فكر مختارات مقالات

لودفيج فتجنشتين: عن الأخلاق

ترجمة: مصطفى هندي – تحرير: عبير الشهري
————————————————
ألقى لودفيج فتجنشتين محاضرة عن الأخلاق في كامبريدج في 17 نوفمبر 1929. كان فتجنشتين يبلغ من العمر في ذلك الوقت أربعين عامًا، وكان قد عاد لتوه إلى كامبريدج والفلسفة الأكاديمية بعد أكثر من عقد من الزمان. كان الجمهور مجموعة تسمى بـ “جماعة الهراطقة The Heretics” الذين لم يكونوا فلاسفة أكاديميين؛ وقد تأسست هذه المجموعة؛ لتشجيع مناقشة مشكلات الدين والفلسفة، وكان من بين المتحدثين السابقين لدى هذه الجماعة: فرجينيا وولف، وكان من بين أعضائها السابقين صديق فيتجنشتين العزيز ديفيد بينسنت David Pinsent الذي توفي في الحرب العالمية الأولى.

دُعي فتجنشتين للمحاضرة عن طريق تشارلز جاي أوجدن، أحد مؤسسي الجماعة والذي كان له دور محوري في نشر كتاب “رسالة منطقية فلسفية” عام 1922.

إن “محاضرة حول الأخلاق” -كما هي معروفة- عملٌ فريدٌ من نوعه بين أعمال فيتجنشتين الفلسفية، فهي المحاضرة الوحيدة التي قدمها لجمهور عام غير فلسفي، وهي العمل الوحيد الذي أعده فيتجنشتين كاملا حول الأخلاق، وهي المحاضرة الوحيدة التي توجد منها العديد من المسودات الكاملة، وتشير المسودات الأربع الموجودة للمحاضرة إلى أن فتجنشتين تحدث مباشرة من نصه المُعَد، على غير عادته؛ كل هذه الصفات تعطي هذه المحاضرة أهمية خاصة. [1]

السيدات والسادة..

قبل أن أبدأ حديثي عن موضوعي الذي اخترته، دعوني أدلي ببعض الملاحظات التمهيدية.

أشعر أني سأواجه صعوبات كبيرة في توصيل أفكاري إليكم، وأعتقد أن سردها لكم منذ البداية قد يخفف من وطأة هذه الصعوبات. أولها -وعلى الأرجح، أنني لا أحتاج إلى ذكره-هو أن اللغة الإنجليزية ليست لغتي الأم، وبالتالي فإن تعبيراتي تفتقر غالبًا إلى الدقة والبراعة التي تكون مطلوبة دائما إذا تحدث المرء عن موضوع صعب؛ كل ما يمكنني فعله هو أن أطلب منكم أن تجعلوا مهمتي أسهل بمحاولة الوصول إلى ما أرمي إليه، وتتغاضوا عن الأخطاء التي سأرتكبها باستمرار مخالفًا قواعد اللغة الإنجليزية.

الصعوبة الثانية: هي أنه ربما قد أتى الكثير منكم إلى هذه المحاضرة ولديهم توقعات خاطئة إلى حد ما، ولتصحيح الأمر في هذه المرحلة، سأقول بضع كلمات حول سبب اختيار الموضوع الذي اخترته: عندما شرفني وكيلكم السابق، بطلب إلقاء محاضرة في مجلسكم الموقر، كان أول ما فكرت به هو أنني بالتأكيد سأفعل ذلك؛ وكانت فكرتي الثانية هي: أنه طالما أن الفرصة قد أتيحت لي للتحدث إليكم، فيجب أن أتحدث عن شيء أحرص على توصيله إليكم، وأنه لا ينبغي أن أسيء استخدام هذه الفرصة وأحاضركم حول المنطق على سبيل المثال؛ إنني أسمي هذا إساءة استخدام إذا تناولتُ في هذه المحاضرة شرح مسألة علمية، لأن الأمر حينها سيحتاج إلى دورةٍ كاملة من المحاضرات، وليس إلى محاضرة مدتها ساعة.

كان هناك بديل آخر، وهو إلقاء ما يسمى “محاضرة علمية شعبية”، وهي محاضرة تهدف إلى جعلك تعتقد أنك تفهم شيئًا، وأنت لا تفهمه حقًا، كما تسعى إلى إرضاء ما أعتقد أنها إحدى أدنى رغبات المعاصرين، ألا وهي الفضول الساذج للاطلاع على أحدث الاكتشافات العلمية. لقد رفضت هذه البدائل، وقررت التحدث معكم حول موضوع يبدو لي أنه من الأهمية بمكان، على أمل أن يساعد ذلك على توضيح أفكاركم حول هذا الموضوع (حتى لو اختلفتم تمامًا مع ما سأقوله عنه).

الصعوبة الثالثة والأخيرة: هي الصعوبة التي تتعلق بالمحاضرات الفلسفية الطويلة، حيث يكون المستمع غير قادر على رؤية كلٍ من الطريق الذي يقوده فيه المحاضر، والهدف الذي يرمي إليه، وهذا يعني أنه: إما أن يقول “أفهم كل ما يقوله، ولكن ما الذي يرمي إليه من وراء هذا؟” أو أنه سيقول “أرى ما يرمي إليه، ولكن أنّى له الوصول إليه؟” كل ما يمكنني فعله أن أطلب منكم -مرة أخرى-التحلي بالصبر، على أمل أن تروا في النهاية كلًا من الطريق والهدف الذي تؤدي إليه.

سأبدأ الآن؛

موضوعي -كما تعلمون-هو الأخلاق؛ وسأعتمد التعريف الذي ذكره البروفيسور مور في كتابه Principia Ethica برنكيبا إثيكا [أصول الأخلاق]، حيث يقول: “الأخلاق هي البحث العام فيما هو جيد”. سأستخدم الآن مصطلح “الأخلاق” بمعنى أوسع قليلاً، بحيث يشمل ما أعتقد؛ أنه الجزء الأساسي لما يسمى عمومًا “الجماليات/علم الجمال”. ولتوضيح الأمر إليكم قدر الإمكان حول ما أعتبره موضوعَ علم الأخلاق، سأضع أمامكم عددًا من التعريفات المترادفة، والمتقاربة على مستويات مختلفة، بحيث يمكن استبدال كل منها بما قبله؛ ومن خلال تعداد هذه التعريفات، أريد إنتاج نفس نوع التأثير الذي أنتجه غالتون، عندما التقط عددًا من الصور لوجوه مختلفة، على نفس لوحة التصوير الفوتوغرافي للحصول على صورة للسمات النموذجية التي تشترك فيها جميعًا. فكما أنه عن طريق تقديم مجموعة من الصور يمكنني أن أجعلكم تصلوا إلى مميزات الوجه الصيني التقليدي مثلا، فلنقل إنه عن طريق تقديم مجموعة من التعريفات المترادفة، آمل أن تتمكنوا من رؤية السمات المميزة التي تشترك فيها جميعها، وستكون هذه هي السمات المميزة للأخلاق.

الآن، بدلاً من قول إن “الأخلاق هي البحث في ما هو جيد” كان يمكن أن أقول “الأخلاق هي البحث في ما هو ذو قيمة” أو “في ما هو مهم حقًا”، أو كان يمكنني أن أقول “الأخلاق هي البحث في معنى الحياة” أو “في ما يجعل الحياة تستحق أن تُعاش”، أو “البحث في طريقة العيش الصحيحة”.

أعتقد أنه إذا نظرتم إلى كل هذه العبارات، فستحصلون على فكرة تقريبية حول ما يبحثه علم الأخلاق.

الآن، أول ما يلفت النظر حول كل هذه التعريفات؛ هو أن كل واحدٍ منها يُستخدم بالفعل بمعنيين مختلفتين تمامًا؛ سأسمي الأول المعنى العادي أو النسبي، والثاني المعنى الأخلاقي أو المطلق. على سبيل المثال، إذا قلت إن هذا كرسي جيد، فهذا يعني أن الكرسي يؤدي غرضًا محددًا مسبقًا، وأن كلمة “جيد” هنا لها معنى فقط بقدر ما ترتبط بهذا الغرض المحدد مسبقا. في الواقع، كلمة “جيد” بالمعنى النسبي تعني ببساطة الوصول إلى هدف/مستوى محدد مسبقًا. وهكذا عندما نقول إن هذا الرجل “عازف بيانو جيد” فإننا نعني أنه يمكن أن يلعب مقطوعات لها درجة معينة من الصعوبة بدرجة معينة من البراعة. وبالمثل، إذا قلت إنه من المهم بالنسبة لي ألا أصاب بالبرد، فهذا يعني أن الإصابة بنزلة برد تؤدي إلى اضطرابات معينة في نظام حياتي يمكن وصفها؛ وإذا قلت إن هذا هو الطريق الصحيح، فهذا يعني أنه الطريق الصحيح بالنسبة إلى غاية معينة.

وبهذه الطريقة لا تمثل هذه التعبيرات أي مشاكل صعبة أو عميقة؛ لكن ليست هذه هي الطريقة التي تُستخدم بها في الأخلاق. لنفترض أنني أستطيع أن ألعب التنس، ورآني أحدكم وأنا ألعب وقال “أنت تلعب بشكل سيئ جدًا، فأجبته أعرف، أنا ألعب بشكل سيئ، لكنني لا أريد أن ألعب بشكل أفضل” فكل ما يمكن للرجل الآخر أن يقوله حينها “لا بأس إذن، هذا مقبول”. ولكن لنفترض أنني أخبرت أحدكم بكذبة خرقاء، فجاء إليّ قائلا “أنت تتصرف كوحش”، وكانت إجابتي “أعرف أنني أتصرف بشكل سيء، ولكن لا أريد أن أتصرف بشكل أفضل”، هل سيقول حينها “لا بأس إذن، هذا مقبول”؟ بالتأكيد لا؛ بل سيقول “يجب أن تريد أن تتصرف بشكل أفضل”. هنا لدينا حكم قيمي مطلق، في حين أن المثال الأول كان حكمًا نسبيًا. يبدو أن جوهر هذا الاختلاف هو بوضوح: كل حكم نسبيّ القيمة هو مجرد بيان لحقائق/وقائع، وبالتالي يمكن وضعه في صيغة مجردة عن كل مظهر لحكم قيمي: فبدلاً من القول “هذا هو الطريق الصحيح لجرانشيستر”، كان يمكن أن أقول بنفس المعنى “هذه هي الطريق التي يجب أن تسلكها إذا كنت تريد الوصول إلى جرانشيستر في أقصر وقت”، بالمثل “هذا الرجل عدّاء جيد” يعني ببساطة أنه يقطع عددًا معينًا من الأميال في عدد معين من الدقائق…وهكذا.

الآن ما أود قوله هو: أنه على الرغم من أن جميع الأحكام نسبية القيمة يمكن أن تظهر على أنها مجرد بيانات للحقائق/للواقع، فلا يمكن أن يكون لأي بيان عن الواقع أن يتضمن حكمًا قيميًا مطلقًا.

دعني أشرح هذا: لنفترض أن أحدكم كان شخصًا كامل العلم، وبالتالي يعرف مجموع حركات جميع أجساد العالم الميت منها والحي، ويعرف أيضًا جميع الحالات العقلية لجميع البشر الذين عاشوا؛ لنفترض أن هذا الرجل كتب كل ما يعرفه في كتابٍ كبير، ومن ثم سيحتوي هذا الكتاب على الوصف الكامل للعالم؛ وما أريد أن أقوله هو أن هذا الكتاب لن يحتوي على أي شيء يمكن أن نسميه حكماً أخلاقياً، أو أي شيء قد يتضمن من الناحية المنطقية مثل هذا الحكم؛ سيحتوي الكتاب بالطبع على جميع الأحكام النسبية، وجميع القضايا العلمية الصادقة، وفي الواقع سيضم جميع القضايا الصادقة الممكنة. لكن كل الحقائق الموصوفة، كما هي، ستكون على نفس المستوى وبنفس الطريقة التي تقف بها جميع القضايا على نفس المستوى.

لا توجد قضايا سامية، أو مهمة، أو عادية بأي معنى من معاني المطلق. الآن، ربما يوافق بعضكم على ذلك، ويتذكرون كلمات هاملت: “ما من شيء هو جيد أو سيئ في نفسه، إنما الفكر هو ما يجعله كذلك!”، ولكن قد يؤدي هذا مرة أخرى إلى سوء فهم. يبدو أن ما يقوله هاملت يشير إلى أن الخير والشر – من حيث إنهما ليستا صفتان للعالم الخارجي – هما من صنع حالاتنا الذهنية، لكن ما أعنيه هو أن الحالة الذهنية – بقدر ما نعني بهذه الحقيقة التي يمكننا وصفها – ليست جيدة أو سيئة بالمعنى الأخلاقي. على سبيل المثال، إذا قرأنا في كتابنا العالمي [الذي ذكرناه قبل قليل] وصف جريمة القتل بكل تفاصيلها الجسدية والنفسية، فإن مجرد وصف هذه الحقائق لن يحتوي على أي شيء يمكن أن نسميه قضية أخلاقية؛ سيكون القتل مساويًا تمامًا لأي حدث آخر، مثل سقوط حجر. من المؤكد أن قراءة هذا الوصف قد تسبب لنا الألم، أو الغضب، أو أي عاطفةً أخرى، أو قد نقرأ عن الألم أو الغضب الذي سببه هذا القتل لأشخاص آخرين عندما سمعوا به، ولكن كل ما هنالك ببساطة سيكون حقائق تلو حقائق تلو حقائق، لا أخلاق.

والآن يجب أن أقول إنه إذا فكرت في الأخلاق التي يجب أن تكون حقًا -إن كان هناك مثل هذا العلم -فإن هذه النتيجة تبدو لي واضحة تمامًا؛ يبدو لي واضحًا أنه لا يوجد شيء يمكن أن نفكر فيه، أو نقول إنه يجب أن يكون كذلك؛ إننا لا نستطيع كتابة كتاب علمي يمكن أن يكون موضوعه متساميًا بشكل جوهري، على كل الموضوعات الأخرى.

لا يسعني أن أصف مشاعري إلا عن طريق الاستعارة القائلة: إذا استطاع المرء أن يكتب كتابًا في الأخلاق، ويكون بالفعل كتابًا في الأخلاق، فإن هذا الكتاب سيدمر-بانفجاره-كل الكتب الأخرى في العالم. إن كلماتنا التي نستعملها -كما تُستعمل في العلم -هي حاويات قادرة فقط على احتواء، ونقل المعنى والمضمون، أعني المعنى والمضمون الطبيعيين؛ والأخلاق -بأي وجه كانت -تتجاوز الطبيعة، في حين أن كلماتنا لا ولن تعبر إلا عن الحقائق؛ تمامًا مثل فنجان الشاي، فإنه سيسع فقط مقدارًا محددًا من الماء، لن يزيد عليه حتى لو صببت فيه جالونًا من الماء.

قلت إنه فيما يتعلق بالحقائق والقضايا، لا يوجد سوى قيمة نسبية حيث الحسن نسبي، والصواب نسبي وما إلى ذلك. واسمحوا لي قبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى، أن أوضح ذلك بمثال ظاهر إلى حد ما: الطريق الصحيح هو الطريق الذي يؤدي إلى غاية اعتباطية محددة مسبقًا، ومن الواضح لنا جميعًا أنه لا يوجد معنى في الحديث عن الطريق الصحيح، بعيدًا عن مثل هذا الهدف المحدد مسبقًا؛ لنرَ الآن ما يمكن أن نعنيه بقولنا “الطريق الصحيح بإطلاق”: أعتقد أنه سيكون الطريق الذي يجب على الجميع سلوكه بمجرد رؤيته مدفوعين بالضرورة المنطقية، أو أن يخجلوا من عدم سلوكهم إياه. وبالمثل، فإن الخير المطلق -إذا أمكن وصفه -سيكون كلّ شخص -بغضّ النظر عن أذواقه وميوله -مدفوع إليه بالضرورة، أو يشعر بالذنب لعدم تحقيقه. وأريد أن أقول إن مثل هذه الحالة من حالات الواقع مجرد وهم، لا توجد حالة من حالات الواقع، تحمل في ذاتها ما أود أن أسميه القوة القهرية للحكم المطلق.

ومن ثم، ما الذي يقصدونه – وأنا منهم – الذين لا يزالون يميلون إلى استخدام عبارات مثل “الخير المطلق” و “القيمة المطلقة” وما إلى ذلك؟ ما الذي يخطر ببالنا وما الذي نحاول التعبير عنه؟ الآن كلما حاولت أن أوضح هذا لنفسي، فمن الطبيعي أن أستحضر الحالات التي سأستخدم فيها بالتأكيد هذه العبارات، وأنا حينها سأكون في نفس الحالة التي ستكونون عليها، على سبيل المثال، إذا قدمت لكم محاضرة عن سيكولوجية اللذة؛ فما ستفعلونه حينها هو محاولة تذكر بعض المواقف النموذجية التي كنت دائمًا تشعر فيها باللذة. ومع أخذ هذا الموقف في الاعتبار، فإن كل ما أود أن أقوله لكم سيصبح ملموسًا، ويمكن السيطرة عليه؛ ربما يختار أحدكم شعوره عند المشي في نهار صافٍ من أيام الصيف كمثال حي على شعوره باللذة؛ وأنا الآن في نفس هذا الموقف، إن كنت أرغب في تثبيت رؤيتي حول ما أعنيه بالقيمة المطلقة أو الأخلاقية. وهناك – في حالتي – يحدث دائمًا أن فكرة خبرة/تجربة معينة تقدم نفسها لي، وبالتالي – إلى حد ما – تكون هي تجربتي بامتياز، وهذا هو السبب في أنني، في حديثكم الآن، سأستخدم هذه التجربة كنموذجي الأول والأهم. (كما قلت من قبل، هذه مسألة شخصية تمامًا وسيجد الآخرون أمثلة أخرى أكثر جاذبية). سأصف هذه التجربة لكي أجعلكم -إذا أمكن – تتذكرون نفس التجارب أو ما شابهها، حتى يكون لدينا أرضية لتحقيقنا. أعتقد أن أفضل طريقة لوصف ذلك هو القول بأنه عندما أحصل على تلك الخبرة، أتساءل عن وجود العالم؛ ثم أميل إلى استخدام عبارات مثل “كم هو استثنائي أن يكون أي شيء موجودًا” أو “كيف أن العالم يجب أن يوجد”. سأذكر تجربة أخرى على الفور أعرفها أيضًا، وأي شخص آخر منكم قد يكون على دراية بها: إنها ما يمكن أن يسميه المرء تجربة الشعور بالأمان المطلق، أعني الحالة الذهنية التي يميل فيها المرء إلى القول “أنا في أمان، لا شيء يمكن أن يؤذيني مهما حدث”.

الآن، لننظر في هذه الخبرات أو التجارب، لأنها – في اعتقادي – تظهر الخصائص التي نحاول توضيحها. وأول شيء يجب أن أقوله هو: أن التعبير اللفظي الذي نتحدث به عن هذه التجارب خالٍ من المعنى! إذا قلت إنني “أتعجب من وجود هذا العالم” فأنا أسيئ استخدام اللغة. اسمحوا لي أن أشرح هذا: من المنطقي والمعقول تمامًا أن أقول إنني أتعجب من حال شيء ما، ونحن نفهم جميعًا ما يعنيه أن أقول إنني أتعجب من حجم كلب أكبر من أي كلب رأيته على الإطلاق من قبل؛ ومن المفهوم أيضًا أن أتعجب من أي شيء – بالمعنى العام للكلمة – حال كونه أمرًا غير عادي. في كل حالة من هذه الحالات إنني أتعجب من شيء ما، يمكنني أن أتصور أنه يمكن أن يكون على غير ما هو عليه؛ فإنني أعجب من حجم هذا الكلب لأنني أستطيع أن أتصور كلبًا آخر من الحجم العادي الذي لا ينبغي أن أتعجب منه. وعلى ذلك فإن القول: إنني “أتعجب من شيء ما/حالة ما” لا معنى له إلا إذا كان بإمكاني أن أتخيله على غير ما هو عليه. بهذا المعنى، يمكن للمرء أن يتعجب عند رؤية منزل ما، على سبيل المثال، إذا لم يزره منذ فترة طويلة، ويتخيل أنه قد هُدم في هذه الأثناء؛ لكن من العبث أن أقول إنني أتعجب من وجود العالم، لأنني لا أستطيع أن أتخيل أنه غير موجود. يمكنني بالطبع أن أتساءل عن العالم من حولي كما هو؛ على سبيل المثال، إذا كانت لدي هذه التجربة أثناء النظر في السماء الزرقاء، فيمكنني أن أتعجب من كونها زرقاء، بدلاً من حالتها عندما تكون ملبدة بالغيوم، لكن ليس هذا ما أعنيه. إنني أتعجب من وجود السماء، أيًا كان شكلها ولونها. قد يميل المرء إلى القول بأن: ما أتساءل عنه هو تحصيل حاصل، أي كون السماء زرقاء أو ليست زرقاء، ولكن لا يزال تعجُّب المرء من شيء، هو تحصيل حاصل = خاليًا من المعنى.

الآن نفس الشيء ينطبق على التجربة الأخرى التي ذكرتها، تجربة الأمان المطلق. نعلم جميعًا ما يعنيه أن تكون آمنًا في الحياة العادية؛ أنا بأمان في غرفتي، عندما لا يمكن لحافلة أن تدهسني؛ وأنا في أمان إذا كنت أُصبتُ بالسعال الديكي، وبالتالي لا يمكنه أن يصيبني مرة أخرى. “أن تكون آمنًا” تعني بشكل أساسي أنه من المستحيل -ماديًا -أن تحدث لي أشياء معينة، وبالتالي من العبث أن أقول إنني في أمان مهما حدث. مرة أخرى هذا إساءة استخدام لكلمة “آمن”، وكان المثال الآخر هو إساءة استخدام لكلمة “وجود” أو “تعجب”. أريد الآن أن أبيِّن لكم أن هناك سمة عامة من سوء الاستخدام، تسري في لغتنا عبر جميع التعبيرات الأخلاقية والدينية. تبدو كل هذه التعبيرات من الوهلة الأولى، مجرد تشبيهات. وهكذا يبدو أنه عندما نستخدم كلمة “صواب” بالمعنى الأخلاقي، على الرغم من أن ما نعنيه ليس “الصواب” بمعناه العادي، إلا أنه شيءٌ مشابهٌ له. وعندما نقول “هذا صديق جيد”، فعلى الرغم من أن كلمة “جيد” هنا لا تعني ما تعنيه في جملة: “هذا لاعب كرة قدم جيد”، إلا أنه يبدو أن هناك بعض التشابه. وعندما نقول “كانت حياة هذا الرجل قيّمة” فإننا لا نعنيها بنفس المعنى الذي نتحدث به عن بعض المجوهرات القيمة، ولكن يبدو أيضًا أن هناك نوعًا من التشابه.

الآن يبدو أن جميع المصطلحات الدينية بهذا المعنى تستخدم كتشبيهات أو مجازات، لأنه عندما نتحدث عن -الله-وأنه يرى كل شيء، وعندما نركع ونصلي له، تبدو جميع مصطلحاتنا، وأفعالنا وكأنها أجزاء من رمزية عظيمة، ومتقنة تصوره أشبه بإنسان فائق القوة، نحاول جاهدين أن نفوز برضاه…إلخ.

لكن هذا الرمز يصف أيضًا التجارب التي أشرت إليها للتو؛ لأن أولها -على ما أعتقد-هو بالضبط ما كان الناس يشيرون إليه عندما قالوا إن الله خلق العالم؛ كما وُصفت تجربة الأمان المطلق بالقول: بأننا نشعر بالأمان في كلاءة الله. تجربة ثالثة من نفس النوع؛ هي الشعور بالذنب، ومرة ​​أخرى وُصف ذلك بعبارة أن -الله-ليس راضيًا عن سلوكنا.

وهكذا في اللغة الأخلاقية والدينية، يبدو أننا نستخدم التشبيهات باستمرار. لكن التشبيه يجب أن يكون تشبيهًا لشيء ما، وإذا كان بإمكاني وصف واقعة عن طريق تشبيه، فيجب أن أكون قادرًا أيضًا على إسقاط التشبيه، ووصف الوقائع بدونه. الآن، في حالتنا بمجرد أن نحاول إسقاط التشبيه وذكر الوقائع التي تقف وراءه، نجد أنه لا توجد مثل هذه الوقائع. وهكذا، ما بدا في البداية وكأنه تشبيه، يبدو الآن أنه مجرد خلوٍّ من المعنى.

الآن يبدو أن التجارب الثلاث التي ذكرتها لكم (وكان بإمكاني إضافة تجارب أخرى) هي بالنسبة إلى أولئك الذين جربوها -على سبيل المثال بالنسبة لي -لديها قيمة جوهرية، ومطلقة بوجه ما؛ ولكن عندما أقول إنها تجارب، فهي بالتأكيد وقائع، حيث إنها حدثت في زمان ومكان محددَّيْن، واستمرت فترة زمنية محددة، وبالتالي يمكن وصفها. وهكذا، مما قلته قبل بضع دقائق، يجب أن أعترف أن: القول بأن هذه التجارب لها قيمة مطلقة = خالٍ من المعنى.

لقد وصلت هنا إلى النقطة الرئيسية في هذه الورقة وهي: أنه من المفارقة أن يكون للتجربة أو الواقعة قيمة مطلقة؛ ولجعل وجهة نظري أكثر دقة أقول “من المفارقة أن يبدو لتجربة ما، أو واقعة ما قيمة خارقة/فوق طبيعية”.

الآن هناك طريقة أميل إليها لمواجهة هذه المفارقة: اسمحوا لي أولاً أن أعيد النظر في تجربتنا الأولى في التساؤل عن وجود العالم، ودعوني أصف ذلك بطريقة مختلفة قليلاً: نعلم جميعًا، ما يُسمى في الحياة العادية بالـ “معجزة”؛ من الواضح أنها مجرد حدث لم نشهد مثله بعد. افترض الآن حدثًا من هذا القبيل، وليكن أن أحدكم فجأة تحوّل رأسه، إلى رأس أسد وبدأ يزأر؛ من المؤكد أن ذلك سيكون شيئًا غير عادي بقدر ما أتخيل. الآن، بمجرد أن نتعافى من دهشتنا، ما أقترحه هو إحضار طبيب، والتحقيق العلمي في الواقعة، ولولا أن ذلك سيتطلب إيذاءه، لاقترحت تشريحه. والسؤال إذن: ما مصير المعجزة في هذه الحالة؟ لأنه من الواضح أنه عندما ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة، فكل ما نراه على أنه معجزة سيختفي، ما لم يكن ما نعنيه بهذا المصطلح هو مجرد حقيقة لم يفسرها العلم بعد، مما يعني مرة أخرى أننا فشلنا حتى الآن في ضم هذه الحقيقة مع أخواتها في منظومة علمية. وهذا يدل على أنه من العبث القول بأن “العلم أثبت أنه لا توجد معجزات”.

الحقيقة هي أن الطريقة العلمية للنظر إلى الواقعة، تختلف عن طريقة النظر إليها على أنها معجزة. إن أي واقعة يمكن تخيلها ليست بحد ذاتها معجزة بالمعنى المطلق لهذا المصطلح، لأننا نرى الآن أننا نستخدم كلمة “معجزة” بمعنيين: نسبي ومطلق؛ وسأصف الآن تجربة التساؤل عن وجود العالم بالقول: إنها تجربة رؤية العالم كمعجزة.

الآن، أميل إلى القول بأن التعبير الصحيح في اللغة عن معجزة وجود العالم -على الرغم من أنه لا يمثل أي قضية في اللغة – هو وجود اللغة نفسها. ولكن ماذا يعني أن تكون على علم بهذه المعجزة في بعض الأحيان، وعدم العلم بها في أوقات أخرى؟ إن كل ما قلته عن طريق تحويل التعبير عن المعجزة من تعبير باللغة إلى تعبير بوجود اللغة، كل ما قلته هو -مرة أخرى -أننا لا نستطيع التعبير عما نريد التعبير عنه، وأنّ كل ما نقوله عن معجزة مطلقة لا يزال خاليًا من المعنى.

الآن تبدو الإجابة على كل هذا واضحة تمامًا لكثير منكم. ستقول: حسنًا، إذا كانت تجارب معينة تجذبنا باستمرار لأن نطبع عليها سمة نربطها بالقيمة والأهمية المطلقة أو الأخلاقية، فهذا يوضح ببساطة أننا بهذه الكلمات لا نقول كلاما خاليًا من المعنى، فكل ما نعنيه بقولنا أنّ هذه التجربة لها قيمة مطلقة هو أنها مجرد واقعة مثل الوقائع الأخرى، وكلّ ما في الأمر هو أننا لم ننجح بعد في إيجاد التحليل المنطقي الصحيح لما نعنيه بتعبيراتنا الأخلاقية والدينية.

الآن، عندما يُقدّم هذا الادعاء ضدي، فإنني أرى في الحال بوضوح -وفي لمح البصر-ليس فقط أنه لا يوجد وصفٌ يمكنني التفكير فيه لوصف ما أعنيه بـ “القيمة المطلقة”، بل إنني سأرفض كل وصف مهم، يمكن لأي شخص أن يقترحه -بالأساس -اعتمادًا على أهميته. هذا يعني أنني أرى الآن أن هذه العبارات الخالية من المعنى لم تكن كذلك، لأنني لم أجد بعد العبارات الصحيحة، وإنما لأن خلوها من المعنى هو جوهرها وأصلها، وكل ما أردت أن أفعله باستعمالها هو فقط تجاوز هذا العالم، ومن ثم الحديث بما يتجاوز اللغة ذات المعنى. إن الهدف من وراء محاولاتي -وأعتقد أنه هدف جميع من حاولوا الكتابة، أو التحدث عن الأخلاق أو الدين -هو محاولة تجاوز حدود اللغة، وإن هذا السعي للقفز على جدران القفص المحيط بنا هو أمر لا أمل فيه على الإطلاق.

إن الأخلاق، بقدر ما تنبع من الرغبة في قول شيء عن المعنى النهائي للحياة، والخير المطلق، والقيمة المطلقة، لا يمكن أن تكون علمًا؛ إن ما تقوله الأخلاق لا يضيف إلى معرفتنا بأي شكل، إنها ليست أكثر من توثيق لنزوعٍ في العقل البشري، ذلك النزوع الذي لا أستطيع شخصياً، إلا أن أحترمه بعمق، وألا أسخر منه ولو مرة في حياتي.

[1] مقتبس من: Lecture on Ethics ,Ludwig Wittgenstein ,Edited with commentary by Edoardo Zamuner, Ermelinda Valentina Di Lascio and D. K. Levy- Wily Blackwell. 2014. بتصرف يسير.

 

منقول

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0