فنون مختارات مرئيات مقالات

قيمة الفن العليا

قيمة الفن العليا

بقلم: ا.د. علي المرهج

كُنت أقلب صفحات اليوتيوب، وقد وجدت بالصدفة لقاءاً مع عائلة الفنان المرحوم محمود ياسين، وما لفت انتباهي هو المشاهدات المليونية لهذا اللقاء، فحفز عندي هذا اللقاء الذاكرة عن محمود ياسين الذي كنا نتسمر أيام الجمع حينما نعرف أن قناة العراقية الاولي ستعرض فيلماً له.

مات محمود ياسين الفنان الذي عشق الثقافة والمسرح.. تميز بصوت جهوري نتذكره في فيلم (الرسالة) الخالد.

كعادتي أتابع برنامج (مع منى الشاذلي)، وهذه الإعلامية تجيد اختيار ضيوفها وموضوعاتها، ولم اكن أقف عند عدد المشاهدات لبرنامجها، ولكنني أهتم بمحمود ياسين بوصفه جإد من ذاكرة شبابي، وكل يُغني على ليلاه، فأثار عندي هذا اللقاء بعد أن وجدت ملاييناً من الناس متابعين لحلقة مع عائلة محمود ياسين، ليقفز في ذهني سؤال عن قيمة الفن التي تزداد وتتجدد وإن كره الكارهون!.

في هذه اللحظة تجدد عندي معرفة قيمة الفن وتأثير الفنان المبدع وحضوره في حياة الشعوب..

الفن الأصيل لغة عالمية لا عنف فيها ولا ابتذال، فالأمم الناهضة هي الأمم التي تُنتج فناً أصيلاً، ولك مثال تعرفه، فرغم قدم الحضارتين الرافدينية والمصرية اللتان أبدعتا وجه الفن المشرق، نجد فنونهما شاخصة ومصدر فخر لنا نحن شعوب أهل الشرق إلى يومنا هذا، بل ونجد هاتين الحضارتين مبعث تنوير ثقافي وحضاري لحضارات الغرب..

الفن يتجسد في حركات اطفالنا وبراءتهم ورقصاتهم…

صدقاً أجد أن في الفن الأصيل بوصفه تعبير عن حياة الشعوب ما يبقى ليعيش ونلمس طاقته الحيوية في ضحكاتنا وبكائنا..

الفن الأصيل حياة وعيش نقي تتلاقى فيه الانفس الزكية الصادقة بكل تنوعاتنا الدينية والحضارية.

لا توجد أمة أو حضارة ولا يوجد دين من غير أن يكون للفن سمته وأسلوبه للتعبير عن هذه الأمة، أو هذه الحضارة، أو هذا الدين..

يتلاقى الدين مع الفن ليصير الفن تعبيراً أنسانياً عن أبعاده الجمالية في المأساة (التراجيديا) أو في الملهاة (الكوميديا)..

الفن والدين صنوان لا يفترقان، والحضارة والفن وجهان لعملة واحدة..

أظن أن الفن هو العامل المشترك في الحضارة والدين منذ حضارة سومر إلى يومنا هذا..

وكل الأناشيد والتراتيل في الكنائس، والردات الحسينية وأساليب قراءة القرآن في تنوعاته:المصرية والعراقية وفي الجزيرة العربية وبلاد أهل المغرب إنما هي تنوع في المقامات، وهي من تمظهرات الفن وارتباط الدين به.

تصور صوت أي منشد ديني من دون أن يرتكن لمقام ويمتلك صوتاً عذباً كيف يُمكن لنا أن نتقبله؟..

خذ عبدالباسط او المنشاوي أو نامق الكركولي في قراءة القرآن، وتصور أصواتهم من دون أن يرتكنوا لمقامات في تجويدهم لسور القرآن الكريم!.

وتصور التراتيل في الكنائس من دون موسيقى والتزام بمقامات لحنية!.

ولك ان تتصور حمزة الزغير والثويني وياسين الرميثي وسيد جليل يقرأون من دون اعتماد على بناء ما رداتهم الحسينية على مقام لحني ما!

الفن والدين يتعالقان اكثر من تعالق العلم بالفن..

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي