فكر مختارات مقالات

إيليا إيرنبورغ : كاتب المقالات الأعظم

إيليا إيرنبورغ :
كاتب المقالات الأعظم

بقلم: جودت هوشيار

حين شن الجيش الهتلري هجوماً واسعاً على الاتحاد السوفييتي في 21 حزيران عام 1941 ، توجه مشاهير الكتّاب والأدباء السوفيت الى مقرات الصحف السوفيتية الكبرى ، للعمل كمراسلين لها . يقول إيرنبورغ في مذكراته الرائعة ” الناس والأعوام والحياة ” أنه ما ان سمع من الأذاعة خبر الهجوم الألماني حتى هرع الى إدارة صحيفة” كراسنايا زفزدا ” أي ” النجم الأحمر” اليومية الناطقة بأسم وزارة الدفاع السوفيتية ، وقال لرئيس التحرير : ” اضع نفسي تحت تصرفكم للقيام بأي مهمة في جبهات القتال ” . وهكذا أصبح مراسلاً حربياً للصحيفة ، وشارك في تغطية المعارك الكبرى بين الجيشين السوفيتي والألماني . ولم يكن يبعث بالأخبار الحربية الساخنة فقط ، بل أن جل إهتمامه إنصب على استنهاض همم الشعب السوفييتي وخاصة قواته المسلحة . كان يكتب أكثر من مقال يومياً ، ينشر على الفور في الصحف المركزية ” برافدا” و” ازفيستيا” و” كراسنايا زفزدا” . ويذاع أيضاً من محطات الأذاعة باللغة الروسية .

وكان يكتب في الوقت نفسه مقالات للمحطات السوفيتية الناطقة باللغات الأجنبية ، وخاصة تلك الموجهة الى الرأي العام الغربي. فقد كتب مقالات عديدة لمجلة “تايم” وصحيفة” نيويورك تايمس ” الأميركيتين ، وصحيفة ” التايمس ” البريطانية . وكانت وكالات الأنباء العالمية توزع مقالات ايرنبورغ على آلاف الصحف الورقية في انحاء العالم . فعلى سبيل المثال ، كانت وكالة ” يونايتيد بريس ” الأميركية توزعها على أكثر من ( 1500) صحيفة ورقية .

عاش ايرنبورغ الجزء الأكبر من حياته في باريس والعواصم الغربية الأخرى مراسلا لصحيفة ” ازفيستيا ” ، ويعرف ثقافة الشعوب الأوروبية معرفة عميقة ، لذا كانت المقالات الموجهة الى الغرب ، تختلف عن تلك الموجهة الى الشعب السوفيتي

كان المواطنون السوفييت وخاصة أفراد الجيش ، يتلهفون لقراءة مقالاته أو سماعها من محطات الأذاعة المركزية . كان ايرنبورغ يسخر في مقالاته من جنود هتلر ويتهكم عليهم . ولقد شاع لقب ( فريتس ) الذي اطلقه على الجنود الألمان ، وانتشر يسرعة ، كما النار في الهشيم عبر سلسلة مقالاته ” فريتس الفيلسوف ” و” فريتس الكاتب ” و” فريتس البيولوجي ” و و” فريتس المؤرخ ” و” فريتس المتهتك ” و” فريتس الرقيق” . كان الضباط السوفييت يقرؤون مقالاته على الجنود قبل بدأ المعركة . ومن الطريف ، ان السجائر لم تكن متوفرة للجنود في جبهات القتال ، لذا كانوا يلجؤون الى صنع ( سجائر اللف ) من أوراق الجرائد . وقد أصدرت قيادة احدى الفرق العسكرية أمراً ينص على جواز استعمال ورق الجرائد للف السجائر ، ما عدا تلك التي تحتوي على مقالات ايرنبورغ.

كان تأثير هذه المقالات قوياً الى درجة أن هتلر أصدر أمراً بإعدام إيرنبورغ فور دخول الجيش الألماني الى موسكو .ولكن حلم هتلر تحطم على أبواب مدينة موسكو البطلة .

كان ايرنبورغ اللسان الناطق للشعب السوفيتي – المتعدد القوميات والأديان – وسلاحه الفكري والنفسي البتار ، لذا خصصت الحكومة السوفيتية قوة لحمايته من أي إعتداء قد يقوم به عملاء هتلر الذين كانوا يخططون لأغتياله .

مقالات إيرنبورغ خلال سنوات الحرب الدامية بين الجيشين السوفيتي والالماني – الذي يطلق عليه الروس اسم ” الحرب الوطنية العظمى ” – يربو عددها على ثلاثة آلاف مقال – جمعت في ثلاث مجلدات ضخمة وصدرت في عدة طبعات . كل مقال منها نموذج لا يجارى للمقال الصحفي الجاذب ، بجمله القصيرة كالطلقات وافكاره وصوره ه المؤثرة في العقول والنفوس . فهو بحق كاتب المقالات الأعظم دون منازع بين الكتّاب الذين يشكل المقال جانبا كبيرا من أعمالهم ، وهويستحق هذا الوصف أكثر من جورج أورويل .

كان ايرنبورغ يعتقد أن المادة الخام للصحفي والكاتب هي من منبع واحد وهو الحياة وإن اختلفت في الصياغة لدى كل منهما .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0