الفيلسوف الكندي
فكر مختارات مقالات

التفلسف إسلامياً – الحلقة الأولى

التفلسف إسلامياً (الحلقة الأولى)

بقلم: ا.د. علي المرهج

من حقنا أن نعود لتراثنا الفلسفي العربي والإسلامي لنكشف عن قيمته المعرفية وفق “قراءة تاريخية” بتعبير محمد أركون أو نصر حامد أو (تاريخانية) بعبارة عبدالله العروي، ولا أرغب باستخدام اصطلاحات غير واضحة عند بعض القراء، لكنني سأوجز القول وأسعى لجعله مقبولاً عند القارئ، فالتاريخي يعني فهم المشكلة وفق زمان حدوثها، وبالتالي ففهم فلسفة أي فيلسوف يقتضي فهم بنية وأيديولوجية الزمن الذي كتب فيه، كما تبنى ذلك محمد عابد الجابري في كتاباته النقدية للعقل العربي، على ما عندنا من تحفظ اتجاه متبنياته ومحاولتنا نقد رؤاه أبستمولوجياً أو معرفياً.

كانت الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى هي محطة الوعي العقلاني النقدي على ما فيها من نزوع إيماني يُغلب الشريعة على الحكمة على استحياء، فقد ورد في كتاب الحروف للفاراب “أن الملة خادمة الحكمة”، ليخرق المألوف في القول السائد إسلامياً، ويفك أسار التفكير العقلاني ليخلصه من هيمنة الفقه، لينتقل به إلى رحابة الدين، ويتخلص من التدين الشكلي.

لا شك أن المشكلة الكبرى أو “الإشكالية” في الفلسفة الإسلامية كانت هي “التوفيق بين الحكمة والشريعة” لأن الحكمة = “الفلسفة” وافدة من “أمم غير مشاركة لنا في الملة” بعبارة ابن رشد في كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، لذا وجدنا أغلب الفلاسفة المسلمين يحفرون في النص القدسي ليكشفوا عن مواطن الحكمة والتفلسف فيه.

لقد كتب الكندي مبدع التفلسف الإسلامي الأول (رسالة في العقل)، ولا أخوض في تفاصيل محتوياتها، ولكنني سأشير لتأثره بفلسفة أرسطو ونظريته في العقل، ومحاولته التوفيقية بين (الحكمة والشريعة) أو (العقل والدين).

قسم الكندي العقل إلى أربعة أقسام:

العقل بالقوة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقل الفعال، ولم يختلف عنه باقي فلاسفة الإسلام الآخرين، فهو قد رسم خريطة التفلسف وفق رؤية تأملية لمقتضيات تحولات الوعي وقوته بتدرج الوجود في الحياة، وهو فهم فلسفي (تجريدي) (أرسطي)، وإن أسبغ الكندي عليه ومن تلاه من الفلاسفة المسلمين بعضاً من موروثاتهم ومتبنياتهم العقائدية، ليتفق أغلبهم على أن “أول ما خلق الله العقل”، وهي رؤية فلسفية، تنتمي للفلسفة الفيضية أو “نظرية الصدور” الافلوطينية التي بنى عليها الفارابي وابن سينا نظريتهم في الوجود وأصل تكون ونشأة لعالم.

جاء مفهوم العقل في الإسلام بمعنى “القلب” و “اللُبّ”، وذكره ابن رشد بمعنى الاعتبار، مستشهداً بالآية القرآنية “واعتبروا يا أولي الألباب”، والاعتبار جاء هنا بمعنى “التعقل” و”أولي الألباب” بمعنى “أصحاب العقول”.

وجاء بمعنى “البصيرة” “لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون”.

وجاء بمعنى “العين” “ولهم أعين لا يبصرون بها”. وكثيراً ما وردت (أفلا تعقلون) ، و(لعلكم تعقلون) …إلخ.

ما يُميز التفلسف إسلامياً، أنه مُمسك بموروثه الفكري ولا يفقد صلته بالحاضر، لأعود للكندي فيلسوف الإسلام الأول وصاحب الرسالة الأولى في الفلسفة لنعرف مضامين فلسفته وفق المغعنى الذي ذكرناه، فرسالته في الفلسفة الأولى للمعتصم، لم لها صلتها الجلية بتراثه الفكري، ولم تفقد تماهيها مع الفلسفة (الحداثية) (الأرسطية) في زمانه.

أقول أن الكندي تمكن من أن يختط لنفسه رؤية فلسفية متفردة، تُمكنك من جعله من علماء الكلام الأوائل، وتُمكنك من تصنيفه بأنه فيلسوف العرب الأول، فهو مكتشف مفهوم “مؤيس الأيسات من ليس” وهو مفهوم كلامي بامتياز، ولا يفقد معناه الفلسفي، وهو من إبداعه بما يجعله متميزاً في مسك عصا التوازن في السير على حبل التفكير القرآني والكلامي والفلسفي بامتياز، فاستمر فكره ولا زال مبهراً لنا.

إنه مُنتج التفلسف إسلامياً بامتياز، فهو الذي أجاد في استرضاء الخليفة للقبول والاعتراف بمشروعية التفكير الفلسفي بوصفه أحد مكونات التأصيل للتفلسف إسلامياً، لنختط لنا طريقاً عقلانياً نواجه بها تحديات الفكر المغايرة لنا فلسفياً.

في رسالته للمعتصم كتب الكندي عن (تناهي جُرم العالم، وعن العلة الفاعلة للوجود وعن جواهر الأجسام)، وعن أهمية فلسفة أرسطو في معرفة “التفلسف إسلامياً”…

الكندي صنع طريقاً لنا في التفلسف إسلامياً، صار أسلوب حياك وطريقة منهجية في التفكير عند الفلاسفة المسلمين الذين أضافوا لفلسفته (أشياء وأشياء) بتعبير مستعار من عمود معروف لأستاذي مدني صالح.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق