فكر مختارات مقالات

آلان ديكو وحكاية : الكونت دي مونت كريستو

آلان ديكو وحكاية ” الكونت دي مونت كريستو “

علي حسين

في الحادية عشر من عمره اصيب بمرض خطير ، وقد اخبر الاطباء والديه بانه لن يعيش اكثر من اسبوع ، وكانت امنيته الاخيرة ان يقرأ رواية  الكسندر دوما ” الكونت دي مونت كريستو ” ، وقد ساعدته الرواية ان يعود للحياة من جديد وان ينتصر على الموت ، مثلما انتصر بطل رواية الكسندر دوما على المصاعب التي واجهته ، وظل يناضل من اجل تحقيق هدفة ” العيش بامان ” ، حتى استطاع في النهاية ان ينتصر بيكتب فيما بعد ” لقد مر الموت من جاني لكنه اشمئز من تشبثي بالحياة ”

كان  آلان ديكو الذي رحل عن عالمنا قبل اربعة اعوام  ، ولد لعائلة غنية  عام 1925 وهذه الحياة اتاحت له فرصة ان يقضي وقته بالقراءة ، وقد هام حبا بالروايات بعد ان قرأ اعمال الكسندر دوما ، فقرر ان يتبع طريق ملهمه ، فجرب حظه في الكتابة للمسرح ، في سنوات المراهقة كتب اكثر من عشر مسرحيات لكنها جميعا بقيت حبيسة مكتبة والده ، فقد كان يخشى من الفشل ، لكنه اكتشف فجأه ان بامكانه ان يعيد حكاية التاريخ على شكل رواية فتقدم الى الاذاعة ليقدم برنامجا اذاعيا بعنوان ” منبر التاريخ ” سيصبح بعد سنوات من اشهر البرامج الاذاعية ، وقد استمر هذا البرنامج مدة تقارب النصف قرن ، وفي اثناء عمله الاذاعي قرر ان يقدم برنامجا تلفزيونيا بعنوان :” الكاميرا تستكشف العصور والأزمان ” وفيه كان يروي على المشاهدين قصص الملوك والأبطال في العصور الماضية  ، بعدها سيقدم برنامجه الشهير عام 1969 بعنوان ” آلان ديكو يحكي ” وهو البرنامج الذي تحول فيما بعد الى ثمانية وستين مجلدا ، ورغم انه لا يحمل شهادة عليا فقد عين استاذاً لعلم التاريخ في الجامعة ، في الرابعة والخمسين من عمره انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية ، واثناء عمله في التلفزيون عام 1987  اصيب بذبحة صدرية  خطيرة ، واثناء مرضه  طلب ايضا ان رواية ” الكونت دي مونت كريستو ” وعندما تجاوز محنة المرض قال للاطباء وهو يلوح بالكتاب  ” ليس الذنب ذنبي إذ بقيت على قيد الحياة!” ، اصدر كتابا عن فكتور هيغو  ترجمت فصول منه الى العربية ونشرته مجلة الغد التي كان يصدرها الفنان والصحفي المصري حسن فؤاد ، وآخر عن الصراع بين دانتون وروبسبير ، حيث قدم في الكتاب الفلسفة السياسية التي كان يؤمن بها روبسبير ، وقد ترجمت فصول من هذا الكتاب الى العربية نشرتها مجلة الكتاب التي كانت تصدر في القاهرة في الثمانينيات .. وعرفانا بجميل رواية الكسندر دوما ” الكونت دي مونت كريستو ” عليه قام آلان ديكو بإنشاء مؤسسة أصدقاء ألكسندر دوما عام 1971، وكان الغرض منها الحفاظ على قلعة مونت كريستو .

ربما تكون مثلي قد قرأت ذات يوم نصيحة غوستاف فلوبير التي يقول فيها :” لا تقرأ مثل الأطفال، من أجل المتعة، ولا مثل الطموحين، بغرض التعلم. لا، أقرأ كي تعيش ” . ولعل معظمنا يبدأ أولى خطواته في القراءة منطلقين من الفضول لمعرفة ماذا تخبيء هذه الصفحات ، وكثير من القراء يؤمنون بمقولة :اقرأ من أجل المعرفة . ينصحنا الفيلسوف ” ديكارت”  بإعداد قوائم لتحديد الكتب التي يجب أن نقرأها ، كتمرين من تمارين العقل وإستكشاف العالم ويكتب هذه النصيحة :” إن قراءة الكتب هي بمثابة محادثة مع أفضل الشخصيات من القرون الماضية ” . كان ديكارت مصاباً بأمراض في الصدر ، وقد نصحهُ الأطباء بإراحة جسمه ، فاجازوا له البقاء في الفراش طويلا ، ما ساعده على الاهتمام بقراءة الأدب الكلاسيكي او كما يخبرنا هو :”لأقوم بجولات فكرية في الماضي السحيق ، فآخذ بطرف الحوار مع النبلاء الطاعنين في السن”  .

تمثل القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، وكل شيء بدأ عندي أشبه برحلة . ذات يوم وأنا ابن العاشرة من عمري وفي احدى مناطق بغداد ، اخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات والصحف ، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة ، اكتشفت إن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي . عندما أسترجع كيف قضيت سنوات طويلة من عمري في رفقة الكتب ، أتساءل أحيانا إن كانت هذه الكتب غيرت حياتي ، أم انها سجنتني في عوالم مثالية وخيالية .

يخبرنا صاحب مقبرة الكتب الاسباني ” كارلوس زافون ” أن أحد زبائن المكتبة قال له يوما :” لاشيء قادر على التأثير في القارئ أكثر من الكتاب الأول الذي يلمس قلبه حقاً .إذ إن صدى الكلمات التي نظن إننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة ، ويشيد في ذاكرتنا منزلاً سنعود إليه عاجلاً ام آجلاً. ”

في ذلك الوقت اعتقدت انني أستطيع الحصول على أي كتاب لأن المكتبة لاتبعد عن بيتنا سوى عشرات الأمتار ، ثم إنني وجدت في شخصية صاحب المكتبة محفزاً لي على اختيار ما أريد قراءته ، ولهذا كنت سعيدا حين دلّني ذات يوم ، على سلسلة من الروايات المصورة، وقد جذبني كتاب كان يمتلئ بالرسوم الملونة عنوانه ” الكونت دي مونت كريستو ” أما مؤلفه فمكتوب اسمه على الغلاف وبالألوان ” الروائي المشهور الكسندردوماس ” كما جاء اسمه هكذا على غلاف الكتاب الملون . س.

كان هذا أول عهدي بالروايات ، لم اسمع بأسماء الذين يروي الكاتب حكاياتهم ، ولا أعرف معنى ” مونت كريستو ، وما الذي يمكن أن تنفعني مغامراته ؟ لكن الحكاية استولت على عقلي ، وأتذكر إنني قرأته خلال يومين ، أتمدد على فراشي ، وأعيد قراءة الصفحة الواحدة أربع أو خمس مرات لأفهم مغزي القصة .

بعد سنوات تعرفت جيداً على صاحب الرواية ” الكسندر دوما الأب ” تميزا له عن ابنه حامل الاسم نفسه ” الكسندر دوما الأبن ” مؤلف الرواية الشهيرة ” غادة الكاميليا ” . واكتشفت إن هذا المؤلف الذي عاش ثمانية وستين عاماً – ولد في الرابع والعشرين من تموز عام 1802 – كانت له عادات غريبة ، يتباهى بان له أكثر من مئة ابن غير شرعي ، ويؤكد في كل مناسبة انه لن يتزوج ، ويقال انه كان لايرى إلا وهو يتأبط كتاباً ، صاحب مزاج خاص في الكتابة ، ويذكر كاتب سيرته انه كان يكتب قصصه على ورق ازرق ، أما اشعاره فيستخدم لها الورق الاصفر ، ويخصص الورق الوردي لكتابة مقالاته السياسية اللاذعة ، يعاني من مرض الدوار ، لايستطيع القراءة والكتابة وهو جالس على منضدة ،وإنما وهو متمدد على بطنه ،ويضع تحته وسائد عديدة ، وبرغم هذه النزوات ، فقد أصدر اكثر من اربعمائة مجلد ، وكتب للمسرح مئة مسرحية، مُثلت جميعها في زمنه ، وقامت بإداء ادوارها ممثلات معظمهن وقعن في أسر شخصيته المرحة ، ربح من وراء كتبه اكثر من مليون جنيه استرليني ، انفقها جميعها على ملذاته ، وحين حاصرته الديون قررت إحدى المعجبات به ان تشتري ديونه كي لايدخل السجن ، ثم ساومته بين قفص الزواج أو قضبان السجن ، فقرر في النهاية ان يرضخ لطلبها ويتزوجها .

الكونت دي مونت كريستو التي قرأتها ، سحرتني منذ اللحظة الاولى ، ولم ينفع فيما بعد انني اكتشفت انها عمل يتسم بالبساطة وإن احداثها لاتختلف عن اي فيلم عربي بالابيض والاسود مليئة بالمشاهد الميلودرامية والدموع والآهات ، فهي برغم ذلك شغلت النقاد بسبب انها لاقت اقبالا كبيرا في مختلف العصور ، ولاتزال على قائمة الكتب الاكثر مبيعا .

************

تدور أحداث رواية ” الكونت دي مونت كريستو ” حول البحار إدمون دانتيس، الذي نراه في الصفحات الاولى ، وهو يستعد للزواج ، إلا أن حادث القاء القبض عليه بتهمة مناصرة نابليون ، وايداعه في حصن إيفان الرهيب ، يدمر مخططاته ، وخلال الاثني عشر عاما التي قضاها في الحبس كان يؤمن انه بريء مما نسب إليه من تهم ، وأن سبب سجنه إنما هي مؤامرة حاكها ثلاثة أشخاص ، كان لكل منهم سبب للتخلص منه. الأول فرنان الذي كان ينافسه على خطيبته مرسيدس، والثاني أنغلار منافسا له في أعماله ، أما الثالث فكان القاضي فيلفور الذي أيقن منذ اللحظة الأولى ان القضية ستعود عليه بفوائد كثيرة إن هو حكم على إدمون . وخلال سنوات حبسه الطويلة لا تشغله قضية سوى وضع الخطط للهرب من جحيم السجن واثبات براءته والإنتقام من الذين ظلموه .

وبفضل مساعدة يقدمها صديقه الأب فاريا الذي يخبره قبل موته بمكان وجود كنز يمثل ثروة هائلة ، في جزيرة مونت كريستو .  يتمكن إدمون من الهرب ؟ وبعد مغامرات ومصاعب يحصل على الكنز ، فيقرر العودة إلى الحياة العامة بهيئة جديدة واسم جديد ” الكونت دي مونت كريستو ” الثري الذي لا يعرف أحد شيئاً عن حياته الماضية ، ويبدأ بوضع خطه للإنتقام مستخدما ثروته الهائلة لتحقيق أهدافه في مطاردة الذين ظلموه . لقد تحول الى قدر يلاحق ضحاياه ، وتمضي الرواية لتخبرنا أن خطة السجين السابق نجحت ، وإنه أخيراً استطاع تحقيق العدالة الغائبة ، ويعود في النهاية ليكشف عن نفسه بعد رحلة عاشها مع اسماء وهمية ومؤامرات كان يخطط لها بالخفاء ، ليلتقي أخيرا بخطيبته مرسيدس ليعلن لها انه لايزال يحبها ويتمنى الارتباط بها .

نشر الكسندر دوما الأب روايته ” الكونت دي مونت كريستو ” عام 1844 ، في ذلك العام توفت الفتاة ماري دوبليسيس عن عمر 23 عاما نتيجة الآم شديدة في المعدة لم تمهلها طويلا ، كانت قد أخبرت إحدى صديقاتها انها تشعر دائما بان حياتها ستعود من جديد ، ولم تكن تدري أن هناك مؤلفاً شاباً أراد ان يقلد والده الأديب المشهور ، فقرر أن يكتب قصة هذه الفتاة التي شغلت البلاط الفرنسي بجمالها ، لينشر عام 1848 روايته ” غادة الكاميليا ” ، وأصرّ الشاب أن يطلق على نفسه اسم ” الكسندر دوما الابن ” . كان الابن أحد الاطفال غير الشرعيين للكاتب الشهير ، الجميع يعامله كفتى منبوذ ، إلا انه كان شديد الاعجاب بشخصية والده ، فاختار أن يسير على نفس الدرب .

اذن هذه هي ما يسمى بالرواية ، وفي ذلك الوقت لو طلب مني أن أكتب تعريفاً عن هذه الرواية ، لاختصرته بكلمة واحدة : ” ممتعة “.

في رسالة يبعثها الكاتب الانكليزي مالكولم لاوري الى ناشره يشرح له فيها المغزى من كتابة روايته الشهيرة ( ما تحت البركان ) :” يمكن ببساطة قراءتها على انها قصة ستستفيد منها إن لم تتجاوزها ، ويمكن اعتبارها موسيقى ساخنة ، قصيدة ، أغنية ، مأساة ، كوميديا ، مهزلة ، وهكذا إنها سطحية ، عميقة ، ممتعة ومملة ، على حسب الذوق” .

ممتعة حسب الذوق ، كانت هذه العبارة التي يمكن أن أطلقها على رواية الكسندر دوما التي أخذني فيها أنا الصبي الذي لايعرف من العالم سوى الشارع المؤدي من البيت الى المدرسة ، إلى بلدٍ غريبٍ وبعيد ، وأدخلني عالماً مسحوراً ، وكنت وأنا ألتهم الصفحات ، أتخيل نفسي أدخل الى شوارع باريس التي تدور فيها حكاية السجين إدمون والتقي بأناس أشعر بانني قريب منهم ، هكذا قرأت أول رواية مثل طفل يمتلئ دهشةً من عجائب العالم .لم أكن أعرف أن سياسياً مثل لينين كان يُصرح لمعارفه بأن روايته المفضلة تَظل ” الكونت دي مونت كريستو ” ، وإن هذا الكاتب الذي حصد الشهرة والمجد ، باع ذات يوم كل ما يملك ليشتري بنادق ساهمت في تحرير وتوحيد أيطاليا ، وإنه كان يطلق عليه لقب ملك المسلسلات الروائية التي عَلمت الشعب الفرنسي قراءة التاريخ من خلال الأدب ، حتى أن دار النشر التي تولت إصدار أعماله في القرن التاسع عشر ، كتبت على غلاف الطبعة الكاملة ” التاريخ ” كما يرويه دوماس ” .

في الثلاثين من تشرين الأول عام2002 ، وفي باريس امتد بساط الى البانثيون “مقبرة العظماء” . وعلى أنغام النشيد القومي الفرنسي ، كان الحرس الرئاسي يسير ببطء ، كانت الآلاف التي وقفت تشارك في المشهد المثير تنثر الزهور عند مرور الموكب الذي يتكون من أعضاء الأكاديمية الفرنسية . وعند اقتراب الموكب من البانثيون إنتشر الطلاب وتطلعوا إلى المنصة المقامة تحت القبة الكبرى التي جلس عليها اعضاء الحكومة وعلى رأسهم الرئيس جاك شيراك ، الذي كان قد وقع مرسوماً جمهورياً لنقل رفات ” دوماس الأب ” من قريته في الجنوب الفرنسي إلى مقبرة العظماء، ليدفن إلى جوار فولتير وروسو وفكتور هيجو .

وفي رحلته الأخيرة يمر جثمان الاكسندر دوما بقصر مونت كريستو الذي تحوّل الى متحف ، حيث يمضي ليلة واحدة فيه ، يستعيد مع جدران القصر الأحداث التي صاغها كاتب عاش ومات من أجل الكتابة ومغامرة الحياة.

في السابع والعشرين من اذار عام 2016 ، توفي آلان ديكو وكان يستعد للاحتفال بعامه الـ “91 ” – وقد كانت وصيته ان يمر جثمانه بقلعة مونت كريستو ، لكي يخبر صاحبها انه عاش طويلا بفضل المغامرات التي قرأها في صباه منذ ان صدرت عن سلسلة كتابي في اربعينيات القرن الماضي بعنوان ” الكونت دي مونت كريستو .. امير الانتقام ” بترجمة حلمي مراد ، ورواية الكسندر توما ترجمت في اكثر من ترجمة ، كانت جميعها يغلب عليها طابع تقديم الرواية باعتبارها من ادب المغامرات ، وفي السنوات الاخيرة قام المترجم المغربي سعيد بوكرامي بتقديم ترجمة جيدة لها لكنها ايضا مختصرة حيث صدرت بما يقارب الـ”500″ صفحة ، ويبدو ان الرواية تستهوي المترجمين المغاربة ، فقام المترجم المغربي محمد آيت حنا فقدم ترجمة كاملة بـ” 1200 ” صفحة وبعنوان ” كونت مونت كريستو ” ،  وسبق لمحمد آيت حنا ان قدم احد اعمال الكسندر دوما بعنوان ”  جورج الموريسي، حكاية عن البرّ والبحر” .

 

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0