أدب و تراث مختارات مقالات

إيزابيل الليندي .. الحب في زمن كورونا

إيزابيل الليندي .. الحب في زمن كورونا

بقلم: علي حسين  – العراق

تختار الثامن من كانون الثاني موعدا للبدء بكتابة رواية جديدة ، تقول انها تتفاءل بهذا التاريخ لأنه كان تاريخ اول صفحة كتبتها من روايتها “بيت الارواح ” ، في هذا التاريخ من عام 1981 تغيّر قدرها:”  تلقينا في ذلك التاريخ مكالمة هاتفية ونحن في كاركاس، أخبرتنا بأن جدي يحتضر. لم أتمكن من العودة الى تشيلي لتوديعه لذلك عمدت في المساء الى وضع مجموعة من الأوراق أمامي لكتابة ما يشبه الرسالة الروحية لذلك العجوز المحبوب. أفترضت إنه لن يعيش ليقرأها، إلا أن ذلك لم يوقفني. كتبت الجملة الاولى في نشوة:”وصل باراباس عبر البحر”. من كان باراباس؟ ولماذا أتانا عبر البحر؟ لم أكن محيطة بهذه الفكرة الضبابية، ولكني واصلت وأكملت الكتابة كمجنونة حتى الفجر، وحين بلغ مني التعب مبلغاً زحفت نحو السرير” عندما سألها زوجها : ” ماذا كنت تفعلين؟ ” أجابته:” امارس السحر! ” ، وقد كان بالفعل عملا اشبه بالسحر ! في الليلة التالية، وبعد أن تناولت عشائها أقفلت على نفسها مرة أخرى في المطبخ لكي تواصل الكتابة ، وقد تكرر الأمر معها كل ليلة متناسية تماماً حقيقة أن جدها قد مات:” نما هذا النص وكبر كمخلوق ضخم ذي مخالب عديدة، ومع نهاية العام كنتُ قد كتبتُ على منضدة المطبخ خمسمائة صفحة! لاتشبه الرسالة مطلقاً كانت روايتي الاولى”بيت الأرواح”قد ولدت!”. كانت إيزابيل الليندي التي ولدت ذات صيف من عام 1942، عاشت معظم حياتها في بيت جدها، دار عجيبة كانت فيها جدتها مغرمة بالأشباح، في هذه الدار خالان غريبا الأطوار، أحدهما أمضى عدة سنوات في الهند ليرجع يعيش حياة فقير هندي يتكلم السنسكريتية ويتغذى على الخضراوات فقط، والآخر كان مهووساً بالقراءة، وبفضله قرأت روايات تولستوي، وأميلي برونتي وفوكنر وديكنز ،  في الحادية عشرة من عمرها انتقلت مع أمها للعيش في بوليفيا، بعد أربع سنوات من التنقل بين بوليفيا وبيروت والارجنتين، تعود مع اخويها الى تشيلي، لتعيش من جديد في بيت الجد، كانت قد تخطت الخامسة عشرة بأشهر قليلة، تهيء نفسها لأن تصبح راهبة، فقد كانت في قرارة نفسها تعتقد إنها ستعيش طوال حياتها عزباء، في الأربعين من عمرها حين حمل إليها البريد ذات يوم من عام 1982 خمس نسخ من روايتها الاولى”منزل الارواح” ، شعرت بالرهبة والخوف من أن يفتضح سرها وخبأتها في درج المكتب. كان عليها الإنتظار أسبوعاً لتجد الصحف تشيد بروائية جديدة، توضع صورتها الى جانب صور ماركيز ويوسا. أحدثت الرواية ضجة بين أفراد عائلتها الذين وجدوا حياتهم مكشوفة أمام الآخرين، وقد كتبت إيزابيل قائلة:”في السنوات الأخيرة تعلمت شيئاً واحداً مؤكداً أن لا شيء يجعل روحي تُغني مثل الجلوس وأمامي ورقة بيضاء، تجعلني أشعر بأنني فتية، قوية متوهجة، وسعيدة”.

تعيش في خليج سان فرنسيسكو منذ اكثر من اربعين عاما ، عندما غادرت بلدها التشيلي بعد مقتل عمها الرئيس سلفادور الليندي ، ومنذ ان اضطرت للهجرة  وهي لا تريد ان تنسى  حكايات بلادها ، فاخذت تسطرها على الورق في روايات حقق اعلى المبيعات، تقول انها برغم اقامتها الطوية في امريكا ، إلا انها لم تشعر يوما انها  أمريكية :” أنا لا أشبههم، لن أتكلم أو أفكر مثل أي أمريكي. سأظل على الدوام غريبة. كما انني جد ناقمة على سياستهم، فهم يتصورون بانهم مبعوثو العناية الإلهية لإدارة العالم. ليس لديهم أي حس نقدي حول ماضيهم والأعمال الوحشية التي إرتكبوها” .

تحاول في رواياتها ان تشرك القراء في تجربتها الحياتية التي تصفها بانها محاولة لأن يرى الانسان ” ما خفي من الأشياء”، تكتب عن الخسارات والخيبات وقصص الحب . في الثامنة والسبعين من عمرها ولاتزال تؤمن بان السعادة وحدها هي القادرة على ان تجعل من الانسان مبدعا “أريد حياة سعيدة وشيقة أستطيع الكتابة عنها. أعتقد أنني حكواتية بطبعي وأرى العالم قصصاً أمامي”.، عاشت قبل ثلاث سنوات قصة حب انتهت بالزواج ، كان زواجها الاول والذي استمر 27 عاما قد عصفت به المشاكل ، اعتقدت أن الوحدة ستكون معيارها الجديد للنظر الى الحياة ، تضحك حين يسألها مراسل الغارديان عن قصة حبها الاخيرة :” تعرفت عليه من خلال البريد الالكتروني ، كان يرسل لي ملاحظات عن كتبي ” ،  بعد شهر من المراسلات ستلتقي روجر كوكراس الذي يقرر بعد ثلاثة ايام من اللقاء ان يقدم لها خاتم الخطوبة ، تسمي ما جرى حبا غير متوقع وتستعير جملة من البير كامو لتضعها في مقدمة روايتها التي صدرت عام 2017  بعنوان ماوراء الشتاء :  ”  وسط الشتاء ، أدركتُ أخيرا، أن في داخلي صيفا في حالة سبات شتوي ” ، تصر على انه لا يوجد وقت تضيعه ، تكتب في روايتها الاخيرة ” بتلة بحر طويلة ” عن الشخصيات الاكبر سنا والتي تقع في الحب ، حيث تقول انها ستظل ترسم صورة متفائلة للشيخوخة.

قبل ان يعلن فايروس كورونا عن نفسه كانت ايزابيل الليندي قد بدأت بكتابة رواية جديدة ، واثناء انتشار الوباء لم تكن تعرف اين ستسير الاحداث ؟ ، فهي منذ كتابة اولى رواياتها لاتزال تتعامل مع شخصيات رواياتها على انهم اسرار غير واضحة ، فهم يصبحون بشرا على الورق  :” يبدأون في التحدث إلي والقيام بأشياء لم أتوقعها أبدًا. ثم أعرف أن الكتاب قادم ” .. الرواية التي بدأت فيها قبل فايروس كورونا باشهر تروي فيها  حكاية امرأة تعيش مائة عام. ولدت في وقت انتشار وباء الانفلاونزا الاسبانية عام 1918 ،  هذا الوباء الذي وصل إلى تشيلي في عام 1920. وستتوفى بطلة الرواية عام 2020 ، وهذه المرة سيكون وباء كورونا خاتمة لحياتها التي استمرت قرنًا من الزمان. تقول ان فايروس كورونا جعل العالم يتصل فيما بينه  :” أنها لحظة فريدة في التاريخ يمر فيها كل البشر ، متصلين ، بنفس الشيء. أن لدينا أوبئة أخرى ، لكنها تأتي وتذهب ، وهذا الاتصال العالمي الذي لدينا اليوم ،

يجعلنا على دراية بكل ما يحدث في آخر القرى النائية في مكان ما من العالم ” .

تقول لمراسل وكالة الصحافة الفرنسية أن فايروس كورونا سيؤدي الى  انهيار جليدي ، وجملة من التفسيرات الجديدة لواقعنا :”  ليس فقط في الفنون ، ولكن في الفلسفة والتاريخ وكل شيء ” وتضيف ان الوباء علمها على :” إدراك مدى ضآلة ما أحتاجه حقًا … أنظر حولي وأسأل نفسي لماذا توجد كل هذه الأشياء ، ولماذا أحتاج إلى أكثر من طبقين، وهو يعلمنا أيضا أن ننظر إلى أولوياتنا ويظهر لنا واقعنا. عدم المساواة هو الواقع – كيف يقضي بعض الناس في الحظر على يخت في منطقة البحر الكاريبي ، ويعاني آخرون من الجوع ” .. تؤمن ان لا شيء يجعل الانسان يشعر بأنه على قيد الحياة أكثر مما يشعر به عندما تنفث رائحة الموت الجليدية على خده :” احتضان من الجانب المظلم يجعلك تعتز بكل لحظة ” ، ورغم رائحة الموت فان الوباء علمنا ايضا :”   أننا جميعًا عائلة واحدة كبيرة. ما يحدث للإنسان في ووهان يحدث لكوكب الأرض بأسره ، يحدث لنا جميعًا … لا توجد جدران  يمكن أن تفصل بين الناس ” .

تعتقد ان الوحدة شرط من شروط الكتابة الجيدة ، ولهذا لم تشعر بالضجر من اجراءات الحظر المنزلي :” أنني معتادة على أن أكون وحدي وفي صمت لساعات عديدة في اليوم ، مختبئةً في غرفتي  ” ، قالت ان  فترة الحظر لم تؤثر عليها لانها تعيش حياة مرتاحة ماديا  ، لكنها كانت صعبة على الفقراء واصحاب الدخل المحدود ، كما ان فايروس كورونا حسب قولها قد كشف عن أوجه عدم مساواة صارخة في العالم. وتجد الليندي ان العودة الى ما قبل كورونا سيكون امرا صعبا ، وهي تصر على ان الحلم بعالم مختلف هو ما يجب ان نصل إليه جميعا :” ستكون نهاية النظام الأبوي. هؤلاء الرجال المتوحشون الذين يحكمون العالم سوف ينتهون. سيكون هناك عالماً يتشارك فيه الرجال والنساء على قدم المساواة في إدارة الكوكب” ، وهي تحدد ملامح العالم الذي يجب ان يقوم من ركام كورونا انه عالم :” التضامن والرحمة والأمل. هذا هو العالم الذي نريده ، عالم تحترم فيه الطبيعة والأنواع الأخرى” .

تنتقد ايزابيل الليندي سياسة رونالد ترامب تجاه الوباء وتصف ما فعله بانه سيء للغاية :” هناك حكومة بقيادة ترامب تتسم بالتناقض وعدم الكفاءة والأكاذيب. هناك بالفعل موتى وضحايا ، اكثر بكثير مما حدث في جميع الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة “..وتصل الليندي الى نقطة مهمة وهي تتحدث عن شكل العالم بعد كورونا ، فهي ترى ان الابناء سيرثون عالما مزقه ابائهم ، والمطلوب منهم أن ينقذوا الكوكب :”  إذا كان من الممكن إنقاذه. آمل أن يكون لديهم حل إيجابي ” . وتعلق الليندي على الاحتجاجات التي عمت مدن امريكا بانها كانت متوقعة ، لان الفقراء لا يملكون اي شيء ويعانون من رعاية صحية سيئة ، ووظائف أقل ، ومن افراط في  وحشية الشرطة :” أعتقد أن فورات الاحتجاج هذه ستبدأ في الحدوث كثيرا . هناك أزمة اقتصادية عالمية هائلة. وهذا سيؤدي إلى المزيد من البطالة ، والمزيد من الفقر ، وبالتالي المزيد من العنف.سيكون هناك المزيد من الاحتجاجات – احتجاجات ضخمة  -، لا يمكن حل هذه المشاكل بالرصاص أو الغاز المسيل للدموع. لن يتم حلها إلا من خلال معالجة الأسباب الجذرية. هذه مشاكل عميقة الجذور تعود إلى عصر العبودية ” .

تعترف بانها لم تكن متدينة في يوم من الايام لأن : “جميع المؤسسات الدينية مرعبة ، فهي  عقائدية ومتحيزة جنسياً وتسعى إلى السلطة ” ، لكن الليندي في الوقت نفسه تؤمن بان كل انسان يحمل دينه الخاص معه والذي يسعى من خلاله الى التعالي :” ويسعى إلى الأخلاق ، والتي يجب تنميتها. ” ، تقر بانها لا تمتلك السلطة الأخلاقية لمحاكمة أحد “فقد اقترفت في حياتي الكثير من الحماقات بسبب الحب، ومن يدري إذا ما كنت سأقترف حماقة أخرى قبل أن أموت”.

مع بيع ما لا يقل عن 74 مليون كتاب ، ومع 24 رواية ترجمت الى معظم لغات العالم .. ومع حياة اتسمت بالتقلبات والخوف والمسرات تقول ايزابيل الليندي انها لاتزال متفائلة :” لأنّنا أفضل حالاً من ذي قبل، وسنكون مستقبلاً أفضل من الآن” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي