علي حسبن
فكر مختارات مقالات

الفارابي وسؤال الفلسفة عن السلطة

الفارابي وسؤال الفلسفة عن السلطة

علي حسين

اسمه الحقيقي ابو النصر محمد بن محمد بن طرخان ، لكنه يستمد لقبه وشهرته من فارب المدينة  الواقعة بإقليم خراسان التي ولد فيها عام 870 ميلادية ، 257 هجرية ،  اي قبل عام من وفاة أبي يوسف الكندي  الذي يعود له الفضل في توطيد علوم الفلسفة في الحضارة العربية والاسلامية  ، وكان الفارابي معاصرا للمتنبي ، واصغر باعوام من الرازي ، وقد اخبرنا ابن ابي أصيبعه في موسوعته ” عيون الأنباء في طبقات الأطباء ” إن والد ابو النصر  كان فارسي الأصل تزوج من امرأة تركية ، وأصبح قائداً في الجيش التركي ، وإن الفارابي  قبل ان يدرس الفلسفة اشتغل بالقضاء ، ودرس الطب في بداية شبابه ، لكنه ترك مدينته فارب بعد وفاة أمه وأبيه ، حيث سافر متجولا في ارجاء الامبراطورية البيزنطينية  لاستكمال دراسته  والبحث عن كتب الحكمة  ، وفي الثامنة والثلاثين من عمره ، قصد بغداد ليستقر بها . في صباه كانت له مقدرة كبيرة على الدرس والحفظ حتى أن ابن خلكان يخبرنا في كتابه ” وفيات الأعيان ” إن ابو نصر محمد بن محمد بن طرخان المعروف بالفارابي كان يتباهى بأنه يجيد أكثر من عشر لغات أشهرها العربية والتركية والفارسية ، كتب معظم كتبه بالغة العربية ، لغة الثقافة والفكر في ذلك العصر  ، في بغداد حضر دروس ابو بشر متي بن يونس الذي اشتهر بتدريس المنطق في عصره ، وترجمته الى العربية عدداً كبيراً من كتب أرسطو وبعض محاورات أفلاطون وتقديم شروح لها ، عند ابو بشر متي  تعرف الفارابي على الفلسفة اليونانية وكان مغرما بأرسطو حتى إنه قال لبعض تلامذته إنه قرأ كتاب السياسة لأرسطو أكثر من خمسين مرة ، ووضع كتابا بعنوان ” ما ينبغي ان يقدم قبل تعلم فلسفة ارسطو ” شرح فيه المذاهب التي ظهرت قبل ارسطو ، كما تناول بالتحليل الاهداف التي كان يبتغيها ارسطو في كل كتاب كتبه . يكتب ابن خلكان في وفيات الاعيان ان  الفارابي :” تناول جميع كتب ارسطو وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على اغراضه فيها ” ، ويروى انه سئل : من اعلم الناس بهذا الشأن ، انت ام ارسطو ؟ فاجاب لو ادركته لكنت اكبر تلامذته ، ويعد الفارابي اهم المفسرين لفلسفة ارسطو وخصوصا فيما يتعلق بالمنطق . كما انه حفظ محاورة الجمهورية لأفلاطون عن ظهر قلب ، وإنه في كل صباح كان يقرأ منها صفحات ، ومن بين اساتذته كان ثمة علماء مسيحيون يعيدون اصول تعاليمهم الفلسفية الى مدرسة الاسكندرية تلك المدرسة الفلسفية الافلاطونية التي كانت قد تشكلت في نهاية الحقبة الرومانية ،حيث ان بعض فلاسفتها انتقلوا الى بغداد وأنطاكيا واسيا الوسطى ، وكانت بغداد يوم دخلها الفارابي  قد امضت ما يقارب مئة وخمسون  عاما في ترجمة كتب الفلسفة اليونانية ، وقد انقسمت الفلسفة في بغداد انذاك الى فرقتين ، الاولى نشأت وترعرت في البصرة  وكانت تؤمن بالمادة على حساب الروح ، ولا تناقش إلا على ضوء الظواهر الطبيعية وكل ما يدركه عالم الحس ،وكان على راس هذه المدرسة احد تلامذة الكندي وهو ابو بكر بن محمد الرازي ، الطبيب المشهور ، وكان الرازي لايرى امكان الخلق والوجود من العدم ، لذلك فانه كان يقول بان المادة والنفس والمكان والزمان اشياء ازلية ، كما كانت له وجهة نظر خاصة بالمعجزات  والاديان ، وهو ما جعل البعض يتهمه بالزندقة  برغم ايمانه بوجود الخالق الذي وصفه بانه العلة الاولى لكل الوجود ، اما المدرسة الثانية فكانت قد ترعرت في بغداد  وكانت  تحاول التوفيق بين اراء افلاطون وارسطو ، وسعت الى ايجاد صلات وثيقة بين الدين والفلسفة  وقد أستهوت هذه المدرسة الفارابي الذي سيتفرغ بشكل كامل لدراستها  لمدة ثلاثين عاماً أصدر فيها العديد من المؤلفات كان واحداً منها كتابه الشهير ” الجمع بين رأي الحكيمين ”  .  العام 942 ميلادية  سيغادر بغداد الى دمشق بعد حدوث اضطرابات سياسية ، شهدها عصر الخلفاء المقتدر  والقاهر،  وخوفا من انتقام بعض الذين كانوا يروا في ما يكتبه خروجا على الدين ،  فيما يؤكد بعض الباحثين ان الفارابي حزن حزنا شديدا لوفاة استاذه متي بن يونس ، وشعر بالوحدة  ، فقرر الرحيل الى دمشق التي سيستقر فيها  طلبا للراحة حتى انه اعتزل الناس وعاش فقيرا ، فقد ارتضى ان يعمل حارسا لاحدى المزارع ، لما في نفسه من حب للهدوء والسكينة  ، ويصفه لنا ابن ابي اصيبعة بانه كان ” ضعيف الحال ، دائم  الاشتغال بالحكمة ، والنظر فيها والاطلاع على آراء المتقدمين وشرح معانيها ، يسهر للمطالعة والتصنيف ويستضيء بالقنديل الذي للحارس ” .وفي كتابه وفيات الاعيان يقول عنه ابن خلكان بانه كان :” كثير الانفراد بنفسه ، وكان ازهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن واجرى عليه سيف الدولة الحمداني كل يوم اربعة دراهم ، وهو الذي اقتصر عليها لقناعته ” ، في دمشق سيتفرغ لمراجعة كتابه ” الموسيقي الكبير ” وسينتهي من تاليف كتابه الاهم ” اراء اهل المدينة الفاضلة ” .. وسيتجه الفارابي بعد ذلك الى التصوف ، ويروي لنا ابن القفطي في كتابه ” اخبار العلماء باخبار الحكماء ” ان الفارابي كان عند وصوله الى دمشق ” بزي اهل التصوف ” ، وفي اثناء اقامته في حلب قام برحلة الى مصر لم تدم طويلا فسرعان ما عاد الى بيته في حلب ، وفي عام 950 للميلاد ياخذه سيف الدولة معه الى دمشق ، وبسبب كبر سنه حيث بلغ الثمانين عاما يشعر بالتعب والارهاق ، عندما توقفوا في الغوطه للراحة ، كان الفارابي قد فارق الحياة ، وتم دفنه في دمشق . يكتب المستشرق ماسينون ان :” الفارابي أفهم فلاسفة الاسلام واذكرهم للعلوم القديمة وهو الفيلسوف فيها لاغير

*****

في كتابه ” دعوة الى دراسة الفلسفة ” يكتب ارسطو : ” أيُ معيار لدينا أو مقياس للاشياء الحسنة اكثر دقة من الحكيم ” . وقد كانت لدى الباحثين في التراث الفلسفي العربي اسباب عديدة جعلت بحثهم عن الحكيم  كنموذج يستقر على الفارابي فقد وجدوا فيه شخصية مارست تاثيرا واسعا على درجة من الاهمية في التراث العربي ، ان صورة الفارابي كما رسمها لنا ابن سينا بانه كان المفتاح الذي سهل عليه الدخول الى عالم ارسطو ، فهل كان الفارابي مجرد وسيط لشرح الفلسفة اليونانية ؟ .. تؤكد  كتب الفارابي التي  تجاوزت المئة  ان صاحبها لم يكن مجرد شارح للفلسفة اليونانية ، وانما فيلسوف سعى لنشر الحكمة في بلاد العرب والمسلمين .

الحديث عن فلسفة الفارابي  واختصارها بصفحات قليلة ، امراً ليس بالهين لان صاحبنا ترك لنا كتبا كثيرة ومتنوعة ، فقد قضى حياته في القراءة والتاليف ، ومجرد مراجعة بسيطة لبعض هذه الكتب سنجد الجهد الكبير الذي بذله الفارابي ، والمعلومات الدقيقة التي يقدمها للقارئ ، والاحاطة الشاملة بالموضوع الذي يتناوله ويخبرنا الدكتور عثمان امين في دراسته المهمة ” الفارابي صاحب المدينة الفاضلة ” ، ان فيلسوفنا قضى حياته متأملا يتخذ من افلاطون مثالا في العيش ، يحب العزلة والهدوء ، وختم حياته متصوفا ، وربما يقول البعض ان الفارابي اشتهر بشرح كتب ارسطو ، بينما الحقيقة ان جهود الفارابي لم تقف عند الشرح فقد الف مجموعة من الرسائل قدم فيها وجهة نظر فلسفية خاصة به ، وابرز هذه الكتب ” احصاء العلوم ” و تحصيل السعادة ” و” المدينة الفاضلة ” و ” الجمع بين راي الحكيمين ” ، ولهذا اطلق عليه لقب المعلم الثاني ، بعد ارسطو الذي سمي المعلم الاول ، لانه هو الذي استطاع ان يعرف الاطر التي تطورت بها الفلسفة ، كما برهن على انه منظم فذ للافكار استطاع ان يطور منطق ارسطو ليلبي الاسئلة التي طرحتها الفلسفة في القرن السابع الهجري .

والآن ما معنى الفلسفة عند الفارابي ، وكيف ينظر الى دورها في الحياة ؟

ظل الفاربي يؤكد في معظم كتبه ان الفلسفة ليست مجرد علم منفصل قائم بذاته مثل علوم الرياضيات والطبيعة والطب وغيرها من العلوم ، وانما الفلسفة  هي ” علم كلي ” يقدم لنا صورة شاملة للكون ، وهي نفس الوظيفة التي وضعها افلاطون للفلسفة بانها تعقب للحقيقة :” الفلسفة هي كمال تام متحقق ” ، ومثلما اهتم ارسطو بدراسة المشكلات النظرية والعملية التي تنطوي عليها الحياة البشرية ، اصبحت الفلسفة عند الفارابي هي اكتساب العلم ، وهي ايضا تحتاج الى ” الفيلسوف الكامل ” الذي بمقدوره ان يحصل هذا العلم الكلي ، وتكون له في نفس الوقت القدرة على استخدام هذا العلم ، فالفيلسوف عند الفارابي هو ذلك :” الذي يحصل الفضائل النظرية اولا ، ثم الفضائل العملية ببصيرة يقينية ” ، والفارابي هو اول مفكر عربي يضع فوارق بين الفيلسوف الحقيقي والفيلسوف المزيف الذي يصفه بانه :” يشرع في ان يتعلم العلوم من غير ان يكون موطنّا نحوها ” . ويضع الفارابي شروطا للعمل الفلسفي ان يكون الفيلسوف فيها محبا للصدق والعدل والخير ، وان تكون نفسه صافية من شوائب البغض وشواغل الحواس ، فالفيلسوف ينبغي ان :” يكون له بالفطرة استعداد للعلوم النظرية ” ويحيلنا الفارابي الى الشروط التي وضعها افلاطون لعمل الفيلسوف في محاورته الجمهورية وهي الشروط  التي وضعها الفارابي ايضا في ” اراء اهل المدينة الفاضلة ” ان يكون محبا للصدق واهله والعدل واهله : ” غير جموح ولا لجوج فيما يهواه ، غير شره على الماكول والمشروب ..تهون عليه الشهوات وان يكون كبير النفس عما يشين عند الناس ، وان يكون ورعا ، سهل الانقياد للخير والعدل ، وان يكون قوي العزيمة على الصواب ” ..ولعل هذه النظرية وجدت صداها عند الفيلسوف الهولندي بروخ سبينوزا المولود عام 1622 م ،  حيث رسم لنا في كتابه الاخلاق الصادر عام 1677 م ، الخط الفاصل بين الشخص الحكيم – الفيلسوف – الواعي لنفسه ، المتفحص لمشاعره ، المتوافق مع قوانين الله والطبيعة ، والشخص الجاهل  المشتت الذهن الذي تقوده الشهوة دون ان يكون لديه اية معرفة ذاتية ” ، ومثل الفارابي يكتب سبينوزا ان طريق الفلسفة ” صعبة بقدر ما هي نادرة ”  وربما يسأل البعض : كيف تم نقل آراء الفارابي إلى سبينوزا ؟ ، تخبرنا كتب تاريخ الفلسفة ان الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون المولود عام 1138 للميلاد في مدينة قرطبة ، والذي قضى سنوات طويلة من عمره في مصر كان له الفضل في نقل اعمال الفارابي الى العبرية ثم نقلت فيما بعد الى اللاتينية ، وقد حاول ابن ميمون ان يؤسس فلسفة تجمع بين ارسطو والفارابي ، ولعل كتابه ” دلالة الحائرين ” دليل على تاثره بالفلسفة الاسلامية وخصوصا عند الفارابي وابن رشد ، وفي مقدمة كتاب ” موسى بن ميمون “، يكتب  الشيخ مصطفى عبد الرزاق  إن :” موسى ابن ميمون يعدُّ من الفلاسفة المسلمين! والدارس للثقافة الإسلامية حين يقرأ كتابه “دلالة الحائرين” يرى أن موسى بن ميمون حتى في مناقشاته لنصوص التوراة، إنما يصدر عن فكرٍ وثقافةٍ إسلامية فقد عاش طوال حياته بين مسلمين  ” ،

ولعل الفارابي بهذه التقسيمات والتعريفات يكون اول من وضع في تاريخ الفكر الفلسفي العربي مهمة او غاية تقوم عليها الفلسفة ، والتي حددها بانها توحد بين النظر الى الاشياء والعمل على تفسيرها ، وتجعل الفعل منبثقا من الفكر انبثاقا عفويا طبيعيا لا قسر فيه ولا تعنت ، وايضا هو من بين الفلاسفة الذي تطابقت حياته مع فلسفته ، فتخبرنا سيرته انه عاش على وفاق مع المباديء التي وضعها في كتبه ، وحاول ان يكون فيلسوفا في سلوكه اليومي وفي ما يقدمه للناس من معرفة ، لقد ارسى الفارابي في تاريخ الفلسفة العربية  تقليدا في العودة الى المصدرين الاولين للتحري الفلسفي ، ألا وهما افلاطون وارسطو ، من دون تجاهل التطورات الفلسفية اللاحقة ومساهمتها في علوم الانسان والطبيعة ، وكان مما يؤخذ على الفلسفة في عصر الفارابي ما اشاعه خصومها من رجال الدين بانها لو كانت تستطيع الوصول الى الحقيقية  لما اختلفت مناهج فلاسفتها وضربوا مثلا باختلاف اراء فلاطون وارسطو ، وكانت هذه المحاولة  هي من اشد الخصومات التي واجهت الفلسفة حيث اراد رجال الدين محاربة الفلسفة بسلاحها الذي هو العقل ، وقد اخذ الفارابي على عاتقه مهمة الدفاع عن الفلسفة ومنهجها فكان ان اصدر كتابه ” الجمع بين اراء الحكيمين افلاطون وارسطو ” والتي اكد في مقدمته :”  ولما رايت اكثر اهل زماننا قد تخاصموا وتنازعوا في حدوث العالم وقدمه ، وادعوا ان بين الحكيمين المقدمين خلافا في اثبات المبدع الاول – الخالق – وفي وجود الاسباب منه ، وفي امر النفس والتعقل ، وفي المجازاة على الافعال خيرها وشرها ، وفي كثير من الامور المدنية والخلقية والمنطقية ، اردت في مقالتي هذه ان اشرع في في الجمع بين رأييهما ، ليزول الشك والارتياب عن قلوب الناظرين في كتبهما ” . يقول الفارابي ان التناقض بين افكار كل من افلاطون وارسطو يعود الى ثلاثة اسباب : اولها السلوك الشخصي ، والثاني المنهج العلمي واخيرا العقائد الفلسفية التي يحددها باربع نقاط علم المنطق ونظرية المعرفة وعلوم ماوراء الطبيعة – الميتافيزيقيا – والفلسفة العملية . وفيما يتعلق بالسلوك الشخصي ، فان افلاطون يبدو كزاهد غير مشغول بشؤون هذا العالم ، ويؤكد الفارابي ان المسلمون يجهلون شباب افلاطون ومغامراته السياسية في جزيرة صقلية ، اما ارسطو فعلى العكس هو رجل عادي ، تزوج مرتين وكان له اولاد واموال  وعلاقات صداقة مع الملوك ، لكن هذه الحياة الخاصة بارسطو هي التطبيق العملي لنظريات افلاطون ، والذي يؤكد ان الحياة في المجتمع فقط هي التي تسمح بتحقيق المثالية الانسانية ، وبالتالي يرى الفارابي ان فروق السلوك بين افلاطون وارسطو تعتمد على اختلاف طباعهما ، لانهما حسب قوله متفقان في اصول الفلسفة ، وفي اهدافها ، ومقاصدها ، لكن الاختلاف بينهما في اسلوب الاداء  ..يكتب ماجد فخري في كتابه ” دراسات في الفكر العربي ” ان للفارابي يعود الفضل في تاليف اول عرض متسق لفلسفة افلاطون وارسطو  بالعربية ، والى الفارابي يعود الفضل بانه اول من وضع اوسع نظام فلسفي عام ، في اوسع مؤلفاته وهو ” آراء اهل المدينة الفاضلة ” .

ياخذ العقل مكانة هامة في فلسفة الفارابي ولهذا يفرد له رسالة بعنوان ” مقالة في معاني العقل ” يشرح فيها معانيه المختلفة والتي يقسمها الى : عقل عملي ، ووضيفته معرفة الصناعات ، والمهن  ويعرفه بانه ” هو قوة بها يحصل الانسان على كثرة تجارب الامور ، وطوال مشاهدة الاشياء المحسوسة ، مقدمات يمكنه بها الوقوف  على ما ينبغي ان يؤثر ، ويجتنب في شيء من الامور التي فعلها الينا ” ، وعقل نظري ، وهو الذي يحوز به الانسان المعرفة ـ واذا كانت النفس كمال الجسم ، فان العقل هو كمال النفس ، وما الانسان الا العقل على الحقيقة .. ويرى الفارابي ان المعرفة العقلية اكثر سموما من العمل الاخلاقي . وان الانسان والحيوان  يشتركان في الاحساس ، والنزوع ، ويمتاز الانسان بارادته الصادرة عن الفكر والروية

ويبني الفارابي فلسفته عن العقل من خلال خلال طرحه لسؤال مهم : هل الانسان مخير أم مسير ؟ يقول الفارابي ان فعل الاختيار عند الانسان يحدث عندما تعمل القوى الطبيعية للانسان بشكل عقلي ، وهو يرى ان ارادة الانسان حرة ، لكن لها علة ، فالانسان يستطيع ان يختار بين ما هو ممكن ، على الرغم من انه يمكن ان يرغب بما هو مستحيل ، إلا ان العقل الانساني يجب على حد تعبير الفارابي ان يضيء الواقع بصورة مسبقة ، فتكون الافعال المختارة تتبع نتائج الفعل العقلي فقط .. فحرية الانسان واختياراته تتمثل في قدرته على ان يريد ما هو ممكن ، ما دام قد علم من خلال العقل انه ممكن ، وبالتالي فالاختيار والجبر تتعلقان بحدود المعرفة الانسانية .

اما السعادة والتي تناولها في اكثر من كتاب اشهرها ” تحصيل السعادة ” و كتاب ” السياسة المدنية  فهي في نظر الفارابي :” الخير على الاطلاق وكل ما ينفع في ان تبلغ به السعادة وتنال به ، فهو ايضا خير لا لاجل ذاته ، لكن لاجل نفعه في السعادة وكل ما عاق عن السعادة بوجه ما ، فهو الشر على الاطلاق ” ، ويؤكد الفارابي على ان بلوغ السعادة يتحقفق بزوال الشرور عن المدن ، وعن الامم .

يخصص الفارابي بعض من رسائله وكتبه لموضوعة العقل والذي يعتبره ” اكثر الاجزاء سموا في النفس البشرية ” ، وقد بذل في شرح مفهوم العقل ووظائف جهودا كبيرة ، حيث انطلق من المفهوم العام

*******

يعد كتاب ” اراء اهل المدينة  الفاضلة  ” الذي سار فيه  الفاربي على خطى أفلاطون ، محاولاً بناء عالم مشابه لما جاء به أفلاطون في ” الجمهورية ، : ” إنما البشر، على تنافرهم، محتاجون الى الاجتماع والتعاون” . أي أن الإنسان، وفق مفهوم الفارابي : ” لا يستطيع أن يبقى وأن يبلغ أفضل كمالاته إلا في المجتمع. وهو يصف لنا مدينته الفاضلة بأنها : ” شبيهة بالجسم الكامل التام، الذي تتعاون أعضاؤه لتحقيق الحياة والمحافظة عليها” ، وكما أن :”مختلف أجزاء الجسم الواحد مرتّبة بعضها لبعض، وتخضع لرئيس واحد، هو القلب، كذلك يجب أن تكون الحال في المدينة” . وكما أن “القلب هو أول ما يتكوّن في الجسم، ومن ثم تتكوّن بقية الأعضاء فيديرها القلب، كذلك رئيس المدينة” . والرئيس هو إنسان تحققت فيه الإنسانية على أكملها. وهي الفكرة المستعاره بحذافيرها من أفلاطون، وقد سعى الفارابي الى توجيه الفلسفة وجهة سياسية واجتماعية ، فهدف الفيلسوف في المجتمع أن يكون هادياً ومُهدياً للناس ” يهديه العقل بنوره ، فيُهدي هو الناس على ضوء ذلك النور نفسه ” .وقد كتب الفارابي العديد من المؤلفات التي شرح فيها وجهة نظره بالسياسة وأنظمة الحكم وعلاقة المجتمع بالحاكم ، وعلاقة الحاكم بالشعب ، وأشهر كتبه في هذا المجال ” كتاب تحصيل السعادة ” و” رسالة في التنبيه على سبيل السعادة ” وجوامع كتاب النواميس لأفلاطون ” و” كتاب المبادئ الأساسية “و الملة الفاضلة ” و” رسالة في آراء أهل المدينة الفاضلة ” و ” كلام أبي نصر الفارابي في وصايا يعم نفعها جميع من يستعملها من طبقات الناس ” ..وهكذا نرى أن الآراء السياسية كانت تشغل الفارابي كثيراً ، وإنه لم يدع مناسبة إلا وعالج فيها السياسة بمختلف نواحيها .. ولعل الغاية التي سعى إليها الفارابي ليست العمل في السياسة وإنما الارشاد الى سبل تحصيل السعادة من خلال إقامة مجتمع عادل ، وإن هذا المجتمع لايقوم على جهود أفراد معينين فقط :” فليس ممكن أن يبلغها الإنسان وحده بانفراده ، دون معاونة أناس كثيرين له ، وإن فطرة كل إنسان أن يكون مرتبطا بغيره ” ..ويضع لنا الفارابي تعريفاً لنظام الحكم بأنه نظام الحكم الذي يتضافر فيه الناس معاً ، ويتعاونون ، بهدف أن يصبحوا فضلاء ، ويقوموا بأنشطة نبيلة ، ويبلغوا السعادة .ويصر الفارابي على أن الحكمة أو الفلسفة شرط لايمكن الاستغناء عنه لتأسيس المدينة الفاضلة وبقائها ، وعندما يحصي الفارابي صفات الحاكم الأمثل ، أو مؤسس المدينة الفاضلة ، أن يمتلك الملكة العاقلة الممتازة ، وأن يفهم معنى السعادة البشرية ، والكمال ، ولهذا يؤمن الفارابي إنه ليس كل عضو من أعضاء المدينة الفاضلة يصلح لأن يكون رئيساً :” ورئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي أنسان ، وإنما يكون ذلك في أهل الطبائع العظيمة الفائقة ” ورئيس المدينة الفاضلة يجب أن تجتمع فيه اثنتا عشرة ميزة : أن يكون تام الأعضاء ، أن يكون جيد الفهم والتصور ، جيد الحفظ لما يفهمه أو يدركه ، جيد الفطنة ذكياً ، حسن العبارة ، محباً للتعليم ، غير شرهٍ في المأكول والمشروب ، محباً للصدق وأهله ، مبغضاً للكذب وأهله ، كبير النفس محباً للكرامة ، أن يكون الدرهم والدينار وسائر الدنيا هينةً عنده ، أن يكون محباً للعدل وأهله ، مبغضاً للجور والظلم وأهلهما ، أن يكون عادلاً غير صعب القيادة ولاجموحاً ولا لجوجاً ، قوي العزيمة جسوراً غير خائف ولا ضعيف النفس ” . ويؤمن الفارابي إن اجتماع هذه الخصال جميعها في إنسان واحد أمر صعب المنال ، وإذا خلت المدينة من رجل بهذه الصفات ، وكانت موزعة بين عدد من الأشخاص ، وكان اولئك الأشخاص متلائمين ، كانوا هم الرؤساء الأفاضل .إلا إنه إذا اجتمعت الصفات كلها في عدة أشخاص ما عدا الحكمة ، فان المدينة الفاضلة تبقى ” بلا ملك أو رئيس ، فان لم يتفق أن يوجد حكيم تضاف إليه لم تلبث المدينة بعد مدة أن تهلك ” ..يكتب إميل برهييه :” كما أصلح الفلكيون العرب أخطاء بطليموس وغيره ، كذلك حسنوا ما خلفه لهم معلموهم الإغريق من تراث سياسي ، فكتاب الفارابي آراء أهل المدينة الفاضلة يضاهي في الواقع إن لم يتفوق على ما جاء من المصادر السياسية عند أفلاطون وأرسطو ” .

وتكمن اهمية الاراء السياسية التي والاجتماعية التي جاء بها كتاب ” اراء اهل المدينة الفاضلة ، ان الفارابي سبق بها العديد من فلاسفة الغرب ، ولعل ابرزها نظرية العقد الاجتماعي . يكتب الفارابي في اهل المدينة الفاضلن ان ” قوم راوا ان الارتباط هو بالايمان والتحالف والتعاهد على كل ما يعطيه لكل انسان من نفسه ولا ينافر الباقين ولا يخذلهم ” وهي نفس الفكرة التي جاء بها جان جاك روسو بعد سبعمائة سنة في كتابه ” في العقد الاجتماعي ” حيث يكتب :” ان الانسان لم يكن بالسلمي ولا بالهمجي وانما كان انسانا طبيعيا ، ولما اراد ان يعيش بسلام عمد الى الاتفاق مع اخيه الانسان . وسمي هذا الاتفاق بالعقد الاجتماعي ” .. ويكتب الفارابي في نظرية البقاء للاصلح  :” ان كل واحد منها هو الذي قصد او يجاز له وحده افضل الوجود دون غيره .فذلك جعل له كل ما يبطل به ما كان ضارا له وغير نافع له ” ، وهي النظرية التي جاء بها فيما بعد تشارلز داروين حين قال ان البشر انما كانوا مكونين من مجموعات صغيرة تتنازع فيما بينها ، فيبقى الاصلح منها .

يعد الفارابي من اصحاب الثورات الفكرية في التاريخ ، ومن المفكرين الذين ناضلوا في سبيل الافكار التي امنوا بها ، فهو ظل طوال حياته يهاجم الخرافات الموجودة في المجتمع ، والتي كان الخروج عليها آنذاك بمثابة خروج على التقاليد والدين والاعراف .

 

 

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0