تاريخ دين مختارات مقالات

غار ثور: أول حصن في الإسلام

هذا الحبيب (127)
(غار ثور: أول حصن في الإسلام)

بقلم/ أ. ربحي الجديلي
قبل الانطلاق لغار ثور:
انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مبكِّراً عن الموعد الذي اتفق به مع أبي بكر الصديق بسبب مجيئ القوة التي تريد أن تغتال النبي صلى الله عليه وسلم
وعندما حضر أبو بكر رضي الله عنه إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُرافقه في الخروج وجد المشركين قد أحاطوا بالبيت وحاصروه، المفاجأة أنه وجدهم نائمين مما دفعه رضي الله عنه إلى الدخول
حيث ازداد خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فوجد عليّاً نَائِماً في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، فَحْسَبَهُ نَبِيُّ اللهِ
قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدِ انْطَلَقَ نَحْوَ بِئْرِ مَيْمُونٍ (أحد آبار مكة) فَأَدْرِكْهُ.
فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ حيث أخبره علي رضي الله عنهما، فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم
___
الطريق إلى غار ثور
فلحق أبو بكر الصديق رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلقا
فسلكا طريقاً لا يعتاده أهل مكة بالسفر للمدينة حيث سلكوا طريقاً عكسياً.
ويروي عمر بن الخطاب عن الطريق للغار، عندما ذُكِرَ له أنّ رِجَالاً عَلَى عَهْدِه فَضَّلُوه عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهم
قَالَ: وَاللَّهِ لَلَيْلَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، وَلَيَوْمٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ
لَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيَنْطَلِقَ إِلَى الْغَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ
فَجَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَاعَةً خَلْفَهُ حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ: “يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا لَكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْ وَسَاعَةً خَلْفِي؟”
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَذَكُرُ الطَّلَبَ (الذين يلحقوا بك من ورائك) فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذَكَرُ الرَّصْدَ (القناصين الذين يرمونك بالنبل والسهام والرماح)، فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْكَ
فَقَالَ: “يَا أَبَا بَكْرٍ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟”
(يا أبا بكر أتحب ان تفديني بنفسك وتحب ان يأتي بك المكروه (الخطف او الرماح) من دوني)
قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا كَانَتْ لِتَكُونَ مِنْ مُلِمَّةٍ (الفاجعة النازلة الشديدة/ مصيبة عظيمة) إِلاَّ أَنْ تَكُونَ بِي دُونَكَ.
__
الدخول إلى غار ثور
فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ممَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، حَتَّى أَسْتَبْرِئَ لَكَ الْغَارَ.
فَدَخَلَ وَاسْتَبْرَأَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي أَعْلاَهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئِ الْحُجْرَةَ
فَقَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، حَتَّى أَسْتَبْرِئَ الْحُجْرَةَ.
فَدَخَلَ وَاسْتَبْرَأَ
ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَنَزَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
(قف مكانك يا رسول الله حتى أكتشف الغار خوفا من وجود أي حيوان ضال أو طير جارح أو حشرات مؤذية أو زواحف قاتلة، يفدي نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم)
فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتِلْكَ اللَّيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ”
(والله لقد صدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتلك الليلة بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيها من آلام وخوف وتعب ومشقة ومطاردة وسيوف ورماح وجنود لشخصين أعزلين إلا من قلبيهما العامرة بحب الله وصدق التوكل عليه ويقين الثقة بالله خير منا ومن أرواحنا ومن أهلنا ومن الناس جميعا، فداك أباءنا وأمهاتنا وأولادنا وذرياتنا يا رسول الله)
__
القصَّاصون يكتشفون آثار النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه
رغم كل طرق التأمين التي اتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه
ورغم أن الخُطَّة بارعة جداً ومحكمة للغاية، إلا أن القصَّاصين اكتشفوا الطريق الذي سار فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه
ووصلوا إلى الجبل الصعب الذي به غار ثور، وصعدوا الجبل؛ بل ووصلوا إلى باب غار ثور!
ولم يَبْقَ إلا أن ينظروا فقط داخل الغار، وكان الغار صغيراً جداً!
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس داخل الغار في سكينه تامَّة؛ بينما كان الصديق رضي الله عنه في أشدِّ حالات قلقه وحزنه!
يحكي أبو بكر رضي الله عنه تفاصيل هذا الموقف فيقول:
قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبصرنا.
فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: “مَا ظَنُّكَ، يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟”
وفي رواية قال أبو بكر رضي الله عنه: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الغَارِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ القَوْمِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا
قَالَ: “اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ، اثْنَانِ اللهُ ثَالِثُهُمَا”
___
هل كان الصديق رضي الله عنه خائفًا من الموت على أيدي المشركين؟
أبو بكر كان حزيناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس على نفسه، حزيناً على الدعوة التي قد تنتهي بمقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم
فالله تعالى المطَّلِعُ على قلب الصديق رضي الله عنه وصف حالته النفسية بالحُزْن، وليس بالخوف، فقال تعال: {لاَ تَحْزَنْ}. ولم يقل: لا تخف.
هذا هو الذي ما نعرفه عن الصديق رضي الله عنه من شدَّة بأسه، وحبه لنبيه صلى الله عليه وسلم
ويدعم ذلك وإن كان -بلا سند- من أن الصديق رضي الله عنه قال -وهو في الغار- مبرِّرًا قلقه: إنْ قُتِلْتُ (ابو بكر رضي الله عنه) فَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ قُتِلْتَ (يا رسول الله) أَنْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ.
فَعِنْدَهَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا”
{إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
إذن حزن أبو بكر حزن الحبيب على حبيبه
لكن حالة الطمأنينة الرائعة التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يشعر بمعيَّة الله تعالى له ولصاحبه، فلا يَجِلْ قلبُه، ولا تهتزُّ جوارحه؛ بينما قوى الشرِّ تجتمع بحدِّها وحديدها حول باب الغار!
(وهذا هو المطلوب منا أن نستشعر هنا حالة الرضا بقَدَر الله، والاطمئنان لقضائه سبحانه في أي محنة أو ابتلاء أو مصيبة تحل بنا، كي يُكافئنا الله بالمزيد من الطمأنينة والسكينة!)
قال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}
السكينة التي أنزلها الله تعالى زائدة على السكينة التي كانت موجودة بالفعل في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي هدية من الله تُناسب العمل القلبي الذي قدَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالجزاء من جنس العمل، ولقد قال تعالى في كتابه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}
___
القصاصون والعنكبوت وباب الغار؟
لقد قطع المشركون طريقاً طويلاً صعباً حتى يصلوا إلى هذه النقطة، وها هم يَرَوْن آثار الأقدام انتهت أمام فتحة باب الغار، فماذا يُتوقَّع منهم الآن؟!
إن المتَوَقَّع هو النظر داخل الغار لرؤية مَنْ بداخله!
كم ستأخذ منهم هذه النظرة؟ إنها دقيقة واحدة، وربما ثوانٍ معدودات
ولكن لم يُطأطئ أحدهم رأسه لينظر نظرة سريعة داخل الغار؟
لأن الله تعالى ألقى في روعهم ألا ينظروا!
فلقد اقْتَصُّوا أَثَرَهُ فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ خُلِّطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ فَمَرُّوا بِالغَارِ
فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ
فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَا هُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ.
وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً من كل طرقه فإن كثرة طرقه يُقَوِّي بعضها بعضاً فترفعه إلى درجة الحديث الحسنِ،
أمَّا قصَّة الحمامتين وقصة الشجرة التي نبتت على باب الغار فهي قصص ضعيفة جدّاً لا تصح.
وفي النهاية فهذا دفاع الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم فسواء نسجت العنكبوت خيوطها أو لم تنسج فهذا دفاع من ربِّ العالمين، وهذا إعجاز من ربِّ العالمين
إذ كيف لا ينظر الناس داخل الغار مع كونه مفتوحاً؟!
النتيجة واحدة: نجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه من هذه المطاردة المكثفة،
وتبقى الحقيقة التي لا جدال فيها؛ وهي أنَّ الله يفعل ما يُريد!
__
وهكذا وصلنا للجزء الثاني من الخطة وهو الوصول لغار ثور والتحصن فيه
فمكث الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام كما كان مقرَّراً في الخطَّة المرسومة
فكيف قضوا أيامهم الثلاثة داخل هذا الغار؟
وكيف كانت تأتيهم مقومات الحياة من طعام وشراب وأخبار؟ هذا ما سنراه في الجزء الثالث من خطة الهجرة التي رسمها صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
تابعونا
___
معلومة:
غار ثور يقع في الجهة الشمالية من جبل ثور جنوب مكة المكرمة.
على بعد نحو 4 كم في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام.
يقع الغار على جبل يبلغ ارتفاعه نحو 760 م عن سطح البحر.
عبارة عن صخرة مجوفة ارتفاعها 1.25م
له فتحتان فتحة في جهة الغرب وهي التي دخل منها النبي صل الله عليه وسلم و أبو بكر وفتحة أخرى من جهة الشرق.
___
يتبع إن شاء الله..
صلى الله على محمد

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0