سياسة مقالات

سياسة خارجية عراقية متوازنة

سياسة خارجية عراقية متوازنة

بقلم: محمد كريم الخاقاني. اكاديمي وباحث في الشأن السياسي

تعد السياسة الخارجية لكل دولة إنعكاس لإوضاعها داخلياً، فكلما كانت الدولة مستقرة من الناحية السياسية والأمنية، كلما كان ذلك مؤشراً جيداً لإنتهاج سياسة خارجية لها والتعامل مع غيرها من الدول في إطار إحترام متبادل لأسس إقامة العلاقات الودية بين الدول، فضلاً عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهذا ما كفلته القواعد القانونية والأعراف الدولية بهذا الخصوص، ومن هنا نرى بإن لكل دولة، الحق في إقامة العلاقات مع من تشاء من الدول الاخرى بشرط ما تم ذكره آنفاً.
فالعراق منذ إنتهاء حربه العسكرية مع تنظيم داعش الإرهابي، يسعى الى إنتهاج سياسة خارجية متوازنة، تحقق له اهدافه مع محيطه الإقليمي وتبعده عن الصراعات الدائرة في تلك المنطقة، فمن الأفضل هنا ان يبتعد العراق عن سياسة المحاور والوقوف بجانب طرف على حساب آخر، وهذا بإعتقادي يوفر مساحة كافية للتحرك وإستعادة رونق الخارجية العراقية من جديد، فالعراق بحاجة الى ترميم علاقاته مع الدول وبما يؤمن مصالحه، فكل علاقات العالم قائمة على اساس تبادل المنافع والمصالح، ولا يشذ العراق عن تلك العلاقات، وبالتالي ينطلق العراق من رؤية في سياسته الخارجية مفادها التوازن في إقامة العلاقات والتأسيس لدور جديد في سياسته الخارجية تقتضي الإنفتاح من جهة على دول العالم، والتوازن من الجهة الأخرى.
ومثلما كان الوضع بعد صدمة داعش وما تلاه من إحتلال لثلثي مساحة العراق في سابقة تأريخية ومهددة لشكل الدولة الويستفالية ومحاولات بعض الدول السير في طريق إضعاف العراق اكثر واكثر، فكانت الدبلوماسية العراقية على قدر المسؤولية وتحمل الصعاب واخذت على عاتقها، الإنفتاح اكثر على دول العالم وضرورة توضيح الرؤية العراقية بحقيقة الوضع العراقي من الداخل والإستعداد لمعركة ضارية مع عصابات القتل والتكفير الداعشي، ونجحت في تحشيد الدعم والتأزر الدولي لقضيته الوطنية وبالفعل نجحت الدبلوماسية العراقية في جذب إنتباه العالم بإسره الى حقيقة ما جرى في العراق، وهو ما ساعد فعلياً في القضاء على تلك المجاميع الإرهابية والنصر عليها بفعل تعاون دولي قل نظيره في الوقت الحاضر، إذ توحدت الرؤية العالمية للخلاص من براثن داعش الجاثمة فوق الأرض العراقية، ومن هنا ابتدأت قصة النجاح الدبلوماسي العراقي في تبديل النظرة السابقة للعراق في المحافل الدولية وتمكنت من تبوء مناصب قيادية في المنظمات الدولية نتيجة الجهود الدبلوماسية التي بُذلت من اجل تحقيق المنجز الدبلوماسي وهذا لم يكن ليتحقق لولا الإصرار والتفاعل العراقي، ومرة اخرى تستلهم الدبلوماسية العراقية جهودها وإمكانياتها من جديد لتحقيق ما تهدف الوصول اليه، فكل دولة لديها اهداف سواء على المستوى القريب او المتوسط او البعيد، وهو ما يشكل حركة الدبلوماسية العراقية، فالنجاح العراقي الحالي يتمثل في إنتهاج طريق التوازن في إقامة العلاقات الخارجية مع الدول، فالعراق اصبح محط إهتمام العالم وذلك عبر كسب وده من قبل الدول وتعزيز علاقاتها معه، وتعكس الزيارات الرفيعة المستوى لبعض المسؤولين الى العاصمة بغداد، مدى الإهتمام الدولي بالعراق، ومن هنا كانت الدبلوماسية العراقية تسير بخطوات مدروسة ومحسوبة لتحقيق الأهداف العراقية على المستوى الخارجي، فلقد نجحت في تحقيق بعض ما تأمل الحصول عليه عبر الحوار الإستراتيجي العراقي الأمريكي بجولتيه الأولى والثانية، وتمخضت عن مجموعة مهمة من الإتفافيات الثنائية في المجالات العسكرية والإقتصادية والأمنية مع الجانب الأمريكي.

ونستطيع القول بإن الدبلوماسية العراقية تسير نحو صناعة نجاحات في سياستها الخارجية القائمة على التوازن في إقامة العلاقات مع الدول،ولذلك إنتهج العراق سياسة واقعية على المستوى الخارجي آخذة بنظر الإعتبار ضبط بوصلة علاقات العراق وبما ينسجم مع الرؤية الجديدة للسياسة الخارجية الجديدة، وبما يعود بالنفع العام عليها، فالعراق وفقاً لتلك المنطلقات قد حقق اهدافه الخارجية في ظل توتر اوضاع المنطقة.
*مقال منشور في صحيفة الصباح ١٣_١٠_٢٠٢٠

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي