دين مختارات مقالات

أهم المذاهب الدينية الإسلامية

أهم المذاهب الدينية الإسلامية
نشأتها وتطورها بإيجاز

بقلم/ رشا صالح

لم يوص النبي بتصريح مباشر بمن يتولي الأمر من بعده ولم يكن تقصير منه كما يقول المبطلون وإنما كان من وحي ربه لتتم إرادة الله في هذه الأمة كما في الأمم السابقة من تفرق واختلاف للإختبار والتمحيص.

بدأ ظهور الخلاف حول من يتولي خلافة رسول الله في أمر المسلمين بعد وفاته عليه الصلاة والسلام والخلاف علي الإمامه خلاف سياسي في أساسه وإن كان حينئذ لم يكن ثمة فصل حقيقي بين ماهو سياسي وماهو ديني إلا أن الخلاف حول أحقية الخلافة أدي إلي ظهور فرق ومذاهب دينية تدريجيا مع عوامل أخري تاريخية منها تعسف بنو أمية مع آل البيت ومع شيعة علي رضي الله عنه فبغلوهم في التمسك بالملك نشأ غلو آخر كانت بدايته سياسية ثم أصبحت دينية

وكان الخلاف التالي مع علي رضي الله عنه ومن خرجوا عليه عندما قبل التحكيم بينه وبين معاوية رضي الله عنه زاعمين إن لا حكم للبشر في أمر الله وتبعوا ذلك بتشدد ديني في الأحكام والتكفير بالصغيرة والكبيرة بل بتكفير الأطفال في بعض فرق الخوارج وأثاروا الفتن حتي تم القضاء عليهم.

وتلا ذلك ظهور الإباضية كمذهب ديني نسبة إلي عبد الله بن أباض وكان من التابعين الذين دافعوا عن مكة مع عبد الله بن الزبير وكان من الساخطين علي حكم بني أمية.

وكالعادة البشر يتم اختراع إشكالية ما ثم يحدث الخلاف والجدال والتفرق حول هذه الإشكالية مثلما حدث في مفهوم الإمامة عند الشيعة وبداية حدوث الانقسام إلي شيعة إمامية اثني عشرية وشيعة إسماعيلية ثم تفرق الإسماعيلية إلى فرق اخرى.

وعند السنة كانت منزلة مرتكب الكبيرة هل هو كافر أم مؤمن محل الجدل الأول الذي بدأت بعده المعتزلة في الظهور عندما اعتزل واصل بن عطاء أستاذه الحسن البصري واخترع مسألة جديدة هي المنزلة بين منزلتين فمرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر وإنما هو بين بين ثم مع تداخل الفلسفة اليونانية بانتشار حركة الترجمة أصبح للمعتزلة مدرسة فكرية خالصة تقوم علي تقديم العقل عن النص ثم بدأت فتنة خلق القرآن و الجدال حول صفات الله واسمائه هذا الجدال الذي كلف المسلمين الكثير من الجهد المهدور.

وفي خلافة المأمون واعتناقه الاعتزال وفرضه علي المسلمين بقوة السلطة ظهر وجه آخر من تأثير السلطة السياسية في توجيه العقائد الدينية وكانت وقفة الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن موقف عظيم ضد فرض القوة سلطانها علي العقيدة والمعتزلة رغم قربهم من الخلفاء من المأمون حتي المتوكل إلا أنهم لم يكونوا قريبين من عامة الناس فبمجرد زوال تأييد الخليفة لهم في عهد المتوكل اختفي فكرهم تدريجيا ولكنه ظهر في بعض الفرق والمذاهب الاخرى.

حيث امتزج الفكر المعتزلي في بداية ظهوره مع مذهب الزيدية الشيعي وبعض فرق الخوارج.
نشأت الزيدية علي يد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهم عندما شجعه أهل الكوفة علي الخروج علي هشام بن عبد الملك فرحل إليهم ولكنه سألهم عن رأيهم في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فمن كفرهمها اخرجهم من جيشه.

وكان الإمام الأشعري معتزليا إلا أنه رجع عن الاعتزال واعتنق مذهب أهل السنة والجماعة وناظر من أجل اعلاء عقيدته الدينية واستمر تلاميذه علي قوله في صفات الله التي آمن بها دون تأويل حتي أبي بكر الباقلاني ثم بدأ تأويل الصفات حتي ظهر مذهب الأشاعرة الحالي وهم من أهل السنة والجماعة ودافعوا كثيرا عن العقيدة الإسلامية.

والسلفية وإن كان مصطلح اختلف في بداية ظهوره إلا أنهم يؤمنون بالعقيدة كما آمن بها السلف الصالح كما قال النبي خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فالرجوع إلي سير الأجيال الثلاث الأولي ممن عرف عنه الصلاح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والرجوع إلي تفسيرهم للنصوص ورأيهم في مسائل الفقه وغيرها والحق أن الحفاظ علي العقيدة بمفهوم السلف والحفاظ علي الأصول كما هي يعتبر إنجاز اسلامي عظيم وذلك بالنظر إلي الأمم السابقة ولكن هناك فرق من السلفية المعاصرة تدس مسائل فكرية وسياسية تتمسح بها بالسلف الصالح ولم يرد من السلف فيها مثلما يدعون.

والصوفية كانت في بدايتها منهج سلوكي يدعو إلي الزهد في الحياة الدنيا مقابل حياة الرفاهية والبذخ الذي ازداد مع زيادة الثروة في الحضارة الإسلامية ثم امتزجت الصوفية مع فلسفة وحدة الوجود فظهرت بعض الفرق الصوفية المبتدعة وبعضها الآخر وإن خلا من فكرة وحدة الوجود إلا أنها بالغت في فضل المشايخ وكراماتهم وبعضهم إدعي عدم وجوب العبادات علي أصحاب الكرامات بالإضافة إلى طرق مبتدعة في العبادة أو انسحاب وعزلة من المجتمع وقليل جدا من ظل نهجه التصوف السني الصحيح المقصود به تهذيب الباطن والظاهر واتباع سنة الرسول وأصحابه في الزهد الصحيح وسلوك إيجابي نحو المجتمع.

وفي العصر الحديث ظهر انسجام آخر بين السياسة والدين لتحقيق مصلحة للطرفين والحق أن عقائد البشر هي ماتوجههم ولا يمكن اطلاقا فصل العقائد الدينية عن السياسية او عن غيرها من مسائل الحياة حتي عند غير المؤمنين بالله فمن لم يكن عبدا لله كان عبدا لغيره ولكن هناك تمازج يحقق مصالح دنيوية بحته أو بعيد عن جوهر الدين.

ظهرت الدعوة الوهابية في نجد بشبه الجزيرة العربية علي يد محمد بن عبد الوهاب وهي دعوة سلفية علي نهج أحمد بن حنبل وابن تيمية ولكنها ادعت جاهلية المجتمع وبالغت في ذلك القول حتي ادعوا أن سكان شبه الجزيرة العربية رجعوا إلي الشرك وهو قول مبالغ فيه وتشدد بن عبد الوهاب في التكفير ولرغبته في نشر مذهبه عقد اتفاقه مع محمد بن سعود في الدرعية حتي ينشئ معه الدولة السعودية الأولى ومحاربة العثمانيين في شبهة الجزيرة العربية و تأسيس الدولة بالقوة.

وبذلك تحقق حلم بن سعود في إنشاء دولتة متملصا من الحكم العثماني ونجح بن عبد الوهاب في إنشاء زعامة دينية.

ومع احتلال البلاد الإسلامية والفرقة والشرذمة حاول مفكرون إعادة إحياء الأمة من جديد وكان علي رأسهم الإمام محمد عبده وجمال الدين الافغاني وإن كان الإمام عبده اخطأ في بعض المسائل وأصاب في غيرها إلا أن تأثيره لا يمكن إغفاله ومن بعده رشيد رضا وغيره حتي ظهر حسن البنا وأسس جماعة الإخوان المسلمين.

ومن بعده حسن الهضيبي وسيد قطب الذي يري البعض أن كتابه معالم علي الطريق ألهم الجماعات التكفيرية التي ضلت عن جادة الصواب بالإدعاء أن المجتمع جاهلي مادام لا يطبق الشريعة وإن كان غالبه مسلمون.

والملاحظ أن الحضارة الإسلامية كانت من أكثر الحضارات التي تسامحت مع الآخر وسمحت بوجود اختلاف مذهبي ولم تكبح الفكر هذا إذا ما قارنا تاريخها مع تاريخ الحضارات الأخري حتي إذا وجد نزاع او قتل علي الفكر أو المذهب فكانت في حالات قليلة وغالبها لأغراض سياسية ولم يكن هناك تساهل في التكفير وامتنع الفقهاء عن التساهل في التكفير الذي انتشر في عصور الاضمحلال والتخلف وعلي سبيل المثال موقف علي رضي الله عنه مع الخوارج فهو قاتلهم لضررهم ولكنه لم يكفرهم وفي عهد لاحق عندما قتل جهم بن صفوان وجعد بن درهم لم يكفروا وإنما غسلوا وكفنوا ودفنوا علي الطريقة الإسلامية.

والفكر لا يواجهه إلا بالفكر وربما القتل أدي إلي انتشار الأفكار الضالة وبزوغ الفتن بشكل أوسع ودفاع الفقهاء والعلماء عن العقيدة الصحيحة هو المواجهة المثلي فربما إذا كان سكت بن حنبل خوفا لكنا الآن نؤمن جميعا بخلق القرآن وهو قول عظيم أساسه الفصل بين الله وصفاته ويتبعها ادعاءات فلسفية خاطئة تعالي الله عنها علوا كبيرا وفي العصر الحديث كانت المراجعات الفكرية للجماعات الإسلامية التكفيرية الحل الأمثل للقضاء علي الفكر الهدام.

ونلاحظ أن الانشقاق وبزوغ فرق ضالة من ورائه أسباب إجتماعية وسياسية أهمها الظلم الاجتماعي والتعسف في الحكم وعدم الحكمة في معاملة المخالف وهذه المظالم تكبر وتشتد بسكوت الناس ورضوخهم للظلم حتي يطول البلاء الطيب قبل الخبيث كما قال تعالي (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) صدق الله العظيم.

هذه كانت خريطة لأهم المذاهب الإسلامية وتأثيرها في بعضها البعض ولم أراعي الترتيب الزمني فيها وإنما راعيت إظهار الأسباب والتأثيرات ،والاختلاف لا يمنع من التعايش والسلام و الاتحاد من أجل مصير مشترك.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي