عروض كتب مختارات مقالات

مروج الذهب ومعادن الجوهر

كتاب كل يوم جمعة (54)
مع مؤرخي الإسلام (2/4)
مروج الذهب ومعادن الجوهر

بقلم/ وسام محمد
«وليس مَن لزم جَمَرات وَطَنه، وقنع بما نمى إليه من الأخبار عن إقليمه، كمَن قسم عُمره على قطع الأقطار، ووزَّع أَيامه بين تقاذُف الأسفار، وأستخرج كل دقيق من معدنه، وأثار كل نفيس من مكمنه».
المسعودي، مروج الذهب.
لا يمكن أن يوصف (المسعودي) بأنه مؤرخ فحسب، فلقد تناول في مؤلفاته مختلف الموضوعات وتنقل بين التاريخ والجغرافيا وعلم الإنسان والاجتماع والاقتصاد، حتى يمكن أن نصفه بأنه عالم موسوعي، ويكاد كتابه، موضوعنا اليوم، المعنون (مروج الذهب ومعادن الجوهر) يقوم شاهدًا له بهذا الأفق المعرفي الرحيب الذي خاضه؛ ولكن في الوقت نفسه، فإن تأثير (المسعودي) في علم التاريخ عند المسلمين، تأثير كبير وحاسم على نحو لا يمكن تجاهله، ويجعله من المؤرخين المسلمين المقدمين.
ولد (علي بن الحسين المسعودي) في بغداد، وقد شارف القرن الثالث الهجري على الانتهاء؛ وعندما بلغ سن الشباب قرر مغادرة بغداد والترحال بين البلاد ملبيًا شغفه بمشاهدة البلدان والتعرف على عادات الشعوب وطرائق عيشها؛ فأرتحل إلى فارس ووسط آسيا والهند والصين وجزر الملايو وعمان والشام، ثم ألقى عصا الترحال في مصر، وأستقر في الفسطاط، وفيها وضع مؤلفاته المختلفة.
مثلت مادة كتب (المسعودي) ما اطلع عليه في كتب من سبقوه من المؤلفين، ومشاهداته التي جمعها في رحلاته؛ واستخدم (المسعودي) المادة الضخمة التي جمعها لتأليف كتابه (أخبار الزمان ومن أباده الحدثان)، وهو كتاب موسوعي جامع للتاريخ البشري منذ الخليقة إلى زمان التأليف، وجغرافيا الأصقاع المعروفة في ذلك الوقت، وطبائع الشعوب وعادتها، وخصائص الكائنات الحية المختلفة؛ ثم أختصر (المسعودي) كتابه الضخم هذا في كتاب آخر أسماه (الأوسط في الأخبار)؛ واختصره من جديد في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)؛ وقد ضاع الكتاب الأول والثاني، وبقي بين أيدينا (مروج الذهب).
أما (مروج الذهب) فيمكن أن نقسمه قسمين، القسم الأول يبدأ مع بدء الخليقة ويستمر إلى نهاية زمن الراشدين، والقسم الثاني يبدأ عقب انتهاء الخلافة الراشدة وحتى زمان المؤلف.
في القسم الأول، يقدم للكتاب بمقدمه، يعرف فيها قارئه بنفسه وبمؤلفاته، ثم يعرض منهجه في التأليف ومصادره وأولها مشاهداته؛ ثم يلحق هذه المقدمة بباب مخصوص يسرد فيه أبواب كتابه وموضوعاتها؛ ثم يبدأ في عرض تاريخ البشر منذ الخليقة، من خلال عرض تاريخ النبوات، والدعوات الدينية السابقة على الإسلام؛ ثم يقف وقفة طويلة يخرج فيها من العرض التاريخي إلى تناول موضوعات أقرب إلى علم الأنثروبولوجي والتأريخ الثقافي مركزًا بحثه على الهند؛ ومن هذه الوقفة إلى عرض مسهب للمعرفة الجغرافية السائدة في زمانه، متناولًا في هذا العرض أقطار آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو عرض ثري يتنوع بين تناول ثقافات الشعوب إلى وصف البيئات الطبيعية في الأصقاع المختلفة؛ ليعود للتاريخ من جديد، عارضًا تواريخ الفرس واليونان والرومان؛ لينتقل إلى الجزيرة العربية، عارضًا جغرافيتها، وتاريخ العرب البائدة، ثم تاريخ العرب الباقية، مخصصًا قسم طويل لتناول تاريخ اليمن في الجاهلية، ومنه ينتقل إلى تاريخ مكة وقريش؛ ثم ينتقل إلى السيرة النبوية ثم عهد الخلفاء الراشدين. في القسم الثاني، تكاد تختفي تمامًا أبحاث (المسعودي) الجغرافية والإنسانية، ويركز (المسعودي) على الحدث التاريخي؛ فيبدأ هذا القسم مع خلافة (الحسن) رضي الله عنه، ويستمر في رواية الأحداث التاريخية حتى زمانه.
في (مروج الذهب) يختط (المسعودي) خطة مخالفة لسلفة (الطبري) في كتابة التاريخ، فالطبري ألف تاريخه في هيئة حوليات، وهي هيئة متعبة للقارئ حيث يورد الأحداث حسب تتابعها الزمني بغض النظر عن ارتباطها الموضوعي؛ ولكن (المسعودي) يتخلى عن طريقة الحوليات، ويحول أن يقدم تاريخ موضوعي، حيث يجمع الروايات المتعلقة بالموضوع التاريخي الواحد معًا، وهو ما يسهل فهم الحدث التاريخي لقارئه؛ كما يتخلى (المسعودي) عن منهج الإسناد الذي استعاره (الطبري) من المحدثين، ويتبدل ذلك بأن يورد مراجعه ومصادره في مفتتح كتابه، ويناقشها مناقشة نقدية؛ فـ (المسعودي) إذا مؤسس مدرسة كتابة تاريخية موازية لمدرسة الطبري؛ كما يظهر (المسعودي) في أكثر من موضع من كتابه نزعة لاستقراء الحوادث التاريخية بحثًا عن قوانين حاكمة للتاريخ، وكأنه بذلك يقدم (لابن خلدون) والذي سوف يصف (المسعودي) معجبًا بأنه «إمامًا للمؤرخين»؛ وإن كان هذا الإعجاب لم يمنع (ابن خلدون) في نقد بعض ما أورده (المسعودي) مما يخالف العقل والمنطق.
طبع (مروج الذهب) للمرة الأولى في العصر الحديث في باريس، على يد المستشرقين الفرنسيين (باربيه دي مينار) و(بافيه دي كرتاي) عام 1872؛ وللأسف يكاد يكون (مروج الذهب) من أقل المؤلفات التاريخية التي اعتني بها المؤرخ العربي الحديث، فقلما تجد تحقيق علمي لهذا السفر، بل أن أفضل طبعاتها، والتي أصدرتها الجامعة اللبنانية في الأعوام بين 1965 وحتى 1975، هي عبارة عن إعادة طباعة للنسخة التي حققها وأخرجها (دي مينار) و(جي كرتاي) قبل قرن من الزمان، ولم تضم إشارات إلى الأصول التي طبعت عليها، ولا خطة التحقيق، ولا فهارس؛ ولعله في قادم الأيام نرى طبعة محققة تحقيق علمي يليق بقيمة هذا السفر.
مودتي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0