تاريخ مختارات مقالات

الكامل في التاريخ

كتاب كل يوم جمعة (55)
مع مؤرخي الإسلام (3/4)
الكامل في التاريخ

بقلم: وسام محمد – مصر

بعد المسعودي وكتابه (مروج الذهب)، فتر الابداع في حقل التاريخ الموسوعي، إلى أن قدم ابن الاثير كتابه (الكامل في التاريخ)، والذي اراه إحياءً وتجديدًا للكتابة التاريخية الموسوعية بعد فترة من الجمود. انحدر ابن الاثير من قبيلة شيبان، وولد في منتصف القرن الخامس الهجري في بلدة جزيرة عمر التي استوطنها أهله منذ قرون، وإليها نُسبَ فسميَ بابن الاثير الجزري، وهي بلدة من أعمال الموصل؛ وقد طلب ابن الاثير العلم منذ صغره في بلدته ثم في الموصل؛ وطلب العلم في بغداد ودمشق وحلب قبل أن يعود إلى الموصل ويستوطنها إلى وفاته؛ كانت اسرة ابن الاثير على اتصال بآل زنكي، حكام الموصل والشام، فكان أخيه الأصغر كاتبًا لأحد أمراءهم، أما ابن الاثير نفسه فقد عمل مستشارًا وسفيرًا لبعض أمراءهم، بل أن كتابه (الكامل في التاريخ)، موضوعنا اليوم، قد كتبه برعاية الملك الرحيم صاحب الموصل وهو من مماليك آل زنكي.

قراءة المقدمة التي جعلها ابن الاثير لكتابه الكامل، توضح لماذا يجب اعتبار الرجل وكتابه من علامات التاريخ الموسوعي الإسلامي؛ فابن الاثير في مقدمته ينتقد بعض خصائص الكتابة التاريخية لمن سبقوه؛ فتراه مثلًا ينتقد منهج مؤرخي الحوليات لما ينتج عنه من تمزق الحدث التاريخي الواحد بين حوليات عدة، تقطعه عشرات الأحداث التاريخية الأخرى، والتي يصف ابن الاثير الكثير منها بأنها «صغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى»؛ كما يلوم على كثير من المؤرخين الموسوعيين قبله سقوطهم في فخ الإقليمية، فيركز من يكتب في العراق على تاريخ المشرق حتى لتحسب أنه ليس ثمة مغرب، ويكتب مؤرخ الأندلس وكأنه في عالم لا يمن فيه ولا خراسان؛ ويرى ابن الاثير أن مثل هذه المثالب ما يضر بالقيمة المعرفية للمؤلفات التاريخية الموسوعية واصفًا ذلك قائلًا «جوهر المعرفة فيها يستحيل إلى عرض»؛ ومن ثم ينطلق ابن الاثير في انتهاج منهجه الذي يعالج به هذه المثالب، ولكن وإن نجح في تقديم تاريخ موسوعي ليس أسيرًا للإقليمية بصورة عامة، إلا أنه لم يستطع تجاوز طريقة الحوليات بالقدر الكافي، فكان معظم كتابه على هذه الطريقة، وإن حاول عرض الأحداث الكبرى دفعة واحدة قبل أن يعرضها حوليًا.

ما يجب الوقوف عنده، هو طريقة ابن الاثير لمعالجة مادته التاريخية، وهو ما يميزه عمن سبقوه، فهو ليس مجرد ناقل للخبر، او جامع للأخبار المتعلقة بالحادثة التاريخية الواحدة، بل كان يقوم بالنظر بين الأخبار المختلفة الواردة المتعلقة بالحادثة التاريخية الواحدة، ثم يعمد إلى أدق هذه الأخبار، ويعرضها مستكملًا نقصها من الأخبار الأخرى، وهو ما يصفه قائلًا «فقصدت أتم الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها، و أودعت كل شيء مكانه، فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقًا واحدًا»؛ فهو كان يمارس ما يسمى اليوم بالتفكيك ثم إعادة البناء، وهو منهج متقدم حتى على مناهج من لحقوه من المؤرخين.

يمكن تقسيم كتاب (الكامل في التاريخ) إلى أربعة أقسام، القسم الأول من الكتاب خصصه للتاريخ البشري قبل البعثة النبوية، فتراه يبدأ مع آدم ثم ينتقل إلى تاريخ الفرس وبني إسرائيل، وهو في ذلك عالة على الطبري، فإذا أنتقل إلى تاريخ اليونان والرومان والمسيحية، أظهر معرفة تعكس اطلاعه على مصادر مختلفة ربما يرجع بعضها إلى أصول غير عربية، ثم يختتم هذا القسم بتاريخ عرب الجاهلية حتى البعثة النبوية؛ أما القسم الثاني فيبدأ مع البعثة النبوية، وفيه ينتقل ابن الاثير إلى طريقة الحوليات، ويتناول هذا القسم الأحداث التاريخية في فجر الإسلام وحتى نهاية دولة بني أمية، وهو في هذا القسم عالة مرة أخرى على الطبري، ولكن شخصيته تظهر في تعليقاته على الحوادث التاريخية، ولكن هذه التعليقات تختفي تمامًا عند تناوله فترة الفتن؛ القسم الثالث فيتناول فيه صعود واضمحلال الدولة العباسية ومظاهر هذا الانحلال من حركات شعوبية وانقسام مذهبي مزق وحدة العالم الإسلامي، ثم الغارة البيزنطية على المشرق، والهجوم على مسلمي الأندلس، منهيًا هذا القسم باستدعاء العباسيين للسلاجقة لإعادة توحيد المشرق الإسلامي ورد الغارة البيزنطية، وممهدًا بذلك إلى القسم الرابع وهو في نظري القسم الأهم، والذي يتناول فيه حوادث الحروب الصليبية، وهي حوادث يكاد يكون ابن الاثير شاهد عيان عليها بحكم اتصاله ببيت آل زنكي الذي حمل عبء الجهاد ضد الصليبيين إلى أن ينتهي هذا القسم، والكتاب، بأخبار الحملة الصليبية السادس وبداية الغزو المغولي لوسط آسيا المسلم.

فإذا انتهينا من هذا العرض السريع لكتاب (الكامل في التاريخ)، حق علينا أن نقف أمام موقف ابن الاثير العدائي من السلطان صلاح الدين، والذي يحمل عليه في أكثر من موضع من كتابه، ثم نراه على النقيض من ذلك يمتدح صلاح الدين عند ذكر وفاته ويثبت للرجل ما أنكره عليه من قبل من خصال وأعمال؛ وهو موقف لا يسعني أن أفسره إلا بأن ابن الاثير لم يستطع عند تعامله مع صلاح الدين أن يحتفظ بروح المؤرخ الموضوع المحايد، وتناوله بقلمه تناول الخصم، فهو فيما يكتبه عن صلاح الدين إنما هو قلم آل زنكي، الذين ربطت بينهم وبين ابن الاثير وعائلته علاقة طويلة من الود والعطف، والذين ينظرون إلى صلاح الدين نظرة من استولى على ميراثهم الحق من أسلافهم عماد الدين ونور الدين؛ ثم إذا أتى لذكر الرجل وقد توفاه الله، ابى عليه وازعه الديني أن يتناول الرجل بظلم فعاد إلى إثبات ما نفاه، وهو نفس الوازع الذي منعه على أن يعلق على مسائل الفتن من قبل؛ وهنا يبرز تأثير السياسة على التاريخ، على نحو يشبه تأثيرها على مؤرخ لاحق هو ابن خلدون، وإن كان ابن الاثير يكتب وهو لا يزال داخل الحدث السياسي ومتأثرًا به، بينما كان ابن خلدون يكتب وهو منفي في قلعة بني سلامة معزول عن السياسة متأملًا فيها تأمل من يقف خارج ميدانها وإن كان يعرف تفاصيله ودقائقه، فالأول يتأثر سلبًا ويضيع منه اتزانه وموضوعيته، بينما الثاني تمنحه العزلة والتأمل فرصة فلسفة التاريخ.

ظل كتاب (الكامل في التاريخ) من أكثر الكتب في موضوع التاريخ الإسلامي الموسوعي تداولًا في العالم الإسلامي، ولذلك انتشرت نسخة في المكتبات العامة وخزائن الكتب الخاصة، وكثرت التباينات بينها؛ وكانت مطبعة بولاق قد أخرجت أول نسخة مطبوعة للكتاب عام 1873 في أثني عشر جزء وثمانية مجلدات، وقد أعادت مطبعة الكليات الأزهرية طباعتها عام 1891، وهذه الطبعة تكاد تكون أصل كل الطبعات العربية المتداولة إلى اليوم؛ ثم عمد المستشرق السويدي كارل يوهان تورنبرج إلى ما توفر له من نسخة مختلفة ووازن بينها وحقق نصها وأصدرها في طبعة من أثنى عشر مجلدًا في مدينة ليدن متمًا طباعتها عام 1876 قبل بضعة شهور من وفاته؛ وإلى اليوم لم تصدر طبعة محققة على النحو اللائق لهذا الكتاب، وأفضل ما هو متاح تلك الطبعة الصادرة عن دار الكتاب العربي في بيروت بتحقيق عمر عبد السلام التدمري وقد اعتمد في تحقيقه على الطبعات المصرية القديمة.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي