عروض كتب مختارات مقالات

عرض كتاب مجالس دمشق

بقلم/ محمود عبد المقصود

اسم الكتاب: مجالس دمشق
اسم الكاتب: مالك بن نبي
عدد الصفحات: 188

مدخل

إن يكن للمصادفات شأن في حياة الكتب، فهذا الكتاب ابن المصادفة، حيث يقول مالك بن نبي:
إنني حججت هاته السنةرمع صغرى بناتي، رحمة، لم يتجاوز عمرها الثمانية، ومع والدتها. ثم بعد الحج، ورحلة دامت شهراً ونصف شهر بالسعودية وصلنا إلى بيروت في طريق عودتنا، ولكن الفرصة المتاحة كانت تراودني أن أطلع(رحمة) على بعض معالم الحضارة الإسلامية بدمشق، فقررت السفر إليها لأقضي فيها يومين أو ثلاثة. وإذا بدمشق تمسكني بكرم أهلها وحسن لقائهم،ثلاثة أشهر كاملة قضيتها في حوار مستمر مع شبابها المتعطش إلى الأفكار.
لذلك فعنوان كتاب (مجالس دمشق) يستعيد ما كان لمجالس الفكر والأدب من دور في نمو التراث التاريخي للحضارة الإسلامية. فالمجالس تواصل تنمو فيه شبكة العلاقات الاجتماعية، وتتفاعل فيه الأفكار، وسبل توظيفها حينما تربط بين الأفكار وحدة المشكلات.
من هنا اعتبر بن نبي كتاب(مجالس دمشق) حصاد مشترك من الأفكار بين السائل والمناقش والمجيب.
من هنا نستطيع أن نضع تحت عنوان(مجالس دمشق) سائر ما قدمه مالك بن نبي في دمشق من محاضرات ومجالس ومعارف شخصية، وثقت الصلات والأفكار معاً.
ففي كل منعطف من مسيرة العالم الإسلامي، كان أدب بن نبي يضع نشيد المستقبل في روح الأجيال، وحبذا لو تصبح هذه القطع الأدبية جزءاً من الثقافة التربوية في مناهج التعليم.

يختلف فكر مالك بن نبي عن سائر الحركات الإصلاحية التي غمست قلمها بمداد الحضارة الغربية الذي وصل إلينا كإنتاج جاهز فأعلنت موقفها من سلباً أو إيجاباً، فيما كان المطلوب أن نأخذ عناصر هذا المداد لنركب منه مقادير ملائمة اقتباساً تنطلق منه رؤيتنا لمشكلاتنا في قفزة تاريخية تختصر هوة التخلف.
فتطور الحضارة صعوداً وهبوطاً يرتبط من حيث الأساس بفكرة الإسلام والفرد الذي يمثل سندها المحسوس.
فقد استطاع بن نبي أن يستخرج مضامين الحضارة بعقل رياضي حساس وميزان الصيدلي الذي يزن كل ما يقع في كفته.
فبن نبي وضع العناصر الأولية لأية نهضة أخذت مسارها في التاريخ كسنة من سنن الله في أرضه. ثم اعتمد التاريخ والتجربة الحضارية في مسيرة الحضارة الإسلامية لكي يتخلص من رواسب حالة الخروج من الحضارة الإسلامية وأمراضها، واضعاً لهذا الطريق معالم مرتكزات أولية.
فنسيج بن نبي هو نسيج وحده له مقدماته ونتائجه فهو يكتب كمال قال بوصفه صاحب قضية وليس باحثاً في التاريخ.
فبن نبي يستنجد دائماً بالإرشاد القرآني في تحديد نظرية الثقافة في عناصرها الكونية التي هي سنة الله في تنظيم الاستقرار الكوني الذي يربط الإنسان بالتراب والوقت.
فقد تكدست قوالب الحضارة الغربية في عالمنا في أطر سياسية واقتصادية واجتماعية، بينما القضية الحيوية المتصلة ببناء الشخصية الجديدة لمجتمعنا فقد بقيت بعيدة عن كل حد.
فيجب الانطلاق في بناء دورنا على حقائق التاريخ.
ويجب أن نعلم أن هناك محنة تخلف نمر بها، وأن النتائج التي أورثها هذا التخلف هي من صنع أيدينا، فالتخلف هو حصاد أمراض اجتماعية، فهناك واجبات لا تُغني عنها كثرة التعبد والدعاء.
علينا أن نتخلص من التفاؤل السهل استناداً إلى ذاكرة متعالية عن مشكلات الواقع.
لقد وضع بن نبي إلى حد كبير أسس فكر إسلامي حديث يساير تطور العالم ويعي الرهانات الدولية، ففكره كان ولاشك سابقاً لأوانه، خارج أي إبهام أو ضبابية، إنه فكر مُلتزم يعالج واقعاً مُعاشاً في خدمة نهضة العالم الإسلامي، لذا ففكر بن نبي يبحث دائماً عن دوره في حركة عمل ملموس ومنتج.

لقد أغنى بن نبي العلوم الاجتماعية بإدراك وتفهم أفضل لعلم النفس، كما في علم الاجتماع الإسلامي، وتفسير حركة التاريخ الإسلامي، وقد استحق بذلك مكانته بين ابن خلدون وشبلنجر وتوينبي.
إن حياة وفكر بن نبي يتداخلان في عروة لا إنفصام لها، فحياته فيها صلاحية التعبير عن فكره، وفكره فيه صلاحية التعبير عن حياته، إذ كل واحد منهما هو شهادة لصحة الآخر، فأفكار الرجل أصيلة وقد رضيت بها حياته مساراً لفاعلية الأداء، بمعنى أنها وهبت لفكره لتكمل الواحدة منهما الأخرى لذا فالسياسة لا تخالط فكره بل تتحدان اتحاد وحدة وأداء.
وإذا كانت السياسة تعني التزام عمل ونضال، فهذه هي على الدوام حياة بن نبي.
إنها معركة ضد النزعة الاستعمارية وضد النزعة للقابلية للاستعمار إنها ضد الانحطاط، ضد التخلف، إنها ضد الأفكار المقتولة والأفكار القاتلة.
فبن نبي قد قرأ جبال من الكتب، وانغمر في عمق العلوم والنظريات الاجتماعية الجارية في زمانه.
فقد كان مناضلاً محطماً لكل المحرمات الموروثة.. لقد كان مجدداً ومبتكراً.
وعلى منوال العظماء ومربي الإنسانية كان بن نبي يوجه ويرشد ويعلم لا على مقاعد الجامعة، بل في منزله وخارجه كما في البلاد التي يزورها، بل وحيث يجد لكلمته مستمعاً. كان لا نظير له بين أقرانه في زمانه، لا يعبأ بالمجد ولا ينتظر المكافأة. لقد حمل عبء قضيته إلى النهاية.

محتوى الكتاب

كتاب يضم ست محاضرات في مشكلات الحضارة المعاصرة ودور المسلمين فيها. تحدث في الأولى عن مفهومي(القابلية للاستعمار والحضارة،_الإسلام) فأشار إلى أن سبب تأخر المجتمع الشرقي هو تعطيل الفكر لا وجود الاستعمار. وبني في الثانية موضوع (الثقافة والأزمة الثقافية) على فرضيتين، سوء إدراك مفهوم الثقافة، وخلل التطبيق، فبين وضع الثقافة في المجتمع المسلم، وأثر المجتمع في ثقافة الفرد. والفرق بين الثقافة والعلم، وما يُنتظر من الثقافة أن تقدم. وتناول في الثالثة(الحقوق والواجبات) وأثر فهم المجتمع لها في نمائه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبين أن المجتمع الآخذ في الارتقاء يقدم الواجبات على الحقوق. وتحدث المحاضرة الرابعة(المرأة والرجل أمام واجبات واحدة في مرحلة النهضة)، عن أوضاع المجتمع المسلم، ومتطلبات النهوض به وإنقاذه. وتناولت المحاضرتان الأخيرتان، وهما النتيجة لما سبق من كلام، (دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين)، فمهد بالحديث عن أهمية أحداث القرن المشار إليه، وما يتصف به من التغيرات العميقة، وما حدث فيه من مخاطر مزقت الشباب، وأدت إلى إفلاس الحضارة الحالية والأديان القائمة وانهيار الأخلاق والقداسات وافتقاد الروحانيات، ومن هنا يبرز واجب المسلم الذي يحمل رسالة إنقاذ نفسه وإنقاذ العالم من الضياع. وفرق أخيراً بين الدين والرسالة .. وفي سبيلها طالب المسلم بأن يعرف نفسه، ويعرف الآخرين، وأن يُعرفها للآخرين وأن يرتفع إلى مستوى الحضارة، وفوق مستوى الحضارة الحالية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0