فكر مختارات مقالات

في الثورة

في الثورة

بقلم: ا.د. علي المرهج

يؤكد غوستاف لوبون في كتابه (روح الثورات، والثورة الفرنسية) على أن الثورة تحصل وفق مُعطيات عقلية، فلا ثورة من دون وجود أسباب عقلية وواقعية كانت هي الأصل في حدوثها، ولكن لا يكون لهذه الأسباب قوة تأثير إن لم تتحول إلى عواطف يشعر الجمهور أو الجماعات الثائرة بتأثيرها الحماسي، لذلك فلا نجاح لثورة من دون “إفعام لقلوب الجماهير بالآمال، لذلك نجد أغلب الثورات التي نجحت إنما يستعين قادتها بتأجيج العاطفة الدينية أو الوطنية، ولا تنجح الثورة “ولا تصبح ذات نتائج إلَا بعد هبوطها لروح الجماعات، فالجماعة تُتم الثورة ولا تكون مصدرها، وهي لا تقدر على شيء ولا تُريد شيئاً إن لم يكن عليها رئيس يقودها، ولا تلبث الجماعات أن تتجاوز الحد الذي حُرَضت عليه، وإن كان التحريض لا ينشأ عنها أبداً.

واحدة من مشاكل انتفاضة تشرين هي استمرارها إلى يومنا هذا من دون قيادة، فقد يصح أن تخرج الجماهير بفعل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي للتظاهر والتعبير عن مطاليبها، لتتحول هذه التظاهرات الطلبية التي بأت بشعار (نازل آحذ حقي) إلى انتفاضة عارمة تُطلب بعودة الوطن حاملة شعار أرقى ألا وهو (أريد وطناً)، ولكنها في بدايتها يصح أن تكون (ثورة بلا قيادات)، ولكن بعد أن اعترف بها المجتمع الدولي وتعاطفت المرجعية العليا في النجف الأشرف معهم، بل ودافعت عن حقهم في الرفض والتظاهر، وبعد أن فقد شبابنا ما يقرب على الستمائة شهيد أو يزيد، وآلاف الجرحى، صار لزاماً على هذه الجماهير المنتفضة أن تكشف عن قيادات أو ممثليات تكون هي المعبر الحقيقي عن مطالبيبها والتحاور مع الحكومة والأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، وتحمل على عاتقها الدفاع عن الحقوق المُستلبة من أبناء الطبقة المسحوقة، وتسعى عبَر التظاهرات السلمية أولاً، فإن استجابت السلطة وتفاعلت بصدق مع مطالب الجماهير، فستكون مُهمة هذه القيادة هي التحاور مع السلطة والعمل معها لوضع برنامج عمل واقعي لتحقيق المطالب المُمكن تحقيقها في التو واللحظة، وإن تمادت السلطة في غيَها، فمهمة القيادة (الكاريزمية) والعاملين معها هو السعي بالقوة المُتاحة لاسقاط الحكومة، وعلى الجماهير المُنتفضة أن تعمل على إيجاد (أنتلجسيا) تختارها هي وتكون موضع ثقتها كي تستطيع تنسيق جهودها وتكون بمثابة الناطق الرسمي بإسم الجماهير، والمُعبَر الحقيقي عن مطاليبها وصياغتها صياغة معرفية وقانونية، وعلى الجماهير أن تمتثل لرؤى هذه (الأنتلجسيا) وتصيرحاتها الثورية أو الإصلاحية، كي لا تكون المُتظاهرات مجرد رفض ورفع لشعارات، وكل جماعة تعمل بحسب أهوائها ورغباتها، لأن مهمة تنظيم التظاهر وصياغة برامج الثورة إنما تكون من مهام هذه النُخبة الفاعلة (الإنتلجسيا)، وعلى الجماهير أن تستمع لها وتنتظم وفق ما تطرحه هذه النُخبة الواعية المُدركة لهموم الأمة والناشئة من رحم المُعاناة.

إن مهمة الجماهير المُنتفضة أو الثائرة ضد الظُلم والفساد هي الصبر والمُطاولة في التظاهر أو الاعتصام، ومُمارسة حقهم في التعبير عن الرأي الذي كفلته كل دساتير العالم، ولكن مهمتهم هذه تحتاج لطبقة مُثقفة واعية (أنتلجسيا) كما أكدت، يسيرون على هديها وينتظرون توجيهاتها، وإن جزعت الجماهير من تغافل السلطة وتغاضيها السافر عن تلبية مطاليبها، فعلى نُخبة الانتفاضة أن يُوقفوا الحوار ليكون بمستطاع الجماهير التعبير عن رفضها عبر الاعتصام والاضراب مثلاً، بعد أن يكشف قادة الانتفاضة عن عجزهم في توصيل مطاليب جماهي الانتفاضة بالطُرق السلمية.

إن الفعل الإيجابي في الثورة هو هدوء وتعقل قادتها وتنظيمهم لحركة الجماهير الذي ستحصد الثورة ثماره بفضل قوة الرفض الجماهيري أولاً، وتفاعل أو تخلي بعض أجهزة أمن الدولة عن مُلاحقة الثوار ثانياً، لأن كل من هُم ينتمون لأجهزة الدولة الأمنية، إنما هُم أفراد ومواطنون ينتمون لهذا الشعب الثائر، ولا مصلحة لهم بقمع ثورة شعب هُم جُزء منه، لذلك فهدوء قادة الثورة يخدم الجماهير في سحب البساط من تحت (السلطة الغاشمة) حينما تستطيع أن تجعل من بعض رجالات النظام السابق يتفاعلون مع الثوار، أو بأقل الأحوال يُخففون الوطأ في سعيهم لقمع الجماهير المُنتفضة أو الثائرة، لأن هدف كل ثورة هو البناء لا الهدم، وحينما يستجيب بعض رجالات النظام الحاكم لمطاليب الثوار، فينبغي على قادة الثورة التعامل معهم والحرص على الحفاظ على حياتهم.

يرتبط مفهوم الثورة بمعناها الذي ألفناه، بالتغيير الجذري لنظام الحُكم، ولا تُعد الثورة ثورة لمجرد أن هناك جماهيراً رافضة أو مُنتفضة ضد نظام الحُكم السائد في بلدها، وحينما يستجيب نظام الحُكم لكل هذه المطاليب أو بعضها، ستعود الجماهير لما كانت عليه قبل الإنتفاضة. ولربما تعود الجماهير المُنتفضة لما كانت عليه لا لأن السلطة استجابت لمطاليبها، بل تخوفاً من بطشها، لا سيما في دول تحكمها أنظمة الحُكم الدكتاتوري.

الثورة تكون أمراً مقضيا في حال إنقسام الدولة إلى طرفيَ نقيض، طُغمة حاكمة فاسدة مُترفة تعيش لذيذ الحياة هي وأتباعها وذيولهم، وهم أقلية، وطبقة مُستضعفة مغلوب على أمرها، تعيش الفاقة والفقر المُدقع، وهم الأكثرية، حينذاك ستكون الثورة عاجلاً أم آجلاً هي الحل للخلاص من دُعاة المُحافظة ممن اعتادوا الجلوس على كراسي السلطة، وكل من ثار أو رفض سياستهم الرعناء إنما يحسبونه مُندس ومتآمر!.

ستكون الثورة أو الانتفاضة ضد الوضع السائد حلاً بعد أن أمعنت السلطة في فسادها وعملت على إقرار قوانين للتمييز بين طبقات المُجتمع، بتكريم جماعة بهبات وأموال نقلتهم من حال إلى حال، فبعد أن كانوا من جماعة المُستضعفين، صاروا بين ليلة وضُحاها من أهل قريش وسادتها المُترفين ليكونوا (طبقة مخملية) لاهمَ لها سوى قبض المال!، هذا فضلاً عن امتيازات رجالات السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية وأصحاب الدرجات الخاصة التي جعلتهم يعيشون بأبراج عاجية!.

ولا بد للشعوب المقهورة أن تنهض وتستفيق من غفوتها التي وإن طالت بفعل الوعود الكاذبة والحلول الترقيعية وفعل تخدير السلطة عبر اللعب على عواطف الجمهور ومُخاطبتهم بلغة وجدانية ذات أبعاد تاريخية في الحديث عن المظلومية لفئة أو مذهب هم الأغلبية، ولهذا النوع من الخطاب فعل تأثير وتخدير، ولكن لهذا الخطاب زمنه، ليتحول لنغم سقيم يصدر من أسطوانة مشروخة يضعف تأثيرها بفعل تكرارها وينتهي مفعول التخدير فيها.

تبدو ملامح وجود الثورة جلية حينما يشتد الصراع الطبقي، فتكون الفئة الحاكمة ورجالاتها منتفعة وتنهب أموال الدولة وغالبية الجماهير محرومة، ويكون (الولاء) هو سيد الوقف في الخلاف بين الحكومة والجماهير، وستجد أن المنتفعين من الحكومة أقل ولاءً من الجماهير للوطن والوطنية والشعور بالمواطنة، وما أن تحدث الثورة ستجد رجلاتها المنتفعين مختفين ويختفي ولاؤهم العرضي ليحضر ولاء الجماهير الجوهري بديلاً له.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0