علي رسول الربيعي
فكر مختارات مقالات

الإسلام والعلمانية وتحديات حقوق الإنسان

الإسلام والعلمانية وتحديات حقوق الإنسان

بقلم الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

مدخل منهجي

إن نقاش مسألة الأسس المعرفية والأنطولوجية لحقوق الإنسان مثير للجدل والخلاف غالباً، لكن الدعوة إلى تجنب مثل هذا النقاش، لمجرد أنه غير مهم لتطوير أنظمة حقوق الإنسان هو تعبيرعن هزيمة فكرية. أرى من المهم تناول مشكلة العلاقة بين الإسلام والعلمانية ولكن ليس هكذا بعمومية المفهوم واللفظ ولكن بخصوصية السبب والقضية، ايً من خلال وضعية مشخصة: ماهي التحديات التي تفرضها حقوق الإنسان العلمانية على الإسلام؟

انه طرح لسؤال جوهري يرسم محاور ومسار مانرى من منطق للبحث بمنهجية تحليلية تركيبية. تحليلية بمعنى تحلل مفاهيم الشريعة الاسلامية بهذا الصدد اولاً، ومواقف المسلمين من الأعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك موقف الأعلان من العقائد والاديان. وتركيبية تقوم اولا: بالفصل بين الموقف الأسسي والمواقف اللا أسسي تجاه الأعلان العالمي لحقوق الإنسان وقد نشرنا عن هذا مقالين سابقين. وثانيا النظر في ما يمكن من تاسيس حقوق الإنسان على اسس أخلاقية وميتافزيقية إسلامية.

 

إنه من الضروري فتح موضوع الأساس الأخلاقي لحقوق الإنسان الذي يوفر لها الحجة الأساسية للمطالبة بالتطبيق العالمي، وفحص ومقارنة هذه الشمولية العالمية العلمانية بالعالمية التي يطالب بها أصحاب العقائد الدينية الشاملة ونخص من بينهم هنا المسلمين. تؤدي الانتقادات الإسلامية المستمرة للإعلان كرفض للهيمنة السياسية والدينية الى رفض ادعاء الأخلاق االعلمانية بالصلاحية العالمية. يأتي أفضل وجه للتعامل مع هذه الانتقادات من خلال إثارة أنواع القضايا الفلسفية والميتافيزيقية التي تقوم عليها الوثيقة الدولية التي تعرف بالإعلان العالمي لحقو الإنسان، والتي يمكن أن تجد صدىً لها في اللاهوت الفلسفي الإسلامي. مهما كان الأمر مثيرًا للجدل، أعتقد أن الاعتبارات المتعلقة بالأسس ستؤدي إلى تبادل واضح لا لبس فيه حول مصادر الأساس الأخلاقي العالمي لحقوق الإنسان، مما يوفر تصحيحات لكثير من تصورات المسلمين حول التحيز العلماني المقصود للإعلان.

 

هناك الكثير من الأدلة أن المبادئ اللاهوتية لا غنى عنها لدعم فكرة حقوق الإنسان كدليل عالمي في الحجة الأخلاقية والقانونية. لا أعتقد أنه يمكن رفض الإعلان العالمي تمامًا باعتباره مجرد نتاج لفلسفة علمانية غربية ذات جذورعميقة في فكر التنوير. ولا أقبل أن تهمة تحيز الوثيقة الى المركزية الأوربية أنها تهمة صحيحة، وساحاول أن أثبت في سياق دراساتي اللاحقة، إن وجهة النظر الليبرالية حول الفردانية الإنسانية والكرامة والحرية تتوافق مع روح الوحي الإسلامي ومنطقه الذي تم تطويره في علم اللاهوت الفلسفي الإسلامي والمنهجية القانونية ( التشريعية) لفهم نوعية وحالة الشخصية البشرية.

ركزت الدراسات الإسلامية لوثيقة حقوق الإنسان حتى الآن على ماذا كانت تتوافق مع الشريعة الإسلامية أو تفتقد هذه الموافقة. والتحقق ماذا كانت تشرك هذه الوثيقة مع الأسس اللاهوتية الأخلاقية للنظام القانوني (نظام الشريعة المقدسة). إن النظر أو التحقق الفكري من الناحية الأكاديمية في التجربة العلمانية والمسيحية بوصفها المحددة تاريخياً للإعلان في سياق النظر حول توافق الشريعة الإسلامية مع الإعلان غير مُثمِر وليس له فائدة في فهم الأصول والأسس العالمية لكل من التقاليد الإسلامية والوثيقة الدولية العلمانية لحقوق الإنسان. أسعى دائما الوصول إلى جذور الحجج التقليدية للمسلمين ضد التحيز المناهض الأديان من قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإلى إجراء تحليل نقدي للمصادر اللاهوتية الإسلامية لاقتراح فهم جديد للاهوت الإسلامي لدعم عالمية حقوق الإنسان التي تتوخى اشتقاق حقوق الإنسان على أساس مبدأ تاصل وعدم إمكانية التصرف في الحقوق التي تعود على جميع البشر كبشر.

أنه من المهم تبديد الشكوك حول عالمية حقوق الإنسان في عصر ما بعد الاستعمار، وبشكل خاص في عصر العولمة الاقتصادية والثقافية من خلال إشراك الأسس الميتافيزيقية والمعرفية في معايير حقوق الإنسان لإثبات أن هذه المعايير يمكن أن تستند بشكل أساسي إلى مفاهيم دينية حول كرامة الإنسان وحرية إرادة إنسانية مقدسة. تنطوي العقائد الدينية على إمكانية العمل من أجل إجماع متقاطع حول الفقرات أو المبادى المهمة في الإعلان؛ إجماع على حقوق الإنسان لايمكن للمنظرين العلمانيين تجاهله. إن المطلوب هو إعادة دراسة الخطاب المعياري للإعلان بسبب افتراضاته العالمية حول السمة الإنسانية المتاصلة في البشر في ضوء الخطاب اللاهوتي الذي تواصل لغته العالمية الشاملة توجيه القيم الأخلاقية والفقهية للحياة المشتركة.

 

أتفق من حيث المبدأ أنني مع المنظرين العلمانيين لحقوق الإنسان الذين يدافعون بنشاط في الوثائق الدولية والتعددية، ويتجنبون الأشتباك مع مفاهيم ميتافيزيقية ودينية معينة مثل الكرامة الإنسانية والقانون الطبيعي والأغراض الإلهية للبشرية حتى لا يتضاءل الهدف الحقيقي للوثيقة الدولية، أي حماية البشر من سوء المعاملة والقمع والقسوة. من البديهي أن نعيد التأكيد على القلق العلماني بأنه عندما تكون كرامة الإنسان نفسها في خطر، فإن كل الجدل الأكاديمي حول أسس الأخلاق العالمية قد كثف الرضا الأخلاقي لكن غير الحاسم بأتجاه حماية حقوق الإنسان الفردية؛ ومع ذلك، فإن تجاهل الانتقادات الإسلامية بشأن المركزية الأثنية والأهداف المهيمنة للإعلان، مهما كانت لا أساس لها، ينطوي على خطر زيادة تهميش حقوق الإنسان في العالم الإسلامي.

رغم أنني أود في هذه الدراسة أن أقصر نفسي على المشكلات اللاهوتية والقضائية المرتبطة بفقرة رئيسة واحدة من الإعلان هي تلك التي تتحدث عن حرية الدين والتحقيق في تلك الحرية في التقليد الإسلامي؛ لكن كلما حاولت أن أفهم ثقافة حقوق الإنسان التي تسود في الخطاب الحالي حول هذا الموضوع، كلما كنت مقتنعاً بتوسيع نطاق استفساري في مواضيع أوسع يبدو أنها تفصل السياق العلماني للإعلان عن التقاليد الإسلامية كما يمثلها كل من العلماء التقليديين والمثقفين العلمانيين المسلمين. إن السبب وراء متابعة هذا الخط من البحث هو أمر شخصي تمامًا ولكنه أكاديمي بدرجة كافية للسماح لي باستكشاف فكرة الحقوق وأبعادها الأخلاقية والسياسية. عندما بحثت في الأدبيات ذات الصلة في الإسلام، وجدت أن الأدب الخاص بحقوق الإنسان الذي أعده علماء المسلمين التقليديون يفتقر إلى الصرامة المطلوبة والدقة اللازمة. إن تحليل صريح لمشكلة انتهاك حقوق الإنسان على أرض الواقع يكشف عن أن المفكرين المسلمين العلمانيين على حق في تحليلهم للسجل الحالي لحقوق الإنسان في العالم الإسلامي بوصفه يفتقر إلى الأسس الضرورية اللازمة في التقاليد الدينية.

القانون الطبيعي والمعرفة الأخلاقية

تتمثل وظيفة التوجيه الديني في أمكانية توفيرأرضية للتشريعات الاجتماعية والقانونية في ضوء تعاليمها الأخلاقية العامة. لكن كيف يمكن الوصول إلى التوجيه والأرشاد الديني العالمي دون اللجوء إلى وحي محدد يرسله مؤسس الدين؟ هذا هو التحقيق المعرفي حول مصدر الأخلاق البشرية في الوحي الإلهي. هل يميل البشر إلى فهم الحقائق الأخلاقية أو تطوير الفضيلة الأخلاقية بغض النظر عن خاصية التربية او التعليم الإنساني أو الحساسيات الأخلاقية ومتطلبات الوحي الإلهي؟ هل العقل الطبيعي مرشد أو موجه كافٍ ومناسب للحياة الأخلاقية دون مساعدة الوحي؟ تؤدي هذه الأسئلة إلى الفهم الغائي للطبيعة البشرية وتشكل الأساس لوضع معايير عالمية تناشد جميع الشعوب عبر الثقافات والتقاليد المختلفة. علاوة على ذلك، تتيح هذه العالمية الأخلاقية لحقوق الإنسان العالمية المطالبة بالشرعية الدولية. والأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الأخلاق هي التي تطرح قانونًا طبيعيًا مناسبًا للتعامل مع أولئك الذين لا يشترك معهم أي شخص أكثر من إنسانيته.

أن قواعد الدين والحقوق الفطرية للإنسان مصدران متشابكان ونظم قيم موجودة جنبًا إلى جنب في جميع المجتمعات البشرية، بغض النظر عن الزمان والمكان والثقافة. إن كل تقليد ديني يتمتع بكل من المعايير الأخلاقية العالمية والخاصة التي تعزز أو تتعارض مع بعضها البعض، في بعض الأحيان. تسببت الحقوق المستوحاة من الدين طوال تاريخ تفاعلهم مع حقائق الوجود الإنساني، في تفكير جديد في مجال التطبيق في السياقات الاجتماعية والسياسية، مما يتطلب من التقاليد القانونية الناشئة أن تقف في انسجام جدلي مع الدين. وقد سعى التقليد الديني، من جانبه، للتصالح مع التقاليد القانونية عن طريق تحقيق التوازن بين المثالية والواقعية والربط بين المعتقدات والمثل المجتمعية للبنى والعمليات القانونية لتنفيذ حلول ملموسة لمشاكل العلاقات البشرية.

طورت الشريعة في التقاليد الإسلامية في قرون عديدة، هيكلًا قانونيًا راسخًا نظم المبادئ الثابتة للعقيدة الإسلامية إلى مبادئ متطورة للعمل البشري. سعى إلى تطبيق المعايير الأخلاقية الإسلامية في شكل أوامر زجرية للتأكيد على الطابع المنطقي للمقولات القانونية للإشارة إلى أهمية بعض المواقف والحقائق من زاوية معيارية معينة. ومع ذلك، واجه الفقه الإسلامي المشكلة المحتملة المرتبطة بالطبيعة الدينية المتأصلة لنظامه دائمًا، وتبعاتها في الظروف الاجتماعية والسياسية المتغيرة. لقد واجه الفقه الإسلامي عندما تعين على الإسلام إعادة صياغة التقليد الموروث في العصر الحديث لتحقق التوازن بين الموثوقية الدينية وقوى التطور الاجتماعي تحدي إعادة تعريف العلاقة بين المقاييس المعيارية (“الواجبات”) التي تتطلبها نصوص الوحي والقوى الدنيوية (“الحقائق الواقعية”) التي تشكل المجتمع. وهنا يُطرح سؤال عن المجريات الفعلية عن: كيف كانت محاولة تجنب علمنة النظام الديني من خلال التبني الحتمي للقواعد والمبادئ القانونية الغربية، التي كانت غريبة عن الروح الشاملة للفكر الشرعي الإسلامي؟

 

بصرف النظر عن الضعف النظري فيما يتعلق بتحديث التراث القانوني للمسلمين، فإن المشكلة المستمرة بين الفقهاء التقليديين تتمثل في تجنب مناقشة القضايا الفلسفية المتعلقة بالفكر الديني من حيث الأفكار الفلسفية والتاريخية السائدة الحديثة. لا توجد على المستوى التأسيسي لغة واضحة لحقوق الإنسان في المصادر الإسلامية. كما هو مفهوم عادة، تتصور “حقوق الإنسان” مواطنين متساوين يتمتعون بحقوق غير قابلة للتصرف تؤهلهم للمساواة في الاهتمام والاحترام من الدولة. أما المفهوم الحديث للمواطنة فغائب بشكل واضح في المصادر التقليدية للإسلام. بالإضافة إلى هذا القصور المفاهيمي، فإن سجل حقوق الإنسان للحكومات الإسلامية المعاصرة على المستوى السياسي يكشف عن مدى ألنتهاكات الحاصلة.

 

لا شك أن لغة التقاليد كما هي في أحكام الشريعة الإسلامية هي في المقام الأول لغة المسؤوليات والواجبات وليس الحقوق أو الحريات. وليس الإنسان المرجع النهائي للأخلاق فيها. وإن الله هو غاية الحياة الأخلاقية. تبنى غالبية الفقهاء المسلمين الأصول أو الكلام الأشعري الذي برّر سيادة إرادة الله على العقل (الأمر الذي أدى إلى تحديد الأخلاق بقانون إلهي وإنكار أن القيم الأخلاقية يمكن أن يكون لها أي أساس آخر سوى إرادة الله)، لكن قاوم العقلانيون وتحدث علماء الكلام المعتزلة عن القيمة الأخلاقية الفطرية للبشرية المستقلة. كانت الطبيعة والعقل بالنسبة للفقهاء التقليديين غير كافية للأخلاق. فليس الفعل حسن لأنه يفسر على هذا النحو من خلال الطبيعة الأساسية للإنسان، ولكن لأن الله يشاء. ونتيجة لذلك، فسر هؤلاء الفقهاء نظامًا طبيعيًا للأخلاق على أنه أجنبي ورفضوه بوصفه غير إسلامي، الأمر الذي ينكر بسخرية أنه يمكن للإسلام أن يقدم قدرًا من كرامة البشر وله قدرة المشاركة في هذا النظام الأخلاقيالعالمي لحقوق الإسنسان. فلم يكن هناك معيار للخير والشر متاحًا لجميع المخلوقات العقلانية ولو بالحد الأدنى. إن مفهوم الله كسلطة تعسفية مطلقة يعني ضمناً اختزال جميع القوانين الأخلاقية إلى مظاهر غامضة للقدرة الإلهية الكلية.

تم التخلي عن اللاهوت المعتزلة في تأكيده على دور جوهري للعقل البشري لتمييز الحقائق الأخلاقية، وإمكانيته في تقديم تفسير للفهم الغائي للطبيعة ضمن معايير الوحي، لصالح أخلاق الأمر الإلهي. وبهذه الطريقة نفى اللاهوت السياسي الإسلامي في غالبيته قدرة الإنسان على أن يكون مسؤولاً في المقام الأول ويستجيب لأوامر الله ومقاصده.

 

نتيجة لذلك، رفض أيضًا الاعتراف بالفاعل الأخلاقي الراغب في الوفاء بواجبه تجاه رفاهية مجتمعه ككل، وكذلك أفراده. إن الاعتراف بكرامة الإنسان كأساس كافٍ لحرمته، بغض النظر عن الاختلافات في العقيدة أو اللون أو الجنس، يجب أن ينتظر خطاب حديث عن حقوق الإنسان.

 

الخطاب الإسلامي الحديث وحقوق الإنسان

 

أريد أن أقول أبتداءً بعبارة ملطفة مخففة، كان تعامل المسلمين مع الحداثة بطيئاً. وإن العمل المنهجي للفكر الديني الإسلامي مع الأخذ في الاعتبار الازدواجية الموروثة بين الأبدية الدينية والمتغيرة علمانيًا، قد تقدم ببطء. وإن التفسير الأكثر منهجية أمر ملح واساس من أجل اشتقاق رؤية إسلامية للعالم تتوافق مع التوليف الفكري الجديد بين الإسلام التاريخي التقليدي الراكد نسبيًا والوضع المتغير باستمرار للعالم الحديث. يعتمد الدخول في خطاب حقوق الإنسان، بالنسبة للفقهاء والمفسرين المسلمين، على إعادة النظر في تفسير وفهم القرآن والأحاديث النبوية إلى حد كبير حتى يتم الحكم على مطابقة وتشويه الإسلام التاريخي للقصد الأصلي للوحي الإسلامي. على سبيل المثال، كان يمكن لبعض الاعتراف من قبل الفقهاء والمفسرين بالوظيفة المعرفية للضمير الإنساني في التقييم الأخلاقي، والبعد العالمي للطبيعة البشرية المشتركة أن يؤدي الى استخلاص احكام شرعية وأخلاقية تمنح مبررًا غائيًا لبعض التشريعات المطلوبة لتحسين الحلول الكلاسيكية للعلاقات بين البشر والعلاقات الدولية. والأهم من ذلك، أن فهم المساواة الأساسية لجميع البشر بناءً على قدرتهم البديهية على التمييز الأخلاقي يمكن أن تكون مصدراً مهماً لتلك الأحكام التشرعية “القضائية” التي تطلب من المجتمع الديني أن يعمل من أجل الصالح العام لجميع البشر. مهما كان الفهم العقلاني للنظام الاجتماعي العادل مجرّدًا وغير متناسق مع الطبيعة الإنسانية التي تسعى إلى تحمل المسؤولية عن إنشاء نظام سياسي أخلاقي من شأنه أن يعد المسلمين لتعزيز المطلب القرآني للعدالة كبنية للحد أدنى المطلوبة للعلاقات الصحية بين البشر والمبنية على المساواة بينهم جميعاً بغض النظر عن عقيدتهم أو عرقهم.

يقع على عاتق المفكرين والفقهاء والمفسرين المسلمين الذين يعملون في مجال حقوق الإنسان إشراك اللاهوت أو علم الكلام الإسلامي بدلاً من الشريعة الإسلامية حتى يقنعوا المدافعين العلمانيين عن حقوق الإنسان بأن يأخذوا الشمولية الإسلامية ولو بالحد الأدنى على محمل الجد. يمكن أن يطور اللاهوت الإسلامي بشكل عام، والأخلاق اللاهوتية بشكل خاص، أطروحة حول القانون الطبيعي في الإسلام وعلاقته بالحقوق الطبيعية غير القابلة للتصرف للبشر على أساس المساواة بين البشر. بعد كل شيء ، يمكن أن تكون فكرة القانون الطبيعي مؤشراً على ما هو حسن أو خيرأو سيئ جوهريًا هي حجر الزاوية في الأخلاق اللاهوتية الإسلامية. علاوة على ذلك، فأن موضع الاهتمام، في جزء كبير من نظرية القانون الطبيعي ، مع مسألة الصالح العام (المعروف)، التي تدعي الإنسانية إلى العمل في بناء العلاقات بين الجماعات بما يتجاوز تلك التي تعتبرها المعايير الشرعية من أجل المجتمع المسلم، نقطة انطلاق منطقية للبحث عن أسس حقوق الإنسان في الإسلام.

إن التعبير عن الجنس البشري كمجتمع أو أمة عالمية، أيً ربط البشرية كمجتمع عالمي، أنطلاقا من العقيدة المركزية للقرآن على أساس الطبيعة المشتركة والثابتة والأبدية للبشر، مرتبط بإعادة صياغة النظرية الإسلامية للقانون الطبيعي (بما يقبل نظرية القانون الطبيعي)، والتي لديها إمكانية تطبيق القيم المرتبطة بالعلاقات بين الله والمجتمع والفرد عالمياً. إعادة صياغة مصادر المساواة الإنسانية في الإسلام يعني إيجاد طرق لإحداث تغيير في التفكير الإسلامي المعاصر حول أنماط العلاقات الناشئة من خلال دمج الخلافات الموروثة في العلاقات الاجتماعية الجديدة: العلاقات السياسية في سياق خطاب حقوق الإنسان. على هذا النحو ، لا يمكن لنظرية القانون الطبيعي الإسلامي أن تلامس علاقة الإنسان بالله فحسب، بل أيضًا علاقة الإنسان بالحقيقة، والحكم، والآخر. يمكن أن تؤثر على كل من المجالات الخاصة والعامة للوجود الإنساني. ولهذا السبب، عند تطوير وتأسيس معايير حقوق الإنسان العالمية في الإسلام، لا يجب على المفكرين المسلمين أن يتعاملوا مع النظام القضائي التاريخي الذي تم تثبيته وتجميده في زمن تتشريع أحكامه فقط؛ بل عليهم أن يعيدوا النظر في الأسس اللاهوتية الأخلاقية المتصلة بالإجراءات التشريعية (القضائية) وأدارتها، المستنبطة بشكل صارم من العالم الأخلاقي للقرآن أيضًا.إن هذا العالم الأخلاقي مرنًا وقابلًا للتكيف بشكل غير معتاد في توفير أحكام عادلة لمعاملة متساوية لجميع البشر كنتيجة مباشرة لكونهم يولدون بطابع عالمي.

 

كما هو متوقع ، فإن التحدي الفكري للتحديث، الذي يؤثر على إعادة صياغة التراث، لاستنباط الإمكانات العالمية للأخلاق اللاهوتية في المجتمعات الإسلامية، قد تتضمن استرجاعًا انتقائيًا للتقليد القديم في التعبير عن الجديد المـُلزم فيما يتعلق بـ الأغراض العامة للوحي الإسلامي. فبينما كان يُخشى من أن الاسترجاع الجديد للنص الذي تم الكشف عنه وتفسيره لمواجهة تحديات العصر الجديد على أنه تهديد لنمط قائم من القيم والمعاني، فقد تم الترحيب به على أنه تحدٍ لخلق قيم ومعاني جديدة أحيانًا، خاصة في سياق الحكم الديمقراطي وحماية حقوق الإنسان. من أجل استعادة الثقة في الدور الجوهري للأستنباط في تمييز القيم الأخلاقية وتأثيرها على أساس عقلاني للمساواة بين جميع البشر الذين يتقاسمون القيمة الأخلاقية ، لا يمكن للمسلمين تجاهل العلاقة بين الأخلاق اللاهوتية والقيم العلمانية الحديثة التي تطلب الاعتراف بسلطات قاضائية منفصلة في التعامل مع الأمور الدينية والدنيوية والخاصة والعامة.

إن فهم أزمة التحديث في الفكر الديني الإسلامي، والدور الذي يمكن أن يلعبه دين مثل الإسلام في التفاوض حول نظامه الأخلاقي العام ، هو أمر بالغ الأهمية لإعادة صياغة إسلامية داخلية قائمة على العقائد الأساسية في الأوضاع الاجتماعية والسياسية للدولة القومية الحديثة. وبالتالي، فإن التعاون الفكري بين التحديث والنخب التقليدية في العالم الإسلامي أمر حاسم لتحييد أي آثار سلبية للقيم الدينية والثقافية التقليدية التي تعيق ظهور إجماع ضروري لحل أزمة التحديث وظهور بيئة سياسية تفضي إلى ضمان حقوق الإنسان.

أرى أن هناك أزمة إبستمولوجية (معرفية) في “العلوم” الدينية الإسلامية. هذه الأزمة هي نتيجة لتفكك العلاقة بين اللاهوت والأخلاق والأحكام الفقهية التشريعية في التقاليد الإسلامية. ما لم يتم التحقيق في الافتراضات المسبقة العقائدية والأخلاقية والفقهية للتقاليد القانونية المبكرة وشرحها من جديد، سوف تستمر الأزمة في تقديم اعتذار إسلامي فقير فكريًا، والأهم من ذلك أنها تؤدي إلى نتائج اسلامية عكسية أخلاقيا. كشفت الحساسيات الأخلاقية ومطالب الإسلاميين أن النصوص يمكن أن تعمل معًا لحل الأزمة المعرفية. أدى الافتقار إلى التاريخية في تحليل المواد الأولية باستخدام الأدوات الأخلاقية الدقيقة إلى تخفيض وتبخيس قيمة الحياة البشرية، التي وقعت في مرمى نيران الصراعات السياسية. عندما تصبح التقاليد التي علمت ذات مرة احترام حتى كرامة الحيوان مصدر الآراء غير القانونية التي تبرر التفجير الانتحاري للمارة الأبرياء والتقتيل من قبل جماعات باسم الدين، فقد حان الوقت لإعادة النظر في التوجيهات الأخلاقية للقرآن وتعاليم النبي التي تذكر إنه قال: “لقد جئت مكملا لمكارك الاخلاق” ، ايً أنه كُلف بإكمال الفضائل النبيلة للإنسانية.

إن إحدى الفضائل النبيلة الأساسية التي جاء الرسول لتعليمها هي كرامة الإنسان كإنسان. ينقل “الإمام البخاري”، كان النبي جالسًا برفقة اصحابة عندما مر نعش يحمل يهوديًا، وكان من عاداته الوقوف عندما يمرّ نعش، وقف، فقال له أصحابه أن الشخص المتوفى يهوديًا، فأجاب: “أليس إنسانًا؟” تكشف مثل هذه التقاليد عن إمكانية تصور نظام حقوق الإنسان في التقاليد الإسلامية يحترم الكرامة الإنسانية بغض النظر عن العقيدة.

اللاهوت العام وحقوق الانسان

كانت العلاقة بين العالمية الدينية والمطالبة العلمانية بالأخلاق العالمية القائمة على الأبعاد الأخلاقية السياسية لحقوق الإنسان وتداعياتها على المطالبة الحصرية الخاصة بالحقيقة القائمة على الكتاب المقدس موضوعًا للتأمل بين اللاهوتيين المسيحيين .[1] فهل يمكن لأخلاق عالمية قائمة على أساس علماني أن تتجاوز الخلافات بين الثقافات حول مقاصد الشمولية االعالمية للإعلان؟ هل يمكن لنظرية حقوق الإنسان من تلقاء نفسها، وفي غير ذي حاجة الى ضمانات لاهوتية، أيً بدون مساعدة من الألهام أوالوحي الديني، أن تحدد شروط الحوار بين الأديان والثقافات لتطوير معايير عالمية تعزز احترام البشر الآخرين على قدم المساواة في الخلق؟

قام عدد من اللاهوتيين المسيحيين بتقييم نقدي للادعاءات الكونية للإعلان وخلصوا بأدلة كثيرة إلى أنه بدون سريان الفاعلية الدينية العالمية، فإن أي فكرة عن الأخلاق العالمية ستكون غير مكتملة لأن الثقافة العلمانية غير قادرة على أعطاء المعنى الذي تمنحه الأديان للحياة وقدسيتها وكذلك امتلاك الكرامة والحقوق الأصيلة. إن الدين، بقوته في الإقناع بوصفه يدخل الى صميم المشاعر البشرية فيهذبها من الداخل، لا يوفر الشرعية الثقافية لحقوق الإنسان فحسب؛ بل يمكن أن يصبح أيضا أقوى المدافعين عنها.

لجأ الزعماء الدينيون في عدد من مناطق العالم حيث تتفشى انتهاكات حقوق الإنسان إلى تقاليدهم الدينية لحل النزاعات الأهلية وتعزيز العلاقات السلمية من خلال الدعوة إلى الحقيقة والمصالحة مع أولئك الذين، فشلوا في حماية الحقوق الأساسية لحياة البشر وحماية شعوبهم من القسوة. وعجز الإعلان، في كثير من الحالات المثبتة، في الأعتماد حدس أخلاقي مشترك عن الكرامة الإنسانية تم تعويضه بالأخلاق الدينية المعبر عنها في مايمكن ان نسميه في السياق الإسلامي باللاهوت العام – وهو ليس لاهوت لتبرير الحكم الديني او السلطة الدينية او يكون مسوغا لحق قيام أحزاب الدينية، وليس ليتحول الدين الى مجرد وسيلة للوصول الى السلطة- أنه عام بمعنى يعارض سياسات الاستبداد، سواء كان علمانيًا أو دينيًا، للبحث عن طرق لتعزيز مجتمع العدالة والحكم الديمقراطي.

وقد تحدث ماكس ستاكهاوس،[2] عن “اللاهوت العام” في السياق المسيحي من منظورأهميتة للخطاب العمومي لتمييز وفهم الدور الحاسم الذي تلعبه الالتزامات الشخصية في التأثير على المجتمع المدني وفي تطوير حقوق الإنسان. ويمكن أن يقوم اللاهوت الإسلامي العمومي حيث يربط الإسلام الوحي بالعقل بترجمة الإيمان الشخصي إلى عمل اجتماعي من خلال أحكام الشريعة لتحفيز المؤمنين على تأييد إقامة مؤسسات عادلة في المجتمع بوصفها تعكس بشكل موضوعي إرادة الله للبشرية. يمكن أن يكون اللاهوت العمومي الإسلامي القائم على عقيدة مركزية لإله عادل ورحيم مُلزم بجوهره الأخلاقي توجيه البشرية لخلق نظام عام عادل بمثابة الأساس اللاهوتي الأخلاقي الرئيس لحقوق الإنسان وشرطها المسبق، أي الحكم الديمقراطي في المجتمعات المسلمة.

يمكن أن تدرج الاتجاهات الحديثة في الفكر القانوني – السياسي الإسلامي (حيث غالبا ماتوضع شروط مطابقة القوانين للشريعة الإسلامية في دساتير الدول ذات الغالبية المسلمة) ضمن مناقشاتها اللاهوت في صوغه الكلاسيكي كاساس للفقه السياسي الذي يعتبر بدوره التحدي الذي تفرضه الحداثة تهديدًا للتوليفة التقليدية المستمرة منذ قرون بين الدين، والفلسفة (القروسطية)، والحكمة الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. يمكن للمرء أن يبدأ من خلال إعادة تقييم هذا الجانب من الفكر الإسلامي بطريقة حوارية مع المعاملة العلمانية والمسيحية لمفاهيم ومقولات حقوق الإنسان، في جعل الفكر التشريعي الفقهي الإسلامي العام أكثر فهمًا في سياق التحديات الإبستيمولوجية (المعرفية) التي تفرضها الإنسانية الليبرالية التي تتجاهل قدرة الدين لتغيير الحياة من أجل تحسين البشرية جمعاء دون تمييز على مستوى العلاقات والتواصل بين البشر. علاوة على ذلك، يمكن أن يكشف العلاج الحواري كيف يمكن إعادة التفاوض على مفاهيم ومقولات الشمولية (التي تغطي كل ماهو مطلوب) والتعددية بشكل خلاق للاستجابة لاحتياجات الزمان والمكان المختلفة.

بينما يعيد الفهم الأساسي للارتباط السياسي الولاءات السياسية الاجتماعية إلى أعمق تأكيداتها الخاصة، يمكن أن يأخذ اللاهوت العمومي المسار المعاكس من خلال طرح سؤال أساسي يتعلق بالهدف النهائي للولاء الكتابي في إنشاء مجتمع تسود فيه قيم العدالة والأنصاف المستمدة التصور المثالي الديني. كتقليد يشمل العالم، وفر اللاهوت العام منذ نشأته الأولى أرضية شرعية دينية للبنى الاجتماعية والسياسية القائمة عن طريق الإصرار على بعض الخصائص العرضية والأستثنائية للنظام العام بموجب قواعد أو معاير مرسومة إلهايًا. وبعبارة أخرى، فقد عملت كنقد صارم لنظام قائم يدعي أنه إسلامي من خلال تقييم أدائه الزمني، وبالتالي توفير مساحة علمانية لتقييم النظام العام المحدد دينياً.

كان التفحص العلني للأداء السياسي لنظام سياسي محدد روحيا وأخلاقيا هو أهم مساهمة للاهوت العام الإسلامي الذي يتطلب اليقظة الدينية من جانب المحكومين للتحقق من تجاوزات من هم في السلطة. وبهذه الطريقة، وفرت النصوص الإسلامية الديباجة لنظام عام أخلاقي مع معايير مهمة لتحديد متى كان من الواجب مكافحة النزعات الأستبدادية الصارخة التي خنقت القدرة الإنسان على الاستجابة للتحدي الأخلاقي الإلهي المتمثل في إقامة العدل على الأرض.[3] حافظ اللاهوت العام الإسلامي بقدر لاباس فيه وفي ظروف حكم استبدادي على حيويته كناقد بناء دون المساس بهدفه الأساسي المتمثل في تمكين المضطهدين “المستضعفين” للمطالبة بالحق في الإنقاذ من فساد النظام البشري “المفسدين في الأرض”. إن الدافع للمقاومة ضد الظلم وواجب الكفاح من أجل العدالة على الأرض متأصل بعمق في اللاهوت العام الإسلامي لدرجة أن المسلمين المتشددين، من خلال استرجاعهم الانتقائي للمصادر النصية من الكتاب، قد أبرزوا جانب الفساد في الأنظمة السياسية الاستبدادية في دعوتهم للإطاحة ببعض الحكومات في الشرق الأوسط، لتدميرها الكرامة الإنسانية.[4] تحذر الأخلاق السياسية الإسلامية من مخاطر المعارضة العنيفة التي لا نهاية لها من أجل استعادة العدالة المنتهكة التي يمكنها، على المدى الطويل، أن تتراجع أو تلغي التفويض الفعلي للوحي الإسلامي الذي يؤكد على التوازن بين العدالة والرحمة في التعامل مع المؤسسات البشرية المعرضة للفساد.

من المهم جدا تحليل التفسيرات المتنوعة للاهوت العام لأنها تؤثر على خطاب حقوق الإنسان بين المفسرين والفقهاء المسلمين لإثبات أن الوحي الإسلامي قد حافظ على حيويته المتعددة الأوجه للسماح بالتخصيص المتنوع للنصوص ذات الصلة لأغراض سياسية مختلفة جذريًا. بالإضافة إلى ذلك، التأكيد على العلاقة بين الشمولية الدينية والعلمانية المشروطة بالخصوصيات السياسية الأخلاقية في أوقات مختلفة. يحدوني أمل صادق في أن يبدأ المسلم في تقدير المواقف المتنوعة التي تتبناها أو يمكن أن تتبناها من مواقع متطلبات العصر وروحه أشكال اللاهوت العمومي في مسألة حقوق الإنسان وأساس التحقق منها.

 

 

……………………

[1] أنظر:

Donald W. Shriver Jr., foreword, in Religion and Human Rights: Competing Claims?, ed. Carrie Gustafson and Peter Juviler (Armonk, NY: M. E. Sharpe, 1984), pp. ix-xii.

[2] Stackhouse, Max. Creeds, Society, and Human Rights. Grand Rapids, MI: Eerdmans,1984.

[3] من الناحية النظرية، قمت بالاعتماد على رؤى جيه. شيلي، المقدمة، في

Dorothee Solle, Political Theology (Philadelphia: Fortress Press, 1974)

لشرح تبني مفهوم اللاهوت السياسي الإسلامي في سياق نظرية حقوق الانسان.

[4] Khaled Abou El Fadl, ”A Distinctly Islamic View of Human Rights: Does It Exist and Is It Compatible with the Universal Declaration of Human Rights?” in Islam and Human Rights: Advancing a US-Muslim Dialogue, ed. Shirin T. Hunter with Huma Malik (Washington, DC: CSIS Press, 2005), pp. 27-42,

وفي فصل أخر من كتاب:

“Islam and the Challenge of Democratic Commitment.” in Does Human Rights Need God? ed. Elizabeth M. Bucar and Barbara Barnett (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2005), pp. 58-103,

لقد شرح ابو الفضل ما أعتبره جزءًا من اللاهوت العمومي. ترتكز أطروحة أبو الفضل على أن الإسلام نفسه متوافق مع السياسة الديمقراطية من خلال تحليله الدقيق للكتابات القانونية (الشريعة) للحقوقيين الكلاسيكيين ونفورهم من الاستبداد غير المقيد وتفضيلهم حكومة ملزمة بالشريعة (االقانون الديني) “حيث لا يتمتع البشر بسلطة غير مقيدة على البشر الآخرين، وأن هناك حدود للوصول إلى السلطة “(ص 59). هذه الخاصية متوافقة بالتأكيد مع القيود الأخلاقية على ممارسة السلطة غير المقيدة التي يجب أن تخضع في النهاية للتدقيق العام.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي