر ولاتتوقف في نقطة معينة نحن عندما نشرعُ في الدخول إلى عالم الكُتب لا نستطيع أنْ نُجيبَ على كل الأسئلة المرتبطة بهدف القراءة أو لماذا نقرأ.لأن الأنسان كما يقول (البرتو مانغويل) صاحبُ كتاب فن القراءة (كائن قارىء) كما أن هدف القراءة لايُمكنُ تحديدهُ. لأنَّ القراءة هي متاهة هرمسية متعددة الغايات على حد قول (إمبرتو إيكو) لايوجدُ قارىء أو شخص محب لاقتناء الكتب أن لايوجهَ إليه هذا السؤال.هل يسعك الوقتُ لقراءة ماجمعت من الكتب؟ هل يمهلك العمر؟ علينا ان لا نُنْكر وجاهة هذه الأسئلة القادمة من خلفية تفكير يحتكم إلى المنطق النفعي، لكن من يتعامل مع الكُتُب يُدركُ بأن تكدس الكتب وتناثرها في مُحيطك هو جزء من طقس القراءة يقول “نجيب محفوظ أحيانا أضطر ان أشتري كتابا أنا متأكد بأنه موجود في مكتبتي لكن لا أستطيع العثور عليه.” كلما تنتهي من قراءة كتاب يُناديك عنوان جديد. لذة القراءة وأنت في جزيرة محوطة بالكتب تمتد إلى تلافيف ذهنك وتغورُ في مشاعرك. نعم القراءة مغامرة. وأحياناً يجب ان تدفع ثمنها، يذكرُ (هنري ميللر) في كتابه (الكتب في حياتي) أنّه طُرد من العمل.لأنَّ صاحب العمل قد ضبطه وهو يقرأ نيتشة بدلاً من أن يهتم بمطالب الزبون. أيضاً يقول الكاتب والمفكر السعودي (عبدالله الغذامي ) في كتابه (اليد واللسان) أنّه باع دراجته وهو في الحادية عشرة من عمره ليشتري بثمنها الكتب. فهو كان يتقايض متعته الطفولية بمتعة معرفية فذلك يعد نوعاً من المغامرة.

 

تتباين الكتب في إستراتيجتها وآلياتها وماترمي إليه من الأهداف. ثمة كُتاب يريدون إقناعك بما يقتنعون به من الآراء السياسية والدينية من خلال نتاجاتهم الفكرية والأدبية، بالمقابل هناك من يركز فقط على الأبعاد الجمالية فيما يقدمه ويتركُ عملية التأويل وإدراك المقاصد للمتلقي. فضلا عن ذلك لدينا كتاب لايطلبون منك أن تقتفي أثرهم. بقدر مايحاولون تحريرك من الأُطر التي تتحكم بتفكيرك ويلهمونك برغبة التجريب للمسالك الجديدة فالفيلسوف والروائي الفرنسي (ألبير كامو) هو من هذا الصنف الأخير كذلك الفيلسوف اللبناني (علي حرب)،عندما أنبشُ في ذاكرتي بحثاً عن الكتب التي أثرت في مداركي يطفو كتاب (هؤلاء علمونى ) للكاتب المصري (سلامة موسى). ويسبق جميع العناوين الأُخرى في مخيلتى.أعتقد بأن كل إنسان في مرحلة الشباب يحتاج إلى كاتب من طراز سلامة موسى. فهو يتميز إسلوبه بالسلاسة. يقدم لك خلاصة التفكير الإنساني ويثقفك بمفاهيم الحضارة. بدأت بالبحث عن كتب سلامة موسى وقرأت معظم ماقدمه للمكتبة العربية. ربما أحد الأسباب وراء اجتياح الأفكار المتطرفة لعقول شبابنا يكمنُ في إهمالنا لميراث الفكر التنويري الذي يعد سلامة موسى أحد رواده. الشاب الذي يقتات على مائدة أعمال المفكرين أمثال طه حسين، أحمد أمين، العقاد، توفيق الحكيم. مالك بن نبى، جبران خليل جبران من الصعب بمكان أن يستسيغ التطرف. نحن بحثنا عن الحلول لمشاكلنا في كل الاتجاهات واختبرنا اختيارات عديدة لكن لم نكترث بالبعد الثقافي والتنمية الفكرية وتكوين العقول القادرة على إنتاج الأسئلة. وهذا هو سر أحوالنا المزرية على كل المستويات.بما أن النهم المعرفي يزداد لدي الإنسان إذ هو يبحث عن الأعمال التى تشحنه بطاقات ذهنية خلاقة وينفتح على مزيد من الأفكار التي تستجيب لاحتياجاته الذهنية ويتجه نحو الكتب التي تُحطم جليد الرأس على حد قول (كافكا). بذلك يتوسع مدار عقله بحيثُ يتشجع لإيجاد التواصل مع الأفكار المشاكسة التي تعاكس التيار. هنا لابد أن أتوقف عند نجيب محفوظ أن التعرف على أعماله يعتبر اكتشافا بالنسبة لكل قارىء فهو قدم نتاجا أدبيا متنوعا وغزيرا قد ارتاد الأدب العربي مع نجيب محفوط إلى أفق عالمي. قرأتُ معظم أعماله الروائية إضافة إلى مجموعاته القصصية المطولة والقصيرة (رايت فيما يرى النائم، الفجر الكاذب، شهر العسل) وشذراته (أصداء السيرة الذاتية، أحلام فترة النقاهة) وقرأتُ ماكتب عنه من الدراسات النقدية (بناء الرواية ) لسيزا قاسم دراسة في ثلاثية نجيب محفوظ( تأملات في عالم نجيب محفوظ) لمحمود أمين العالم (نجيب محفوظ الصورة والمثال) للطيفة الزيات.ف(نجيب محفوظ) كما يقول جورج طرابيشى فيلسوف عربي بالوكالة. مايلفتُ النظر في عالم نجيب محفوظ هو قدرة هذا الكاتب الفذ على تقديم أفكاره متكاملة في كل المساحات سواء أكانت قصيرة أو واسعةً مايرويه نجيب محفوظ في أقصر أحلامه لايَقِلُ قيمةً على المستوى الفكري عما يقدمه في رواياته الملحمية. وهذا مايميزه عن غيره من الكتاب. معرفتي لنجيب محفوظ أدت إلى توطيد علاقتى مع الرواية. وأدركت بأن هذا الجنس الأدبي يتسع لكل هواجس الإنسان وأحلامه وهمومه كما تعلمتُ أن الهدف من قراءة الرواية ليست متعة مؤقتة بل هو البحث عن الأسئلة.لأن الوظيفة الأساسية للرواية هي طرح الأسئلة كما يقول الروائي التيشكى ميلان كونديرا. وأنت تجد في أعمال نجيب محفوظ كل مايشغل الإنسان ويؤرقه من السؤال الوجودي والمعرفي المرتبط بمصير الإنسان وأنت تقرأُ (الطريق) و(أولاد حارتنا) تتوالد لديك الأسئلة الوجودية. إذا انتقلتُ إلى الجانب الفكري هنا لابد أن أذكر الكتب المترجمة لأحمد أمين فمن خلالها.لاسيما قصة الفلسفة ترجمه مع زكي نجيب محمود ومبادىء الفلسفة.تعرفت على المدارس الفلسفية اليونانية.كما انفتحت على آراء التيارات الإسلامية من خلال (ضحى الإسلام ) وهو من تأليف أحمد أمين أيضاً. فأدركت بأن الانقطاع عن الفلسفة يعنى انتحار العقل والتفكير.لأن الحضارة الأسلامية عندما عجزت من إنجاب الفلاسفة قد بدأت بالانتكاسة إلى الوراء. وفي وقتنا الراهن أعتقد بأن الكاتب والمفكر السوري (هاشم صالح) يحاول أن يواصل تقديم فلسفة الغرب من خلال كتبه وترجماته للقارىء العربي وأول كتاب قرأته كان بعنوان (قراءة للفكر الأوروبي الحديث ) وهو من إصدارات مؤسسة اليمامة الصحفية. من هنا أتابع حتى الآن مايقدمه من الكتب والدراسات. آخر ماقرأت له (الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التأريخ) وبرأيي المتواضع كتابه (مخاضات الحداثة التنويرية ) هو من أفضل كتبه. كما أتلهف لما يقدمه الفيلسوف اللبناني (على حرب) لأنَّه يحفزك على التفكير ويعطيك المناعة ضد التدجين فى أعماله يقنعك بضرورة التواضع والحفر وراء ماهو مضمر من الأفكار. ومن المفكرين العرب أيضاً جورج طرابيشي الذي تنصت في كتبه إلى مناظراته ومطارحاته مع المفكرين الآخرين فهذا مانحتاج اليه أن نقرأ ونعقب وننتج المزيد.

 

أخيراً أتوقف عند الكاتب والروائي والمفكر العالمي (أمين معلوف) فهو لم يأخذ حقه حتى الآن مع أننا في هذه المرحلة العصيبة التي تفشت فيها الأفكار المتطرفة من الشرق والغرب أحوج مانكون إلى أفكار أمين معلوف الذي يبثها في أعماله الروائية فثيمة معظم رواياته هي الرحلة والبحث عن الأمكنة الجديدة أبطاله لايؤمنون بهويات أُحادية بل ينفتحون على الآخر.

 

ما نوع التأثير وهل أنت مقتنع به، و ما مدى استمراره؟

 

أمين معلوف يبحث عن المشتركات الإنسانية بخلاف التيار السائد الذي يحتكم إلى قاعدة الشرق شرق والغرب غرب لايلتقيان. وأعتبر كتابه (الهويات القاتلة ) من الكتب التي يجب أن نواصل قراءته في ظل أوضاعنا الراهنة التي هيمنت فيها حرب الهويات على العقول وتتشظى فيها الاوطان.فهو يبدد خرافة الهويات النقية لايوجد إنسان يمتلك هوية خالية من العناصر التي تجمعه بغيره، فهو يضرب بتكوينه وتركيبة هويته مثالاً على حالة التعددية في الانتماء، فاللغة العربية هي لغة القرآن توفر له فرصة التواصل مع ملايين المسلمين، كما أن انتماءه المسيحي يفتح له قنوات التواصل مع أتباع هذه الديانة وكونه لبنانيا يعيش في فرنسا ويكتب باللغة الفرنسية تتغذى هويته بمؤثرات الثقافة الفرنسية، فهو يعتقد بأنَّه يتقاسم مع كل كائن بشري بعض الانتماءات المشتركة، ويُعالج موضوع التطرف. ويقدمُ قراءة موضوعية حول ظاهرة التطرف.حيث يقولُ بأنَّ تجربتنا مع القرن العشرين.وماذاقه فيه الإنسان من المآسي يكشفُ بأن جميع العقائد الآيدولوجية والليبرالية حتى العلمانية قد تنحرفُ وتُفْسَد. لا أحدَ يحْتَكرُ العنف كما لاوجود لمن يحتكرُ النزعة الإنسانية. ومن ثُمَ يتناول طبيعة النظام العالمي المعولم ويرى أنه من المهم أن لا تبدو الحضارة العالمية في ظل العولمة رديفاً للأمركة. ويؤكد على ضرورة إنفتاح الثقافات والمجتمعات دون أن يؤدي ذلك الأمرُ إلى اضمحلال الخصوصيات. وهو يقول بأننا نعيش في عصر يستطيع فيه أيّ انسان يمتلك الفكرة سواء أكانت عبقرية أو سطحية أن ينقلها خلال لحظات إلى ملايين من البشر. كل من يريدُ أن يتفهم طبيعة عصرنا وأسباب ازدياد العنف والمفارقة التي نعيشها في عالم قد تحول إلى قرية كبيرة بفعل التطور العلمي والتكنولوجي ولكن مع ذلك تتفاقم هواجسنا من الآخر يجبُ ان يقرأ (الهويات القاتلة) برأي أمين معلوف تتلاشى الهوية وتتبخر إذا غابت الجهود المتواصلة لتزويدها بعناصر جديدة.فهو في ختام كتابه يتمنى أن تُقيم الأجيال القادمة في عالمٍ يسمو على الحساسية الناجمة من حالة تعددية الهويات ولاتعيق الاختلافات الأثنية التواصل بين البشر. أتمنى أن يدرج هذا الكتاب ضمن المناهج الدراسية في الجامعات حتي يدرك الجيل الواعد بأنّه لا يوجد في العالم مسلمان متطابقان في كل شيء كما لا يوجد مسيحيان أو يهوديان متماثلان في كل رغباتهما وأنساق تفكيرهما.

المصدر

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0