سياسة مختارات مقالات

التوتر التركي اليوناني في شرق المتوسط

التوتر التركي اليوناني في شرق المتوسط

بقلم: محمد كريم الخاقاني. اكاديمي وباحث في الشأن السياسي.

تصاعدت حدة التوتر بين تركيا واليونان في شرق المتوسط، وهي منطقة تتزايد فيها الصراعات والأزمات، فهناك ازمة اللاجئين والأزمة في سوريا، فضلاً عن الصراع على الطاقة، كل تلك الاوضاع المضطربة تلقي بظلالها على تطورات العلاقة بين تركيا واليونان.

وتستخدم تركيا ورقة اللاجئين ورقة ضغط على الإتحاد الأوربي، فهي تهدد بين الحين والآخر بفتح بوابات الهجرة الى اوربا وعن طريق جارتها اليونان التي تعاني من إنعكاسات تدفق موجات بشرية هائلة لعبور اراضيها اولاً ومن ثم الإستقرار في احدى الدول الأوربية، وهذا ما يعني تزايد الضغوطات الداخلية على اثينا التي تحاول بشتى الطرق غلق الباب امام حركة اللاجئين، بل وصل الأمر الى إستخدام العنف ضد هؤلاء اللاجئين القادمين من تركيا.
وكانت التوترات بين الدولتين قد تصاعدت مؤخراً وبالتحديد في شهر تموز ٢٠٢٠ على خلفية القرار التركي القاضي بتحويل متحف آيا صوفيا في اسطنبول الى مسجد ، وهذا يعني إحياء نزاع قومي عمره مئات السنين بين البلدين. ويعد آيا صوفيا من اكثر المباني التأريخية المتنازع عليها، وقد اثار قرار تحويله الى مسجد غضب الكنيسة الارثودكسية في روسيا واليونان.

وكانت تركيا قد اعلنت عن اكبر إكتشاف للغاز في بلاده، وتفجّر الصراع بين البلدين بعد إبرام كل منهما إتفاقية بشأن حدودهما البحرية مع كل من ليبيا ومصر، مع دعوة تركية للدول المطلة على البحر المتوسط لتوقيع إتفاقية مشابهة مثل ليبيا.

ويتصاعد في شرق المتوسط ابمتوسط التوتر بين تركيا واليونان وهما عضوين في حلف الناتو وقد يتصاعد ذلك التوتر الى مواجهة عسكرية محتملة بينهما، وقد لا تنتهي عند حدود بلديهما، بل قد تُشعل المنطقة بإكملها.

وكانت طائرات مقاتلات تركية قد اعترضت ٦ طائراتمقاتلات يونانية لدى إقترابها من مكان المسح الذي كانت تقوم به سفينة تركية، وفي تصعيد للنزاع في شرق المتوسط، استعرضت السفن الحربية للدولتين قوتهما في البحر، ليكون هذا التوتر الجديد بينهما مضافاً لسلسة الخلاف القائم بين البلدين على خلفية تحويل تركيا متحف آيا صوفيا الى مسجد.

وتتجه الامور في المنطقة الى التصادم والمواجهة العسكرية بين البلدين بسبب مزاعم متبادلة بينهما بإنتهاك المجال الجوي والمواجهة البحرية في المياه الساحلية، وتنظر كلا الدولتين لبعضهما نظرة المهِدد للسلم والأمن في تلك المنطقة.

وانضمت كل من تركيا واليونان الى منظمة حلف شمال الأطلسي في عام ١٩٥٢ وكان التعاون في اعلى صوره بتشكيل حلفاً بلقانياً مع يوغسلافيا لمواجهة الإتحاد السوفيتي في تلك المرحلة، ولكن سرعان ما تدهورت العلاقات بينهما بسبب جزيرة قبوص والمواجهات في بحر إيجة.

وبما إن الدولتين عضوين في حلف شمال الأطلسي، فينطبق عليهم ما فرضته نصوص المعاهدة، إذ يعد الهجوم على احد الدول الاعضاء في الحلف بمثابة هجوماً على بقية الأعضاء الاخرين بحسب ما ورد بنص المادة الخامسة من المعاهدة، ولكن هناك مشكلة تواجه الوضع القائم بين تركيا واليونان، إذ لم تعالج المعاهدة ماذا سيكون موقف الحلف وبقية الدول اذا ما تنازع عضوان من اعضاء الحلف.

وترغب الولايات المتحدة الأمريكية مع دول اخرى داخل الحلف بعدم زج الخلف في النزاع الحالي بين تركيا واليونان كي لا تتورط بالخلافات بين اعضائه،بل يرغب الحلف بتهدئة الخلافات التي ربما ستكون نتائجها كارثية وتنتشر وتتمدد إقليميا وبالتالي لا يمكن السيطرة عليها، وكان الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ قد اعلن بإن الحلف يبحث سبل تجنب الخلافات بين الدولتين ويدرس إجراءات منع الإشتباك لمنع وقوع الحوادث البحرية في منطقة هي بالاساس مضطربة ومهيئة لتزايد التوتر.

وكان وزير الدفاع التركي خلوصي اكار قد وجه تحذيراً لليونان بقوله”إذا انتهتكم حدودنا فردنا معروف”، ومع ذلك تدعم تركيا الحلول السلمية لتهدئة الوضع في المنطقة، فهي لا تريد اخذ حقوق الآخرين ولن تدير ظهرها للمباحثات السلمية، ولكنها في الوقت نفسه لن تتراجع عن موقفها، فهي قد توقف التنقيب عن الطاقة لبعض الوقت لفسح المجال لوساطة المانية او من الناتو، فتركيا رقم صعب في اي مشاريع مستقبلية للطاقة، فلا يمكن لإي احد تجاوز تركيا بهذا الشأن، فالمشاركة الأمريكية في شرق المتوسط قد يُحجم النفوذ الروسي وفي الوقت ذاته تعمل على تحقيق التوازن من توتر العلاقة بين فرنسا وتركيا.

ولن تتخلى تركيا عن ما اسمته بالوطن الأزرق وهي احد الحقوق التي تناضل تركيا من احل تحقيقها، وكان الإتحاد الأوربي قد هدد تركيا بفرض عقوبات عليها إن لم تحرز تقدماً في نزاعها مع اليونان، فهي تنتظر من الإتحاد إنصافاً بخصوص النزاع، وقد انتقد نائب الرئيس التركي الدعوة الأوربية من جهة للحوار ومن جهة اخرى لفرض العقوبات على تركيا، وإن تلك الإجراءات لن تؤدي إلا الى مزيد من الإصرار التركي على تعزيز موقفها من النزاع مع اليونان، ففي الوقت الذي تدعم فيه انقرة الحلول الدبلوماسية، فهي لن تتردد في الدفاع عن حقوقها وإنتزاعها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0