مختارات مقالات نصوص أدبية

ضدِّياتٌ في الحَجْر

ضدِّياتٌ في الحَجْر

بقلم/ عبد الله لحلوح

وأنتَ تُعِدُّ نفسَكَ لاستقبالِ أوّلِ يومٍ في الحجرِ الصحيِّ، بسبب شكوكٍ بأنَّك مخالط، تبدأ بالتفكيرِ والتوجُّسِ خيفةً من الفحص، فكيف سيكون؟ وما نتائجه، فالإيجابيةُ سلبيةٌ في العُرْفِ الحديث، وهي ضديَّةٌ موغلةٌ في القدم، وفصولها كثيرةٌ متشعبة، فقد كانوا يقولون عن المريض: فلانٌ بعافية. وقالوا للَّديغ ( مَنْ لَدَغَتْهُ الأفعى) سليمًا. وليس هذا بابُ الحديث. وإنما موضوعنا حديثٌ حديث، وحداثته آسرةٌ طاغية، (فالحَجْرُ والحجزُ والتباعدُ، والمخالطة، والمصاب، والمكورن، والمڤورِس، والكِمامة، والقفازات، والمعقمات، والكحول، وموازين الحرارة، والمسحة، والتعليم الإلكتروني، والتعلُّم عن بعد، والمباعدة، والمزامنة، والوجاهي، والمواجهة، والافتراضي، والمايك، والكاميرا، والمدمج، والجوجل ميتنج، والإديونيشن، والزّوم، والجوجل كلاس، والأون لاين، و….) كل هذه المصطلحات تَواضَعَ الناسُ عليها، واصطلحوا معها، دون أن يتصالحوا مع أنفسهم، وأسسوا فِرَقًا وجوقاتٍ، وتفنَّنوا في الإعدادِ وحصرِ الأعداد، وراح المعلمون يُعلِّمون، والمحجورون يتعلّمون، والحياةُ (زيطة وزمبليطة)، والتعايُشُ لا بدَّ منه، ولا حياد عنه.

وأنتَ تنتظرُ نتائج المسحة، وتحاولُ أن تُسلّيَ نفسَكَ بأيِّ شيءٍ تَظاهُرًا بأنّك على ما يُرام، وتأتيكَ الأحلامُ حين تنام، ولما يكون الصباح الأولُ من الحجرِ الأولِ، بعد المخالطةِ الأولى، للسنةِ الأولى من الجائحة الأولى، في موجتها الأولى، تصحو فاتحًا هاتفكَ، ليبدأ جرسُ الرسائلِ بالطنين والزعيق، فتبدأ بفتح الرسائل حسب الأولوية، وإذا بالرسالةِ الأولى صوتيةٌ من أعلى مرتفعات فلسطين غير التاريخية، يقول صاحبها بعد التصبيح بالخير: “هَيْني جاي عليك أجيبلك فطور، نص ساعة بكون عندك” فتردّ عليه: “لا يا رجل، إوعى تعمل هالعملة، شو جايبك من آخر الدنيا، عشان تجيبلي فطور. دَشّرَكْ من هاللي داير عليه”. ولما كان عنيدًا فَلمْ يردَّ ولَم يصُدَّ، وفعل فعلته، ففطَّرَكَ فطورًا لا فتورَ فيه، فأنساك قصة الفحص، وموضوع النتيجة، لتدرِكَ بعد وجبةٍ ونصف، أنّكَ مخالطٌ، أو ما شابه، ومن شابَه المخالطَ فما ظَلَم. فتعودُ للموقع الإلكتروني، وهو يقدم خدمة للزبائن المفحوصين، فترى النتيجة سلبية، فتحمد الله على هذه النتيجةِ الإيجابية، وتُمَشْئِلُ متعجبًا من هذه الضدية. ثم يكون اليوم الثاني للحجر، فيتصلُ بكَ أحدُ طَلَبَتِكَ من المقاتلين القدامى، ويقول لك: افتح الباب يا أستاذ، فتفعل، لتجد أنَّ هُناكَ ما يزيدُ مَشْأَلَتَك تَمَشْؤُلًا، ثمَّ تُحَوْقِلُ، وتعيدُ الاتصال شاكرًا، فيردُّ عليكَ صوتُ أُنثويٌّ تعرفه مباشرةً، وإذا بها إحدى طالباتك القبضايات، من الرَّعيل الأول، فتقول لك: مقصرين يا أستاذ، خيرك سابق، ومعروفك على روسنا.

وأنتَ في الحجرِ ، يأتيكَ بالزّادِ مَنْ لمْ تُزَوِّدِ، ويتَّصلُ بكَ جارُكَ وصديقُك صاحبُ البقالةِ متسائلًا عن غيابِكَ عنه مدةَ يومين لا أكثر ولا أقل، فتخبره بحالك، فيسألك إن كنتَ بحاجةٍ لشيء، فترد شاكرًا ممتنًّا بالنفي، فيلِحُّ عليك، فتكرِّرُ نافيًا، فيرنُّ جرسُ المنزلِ في آخرِ الليل، فترى على الباب أكياسًا لا أنفاسًا، فتعرف أنه صديقك الدُّكَّنْجي، جاء ببعضِ الخبز وأشياء أُخرى. فتشكر ربَّكَ على نِعَمِه التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. ثمَّ يتَّصِلُ بكَ أحدُ أصدقائك طقّاقي الحَنَك، فتتحدَّث معه ساعةً إلا قليلاً، ثم تخبره بأنَّك ستغيِّرُ خطَّتَكَ التي دبَّرْتَها معه بليل، وتخبره بالسبب وراء ذلك التغيير الطارئ، فيوعزُ للشلَّة بالأمر، ويكون اللقاءُ افتراضيًّا، بعدَ أن أحضروا لكَ ما كانَ يُفْتَرَضُ وجاهيًّا، وتتم العملية بالصلاة على النبي. وأنتَ في الحجر، لا بدَّ من أن تُطَمْئِنَ على المحجورين، فتجري اتصالاتك، وتتفقَّد هذا وذاك، وتأتيك الاتصالاتُ من هنا وهناك، وتستمرُّ في تقديم خدماتك التي لا يوقفها حَجْرٌ ولا ابن عمِّه.

وأنتَ في الحجرِ، يغيبُ أو يتغيَّبُ عنك من كنتَ تظنُّهم شموسًا لا تكادُ تغيبُ حتى تُشرق ذات صباح، وإذا بِلَيْلِهِم طويلٌ كشتاءِ ريتا صديقة درويش. وليس بيني وبينَ عيونهم بندقية. وأنتَ في الحجر، تعرفُ أنَّ الحياةَ ثنائيَّةٌ كُبْرى، وأنَّ الضدَّيَّةَ الكبرى لا تُنالُ إلا على جِسْرٍ مِنَ الحَجْرِ.

وأنتَ في الحجر، تذكَّرْ غيرَك، وقلْ: الحمدُ لله الذي يُحَرِّكُ الحياةَ في الموات، ويصوِّرُ الناس بحكمته البليغة، فهو الذي صوَّرَهم منذ بدْء الخلق فأحسن صوَرهم. وأنت خارجٌ من الحَجْر، احتفظْ بذكرياتِك، واكتُبْها شعرًا، نثرًا، رسمًا، حكايةً. وقل: الحمدُ لله.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي