سياسة مختارات مقالات

الاعلامية هبة داودي تكتب عن ترقب أوروبا للانتخابات الأمريكية

أوروبا تترقب.. ترامب أوبايدن.. والشرخ يستع بينها وبين واشنطن!

بقلم/ هبة داودي

منذ وصول الرئيس الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، والمسافة السياسية بين بروكسل وواشنطن تتباعد إلى حد بروز عدة ملفات خلافية، وأخرى تعكس قطيعة في التوجهات السياسية بين الطرفين، مقابل امتعاض اوروبي من سياسات انفرادية أمريكية واملاءات من واشنطن، تتناقض مع مبدأ التحالف الذي كان قائما في السابق على محور بروكسل وواشنطن.
ولعل موقف الأوروبيين من إسراع الولايات المتحدة إلى تكريس سياسة الإنحياز الكامل للكيان المحتل، والتي تجلت في نقل السفارة الأمريكية من تى أبيب إلى القدس المحتلة، تزامنا مع احتفالات انشاء الكيان في 14 ماي، وامتناع الاوروبيين عن مسايرة السلوك الامريكي، فضلا عن تباعد المواقف بعد القرار الانفرادي الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والتلويح بعقوبات ضد أي طرف يتعامل مع طهران، شكلت مؤشرا على مدى التباعد القائم، والذي وصل إلى حد التضاد في الكثير من الأحيان، لما تعتبره أوروبا سياسة انفرادية وإملاءات أمريكية لا يمكن القبول بها.
وشهدت العلاقات على محاور عديدة بين الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية المحورية، ألمانيا وفرنسا بالخصوص، احتقانا كشف عن مدى التوتر القائم وتباين الرؤى، ففي جويلية 2018 اتهم ترامب الأوروبيين بالفشل في دفع ما يكفي لعمليات الناتو، كما اصطدم مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بشأن النفوذ الروسي والإنفاق على الدفاع، قبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بعد انتقاد ما اعتبره تبعية برلين وخضوعها للسيطرة الروسية، بسبب المستوى المرتفع من الغاز الطبيعي الذي تستورده الأولى من الأخيرة.
وقد جاء الرد الأوروبي صارما على لسان دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، متهما دونالد ترامب بانتقاد أوروبا “بشكل يومي تقريبا”، وقال في تغريدة عبر موقع تويتر “عزيزتي أمريكا، يتعين عليك أن تقدري حلفاءك، لأنه لم يعد لديك عدد كبير من الحلفاء”.
وفي مارس 2020، عبرت أوروبا عن امتعاضها من القرار الأمريكي غلق المجال الجوي على خلفية انتشار كورونا، وانتقد وزير الخارجية الالماني هايكو ماس، اتخاذ ترامب لهذا القرار من جانب واحد دون التشاور مع الاتحاد الأوروبي.
وفي جويلية 2020، أكدت الولايات المتحدة عزمها سحب نحو 12 ألف جندي من ألمانيا، وإعادة نشر جزء منهم في بلجيكا وإيطاليا، ليصبح عدد الجنود الذين يعتزم ترامب سحبهم من ألمانيا أعلى مما تم الإعلان عنه من قبل، وسط اعتراضات على هذه الخطوة في برلين، التي اعتبرت أنه ليست في المصلحة الأمنية لألمانيا أو الناتو، ولا معنى لها من الناحية الجيوسياسية بالنسبة للولايات المتحدة.
وقد تم ذلك وسط مساعي امريكية بالموازاة مع ذلك لوقف مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي بين روسيا وألمانيا “نورد ستريم2” (تيار الشمال2)، فيما أضحت أوروبا قلقة من الاعلان الامريكي الانسحاب من اتفاقية الاجواء أو السماء المفتوحة، حيث ادعت واشنطن أن روسيا لا تحترمها، وهو ما يدفعها للانسحاب منها.
وبرزت حرب كلامية بين باريس وواشنطن على عدة اصعدة، منها ما اعتبرته واشنطن محاولات فرنسية في غير محلها للوساطة بينها وبين ايران، وملف تشكيل قوة عسكرية أوروبية قوامها فرنسا وألمانيا، بالمقابل انتقدت باريس قرار ترامب المعلن في 2018 للإنسحاب من سوريا، وكذا ما اعتبرته املاءات امريكية غير مقبولة في ما يخص قضية الملف النووي الإيراني والعقوبات.
وبعد أن شكل المحور الأوروبي الأمريكي مجالا حيويا، وظلت واشنطن حليفا لأوروبا الغربية على امتداد فترة زمنية طويلة، سواء على مستوى التحالف العسكري الاستراتيجي من خلال “الناتو” أو الاقتصادي، بدا واضحا التحول القائم في عهد دونالد ترامب.
وإذا كان ترامب قد رسخ التباعد بين أوروبا والولايات المتحدة بصورة أوضح، إلا أن مثل هذا التباعد كان قائما في جوانب عديدة منذ عهدة الرئيس جورج بوش الابن، وتجلياته مع حروبه الخارجية لاسيما في أفغانستان والعراق واحتلال بغداد في 2003، رغم أن علاقات واشنطن عرفت نوعا من الهدنة في عهدتي باراك أوباما، إلا أن مؤشرات التحول كانت بادية مع تأكيد واشنطن على أن نقاط الارتكاز ومركز الثقل ومحور الاستراتيجية الأمريكية، ينتقل من الأطلسي إلى الهادي، ومن أوروبا إلى آسيا.
ولعل من بين المآخذ الأمريكية على أوروبا، بداية بأهم محور فيه ألمانيا، هو مسألة التسلح والحاجة إلى الغطاء الأمريكي الدائم، وهو الذي دفع ترامب إلى “تعنيف وانتقاد” المتخاذلين، مع ملاحظة أن معظم الدول الأعضاء في الناتو، لم يقوموا بزيادة ميزانياتهم الدفاعية لتحقيق الهدف، المتمثل في إنفاق ما لا يقل عن اثنين في المئة من إنتاجها الاقتصادي السنوي على الدفاع بحلول عام 2024.
وفي حروبه الكلامية، ذهب ترامب بعيدا إلى حد اعتبار أن الاتحاد الأوروبي هو ثاني أخطر بعبع للولايات المتحدة، بعد الصين، وفرض رسوما إضافية على واردات بلاده من الصلب والألومنيوم وغيرها من الاتحاد الأوروبي، لحماية ما اعتبره “الأمن القومي” الأمريكي، وحتى على الصعيد العسكري، أثار ترامب الشكوك حول مدى التزامه بحلف الناتو، بل وصل الامر الى حد الايحاء بامكانية الانسحاب من الناتو، كما انسحب من اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية وغيرهما من المنظمات والمعاهدات الدولية.
وتسود مخاوف من أن تشكل عهدة ثانية لترامب عاملا مؤججا للخلافات والتباعد السياسي بين أوروبا والولايات المتحدة، بشكل تتجه البوصلة إلى القطيعة بين الجانبين أكثر من التئام الصدع القائم.
ويترقب الأوروبيون مآل الانتخابات الرئاسية الامريكية المرتقبة في 3 نوفمبر المقبل، فإذا فاز ترامب بولاية رئاسية ثانية، فإن الصدع بين ضفتي الأطلسي سيكون أشد وضوحا، أما إذا فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن، فإن امكانيات تغير البوصلة، ولو نسبيا، قائم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.