أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

رواية الشاعر لـ مصطفى لطفي المنفلوطي

بقلم/ أماني شمروخ

رواية الشاعر.. لمصطفى لطفي المنفلوطي
أو
سيرانو دي برجْراك.. للشاعر الفرنسي إدمون روستان:
من عدة سنوات قرأت قصة انتحار أحد الكتاب، بسبب “دمماته”!
تأثرت جداً بها.. وقررت أن أبحث عن كتبه، وفاء ربما أو رثاء أو شفقة..
فوجدت له كتابين فقط، مجموعة قصصية ورواية..
فلقد مات في سن مبكرة!
قرأتهما.. وشعرت بمقدار المرارة والحسرة والآلام التي تذوقها هذا الرجل
في حياته، لا لشيء سوى أنه في عرف الناس” دميم”!
من يومها بت أشعر أن “الدمامة” إعاقة..
بل هى أكبر إعاقة من الممكن أن يصاب بها إنسان أو مجتمع..
ليست لصاحبها.. ولكن للناس الذين يتعاملون معها ومعه!
فللأسف قد يتعاطف الناس مع الإعاقات المختلفة ويغضون الطرف عنها
عند التعامل مع أصحابها.. ولا يتعاطفون مع الدمامة!
كثير من الناس يرون فيها ما يثير نفورهم واشمئزازهم،
ويبتعدون عن صاحبها.. بأدب .. أو حتى بدون أدب، بعد أن يُسمعوه
ويُشعروه كم هو قبيح ومختلف ولا يستحق أن يكون بينهم!
ليست قسوة.. بل وحشية.. بكل ما تعنيه الكلمة من معنى!
:
عرض المنفلوطي لهذه القضية في رواية ” الشاعر”..
عرضها بحرفية وإنسانية بالغة!
أشعرنا بمدى بشاعة ذلك، لكن دون أن يكون البطل ضحية منسحقة،
أو منهارة تفكر في الانتحار.. وتستجدي دموعنا وتعاطفنا!

بل هو رجل حر مستقل، قوي يعرف مقدار نفسه، عظيم المواهب،
يستشعر مدى رحابة فضاء روحه العذبة الشفافة،
وإن ضاقت به نفوس الناس المتعالية الشحيحة الكليلة!

أحببت “سيرانو”.. الشاعر بطل الرواية.. أحببت شجاعته، وبساطته..
وخفة ظله.. وبكيت من أجله كثيراً.. بدافع الحب والتقدير لا بدافع الشفقة!
أحببت ذكائه وفصاحته.. وحبه ووفائه.. لنفسه ولحبيبته.. ولأصدقائه ووطنه!

أحببت حب ووفاء صديقه “لبريه” له.. وحب ” راجنو” للشعر والشعراء.. وبساطة وتلقائية وصراحة “كرستيان” مع نفسه ويقظته في النهاية.

حتى “روكسان” بطلة الرواية.. الفتاة الجميلة التى تحب البلاغة،
والمتكلف من المعاني والكلمات..
أحببتها حينما أدركتْ واكتشفتْ في النهاية أن جوهر الإنسان في روحه
ونفسه التي بين جنبيه، وليس في أى شيء آخر.. وكم أشفقت عليها
ورثيت لحالها وما آلت إليه!
هذه الرواية من أروع ما قرأت للمنفلوطي..
فلقد انتصر فيها للكلمة، وللمعنى، وللإنسانية، وللوفاء والحب!

وقدم خلاصة وعبرة من أغلى وأثمن قيم الوجود والحياة، وهى كما قال:

“أن النفس البشرية هي أجمل شيء في العالم وأبدع صورة رسمتها ريشة المصور الأعظم في لوح الكائنات، هي التى يهيم بها الهائمون، ويتوله المتولهون، حين يظنون أنهم يعشقون الصور ويستهيمون بمحاسن الوجوه!”.

هذه الرواية بطلها شاعر، ومؤلفها شاعر.. ومعربها شاعر أيضاً!

رحم الله المنفلوطي وجزاه عنا خير الجزاء….

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0