فكر مختارات مقالات

عودة: العقل العمومي، العقل الديني، والإجماع

روبرت عودة:
العقل العمومي، العقل الديني، والإجماع

بقلم: الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

يعبر روبرت عودة[1] عن نهج توافقي تجاه التبرير أو التسويغ العام الذي يهدف إلى معالجة القلق من تهميش المواطنين ومذاهبهم الشاملة (comprehensive)؛ علاوة على ذلك، فإنه يهدف إلى تجنب موقف شامل أكثر من اللازم بشأن الخطاب الديني في المجال العام عند اتخاذ قرارات ملزمة أو قسرية. يجادل عودة، بخصوص معالجة مشكلة المستوى المناسب والكافي من الشمول والإدماج، بأن الالتزام بالتبرير العام (للمواقف والاراء والأعتقادات) يتوافق مع المعتقدات الدينية القائمة على مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي يمكن لكافة المواطنين تأييدها والتي ينبغي أن توجه سلوكهم ايضأً. يرى عودة بدلاً من أعتبارالتبرير العام مطلبًا خاصًا للأشخاص عندما يتصرفون كمواطنين كما يرى راولز، ينبغي اعتباره مستمرا ومتواصلاً مع حياتهم الأخلاقية. يسعى هذا النموذج الأخلاقي للمواطنة إلى تحقيق توازن بين الالتزامات والأحكام والأسباب الدينية وغير الدينية: لا يعتمد، بالنسبة لعودة، المثل المعياري الأعلى للمواطنة الديمقراطية على التقسيم بين المفاهيم السياسية والمذاهب الشاملة؛ فواجب التعبير عن الأسباب الدينية بصدق وإخلاص يتوافق مع شرط وجود أسباب ودوافع علمانية كافية للعمل في المجال العام.

العقل الديني والعقل الطبيعي وتبرير الإكراه

على أي أساس يمكن تبرير الإكراه في دولة ليبرالية؟ هل الأسباب الدينية كافية لإضفاء الشرعية على القرارات الملزمة أو القسرية بشكل عام؟ يعتقد عودة بأنه لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة بشكل صحيح سواء بإخراج جميع العقائد الأخلاقية الشاملة من الصورة؛[2] أو بافتراض أن حياد الدولة تجاه الدين يستلزم الحياد تجاه جميع القيم الأخلاقية.[3] إن المطلوب هو مفهوم ما عن الخير كأساس لدستور ديمقراطية ليبرالية. وبهذا المعنى، ليست الدولة محايدة قيميًا في كلا الحالين. أيً نحو ما له قيمة في حد ذاته، ونحو مبادئ أخلاقية محددة تتجاوز المعايير المعيارية العامة التي يعتبرها راولز وعدد من المنظرين الليبراليين ضرورية للمجتمعات الديمقراطية.[4]

روبرت عودة

ليس مطلوب عدم حيادية الدولة فقط لتحديد تعدد الخيرات التي على الدولة أن تحققها، ولكن أيضًا لتبرير  الإكراه. يرى عودة، من منظور ليبرالي، أنه ينبغي تقييد حرية البالغين لمنع إلحاق الأذى بالأشخاص والحيوانات والبيئة؛[5] ومع ذلك، لايمكن التعبيرعن مفهوم للضرر إذا لم يكن مبنيًا على بعض المفاهيم  المؤكدة للقيم الأخلاقية والصالح البشري الذي يتعرض للضرر. أحد الأمثلة على ذلك هو التعليم الإلزامي: أنه قيد رئيس ولكن لا جدال فيه فيما يتعلق بالحرية في المجتمعات الديمقراطية، وله ما يبرره بوصفه ضروري لمنع ضرر الجهل. تشجع الدولة الليبرالية بالضرورة على تطويرالخيرات الجوهرية التي يتم اتخاذها للمساهمة في تحقيق قدرات المواطنين عند تحديد محتوى المنهج الدراسي الإلزامي.[6] ومع ذلك، ليست كل هذه المفاهيم كافية لهذه المهمة. تتعارض الأيديولوجيات التي تدعم المواقف العنصرية أو الأحكام المسبقة التمايزية أو المفاهيم الشاملة التي تسمح بحكم استبدادي مع مركزية  الحرية والمساواة التي تميز النموذج الديمقراطي الليبرالي، وهي غير كافية لإضفاء الشرعية على الإكراه. ، يمكن أن تكون مجموعة واسعة من القيم والرؤى الأخلاقية والدينية مصدرًا للخطاب العام والتداول السياسي بصرف النظر عن هذه الاستثناءات وغيرها من الاستثناءات المماثلة.[7] ياتي وقوف المواطنين ضد اضطهاد الأطفال (أو انتهاك كرامتهم)  من بدهيتهم وحدسهم الأخلاقي بوقوع ضرر اجتماعي وأن واجب الأحسان يستدعي اتخاذ إجراءات ضد ذلك.[8] تكون هذه التقييمات الموضوعية حاسمة عندما تفشل الاعتبارات المجردة للعدالة والمعاملة بالمثل. يُبني السياسي على الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالمطالبات العامة المعيارية خاصة.

يأتي الدين في هذا الإطار كمصدر للأسباب والتسويغات المعيارية وبنية للسلطة. لكن ليست التسويغات والأسباب الدينية، من وجهة نظرعودة، أرضية كافية ومناسبة لإضفاء الشرعية على الإكراه وبنية القانون في ديمقراطية ليبرالية. وبهذا المعنى، لا يجب الخلط بين عدم حياد الدولة تجاه جميع القيم ورفض الحياد الديني: فينبغي  أن تكون الحكومة الديمقراطية الليبرالية محايدة تجاه الدين من أجل تجنب خطر الهيمنة الدينية. ما الذي يجعل المسوغات والأسباب الدينية غير كافية مقارنة بالمسوغات والأسباب العلمانية في إضفاء الشرعية على الإكراه؟ أولاً، لأن عادة ما ترتبط الأسباب الدينية ببنى السلطة في المجتمعات والمؤسسات الدينية. يمكن أن تتدخل هذه في التبادل الحر بين مواطنين متساوين وهو أمر مطلوب في أي ديموقراطية ليبرالية ، وهذا ما يعزز من الهيمنة الدينية. ثانيًا، غير كافية الأسباب الدينية لأن لا يمكن الوصول إليها بالطريقة نفسها التي يمكن الوصول  بها للأسباب غير الدينية؛ تعتمد الأسباب الدينية معرفيًا على الخبرة الدينية أو السلطة الكتابية أو الوحي الإلهي؛ وهي ليست متاحة بالطريقة نفسها كمصدر للأدلة، للأشخاص غير المتدينين. لا تعتمد الأسباب العلمانية على مثل هذه الأسس فهي تعتمد على الخبرة الحسية أو الاستدلال المنطقي؛ وبهذا المعنى فهي متاحة للأشخاص المتدينين وغير المتدينين على حد سواء.

إن فرضية صيغة عودة  لمبدأ الضبط والتقييد هي قبول التسويغات والأسباب العلمانية كأساس يمكن الوصول إليه من قبل اي فرد وفي كل حالة لتقييد الحرية. يعرّف عودة هذا المبدأ (الذي يسميه مبدأ المنطق العلماني) على النحو التالي: يقع على عاتق المواطنين في نظام ديمقراطي التزام مبدئي بعدم دعم أو الدفاع عن أي قانون أو سياسة عامة تقيد السلوك البشري، ما لم يكن لديهم تسويغ علماني مناسب لهذه الدعوة أو الدعم (التصويت على سبيل المثال).[9]

إن التسويغ العلماني، بالنسبة لعودة، هو المتاح للمواطنين العقلانيين على أساس قدراتهم العقلانية الطبيعية فقط. فلا يتطلب العقل العلماني أي لجوء لمعتقدات حول الله أو الوحي الإلهي أو سلطة التقاليد الدينية: يمكن للجميع اكتساب وتقييم الأسباب العلمانية من خلال ممارسة القدرات الطبيعية ودون أي اعتماد على الكتب المقدسة أو التعاليم الدينية. وكما يلاحظ عودة: “يمكن تسمية مبدأ العقلانية العلمانية بنفس القدر من الملاءمة تقريبًا مبدأ العقل الطبيعي”.[10]

إن التسويغ العلماني “طبيعي”، أي أنه مؤسس على أدلة غير دينية يمكن لأي شخص الوصول إليها، لكنها ليست بالضرورة داعمة للمواقف المعادية للدين. لا تتناقض ممارسة تسويغ العقل الطبيعي (أي العقل بوصفه هبة طبيعية لجميع البالغين الأكفاء) بالضرورة مع مصادر التسويغ الأخرى، مثل الوحي: فلا يتعارض الإيمان بوجود إله كلي القدرة وخير مع العقل طبيعي من وجهة نظر عودة. وبالمثل، يمكن للمتدينين في مجال النظرية الأخلاقية التعرف على سلطة التسويغات أوالأسباب الطبيعية في الأمور الأخلاقية دون الحاجة إلى إنكار وجهة نظر دينية للواجبات الأخلاقية كما هو منصوص عليها في الأوامر الإلهية.  وبهذا المعنى يمكن أن يشترك الناس المتدينين في المبررات الأخلاقية المقبولة نفسها من قبل نظرائهم العلمانيين دون التخلي عن المبررات أو الأسباب الدينية. يرى عودة أن علماء اللاهوت المسيحيين البارزين مثل توماس الأكويني والآخرين المندرجين في تقليد القانون الطبيعي الذي أعقب ذلك يؤيدون هذا الموقف التوافقي. فبالنسبة لعودة، يجب أن تعترف أي نظرة دينية تشمل مفهوم الله العقلاني، كلي العلم،  والخير بسهولة بأن مثل هذا الخالق سيجعل البشر قادرين على تمييز الحقائق الأخلاقية. إن التمييز العقلاني بين الخير والشر في متناول البشر، بناءً على  تسويغات وأسباب علمانية نظرية لا تعتمد على الوحي الإلهي أو الرؤى الصوفية. وبالتالي فإن العلمانية هي تصور واسع  يمكن للناس المتدينين وغير المتدينين التعرف عليها  وأدراكها كأرضية مشتركة للبناء عليها.[11] يمكن للمرء، على هذه الأرضية المشتركة، أن يوضح ويدافع عن القيم والواجبات الأخلاقية الأساسية التي تحتاجها الديمقراطية الليبرالية والتي تعتنقها معظم الأديان، على الرغم من أنه قد يكون لدى المؤمنين مبررات دينية إضافية لدعمها.

يُظهِر مبدأ المنطق العلماني أوجه تشابه واضحة مع واجب راولز في التحضر، نظرًا لأنه يعكس فكرة كانط عن المواطنين كمشرعين مشاركين ويوضح مبدأ أخلاقيًا للمعاملة بالمثل. لكن يترك التشابه مع نموذج العقل العام عند راولز مجالًا لاختلافات جوهرية. فلا تستند وجهة نظر عودة ، كما أشرنا، إلى التمييز بين المفاهيم السياسية للعدالة والمذاهب الشاملة للخير، بل على الجاذبية السياسية للقيم الأخلاقية الجوهرية والحدس والبداهة. القيمة المعياريًة للخطاب الأخلاقي هي أساس تبرير القرارات المتعلقة بالقوانين القسرية والسياسات العامة.[12] وينتج عن ذلك أن الأسباب  الكافية التي يقدمها المواطنون لتبرير موقفهم يجب أن تكون علمانية، ولكن ليس بالضرورة عامة بالطريقة التي يحددها راولز.[13] فيمكن أن يكون الخطاب الأخلاقي وسيطًا بين الأطر المعيارية المختلفة بما في ذلك الالتزامات الدينية والمثل السياسية العلمانية. تلعب اعتبارات المعاملة بالمثل دورًا، لأن يسعى المواطنون المتدينون من خلال تقديم  تسويغ أوسبب علماني لتبرير موقفهم على الأقل،على أرضية يمكن للمواطنين غير المتدينين أن يستجيبوا لها . لكن تعتبر البديهيات الأخلاقية الأساسية الأخرى حول واجبات الوقاية من الأذى أو المنفعة أو الوفاء بالوعد أيضًا متاحة للجميع. وبالمثل، فإن تقدير القيم الجوهرية التي تشمل ازدهار القدرات البشرية الأساسية هو أساس كاف ومناسب للتداول السياسي، حتى بما في ذلك الإكراه، كما في حالة التعليم الإلزامي (انظر أعلاه). باختصار، وطبقاً لرؤية عودة، يمكن استخدام مجموعات مختلفة من الأسباب الموضوعية لتبرير المقدمات الأساسية للديمقراطية الليبرالية. إنه ليس مهتمًا بتقديم صيغة واحدة شاملة من الليبرالية، ولكن بالأحرى ينظر في الكيف الذي تتوافق الأسباب الموثوقة مع عملية التبرير العام ضمن سياق بيئة ديمقراطية ليبرالية  قائمة مسبقًا.[14]

الصوت المدني والنشاط الديني

يدعي عوده أن وجهة نظره تشمل الدين من خلال اللجوء الى فكرة التوازن بين الأطر الدينية والقيم الأخلاقية الجوهرية. ومع ذلك، فقد تعرض مبدأه بشأن المنطق العلماني للنقد لأنه أدى إلى عواقب إقصائية من خلال الضغط على المواطنين  المتدينين لإخفاء  تسويغاتهم وأسبابهم الدينية تحت قناع أوعباءة علمانية؛ وأن المؤمنين يخضعون، على هذا النحو،الى العبء الذي يُعفى منه نظرائهم العلمانيون.[15] يرد عودة  على هذين الاعتراضين من خلال تقديم مبدأين أخلاقيين متكاملين: مبدأ الدافع العلماني ومبدأ المنطق الديني. يتم صياغة مبدأ الدافع العلماني على النحو التالي: يقع على عاتق المواطنين في نظام ديمقراطي التزام بالامتناع عن الدفاع أو دعم أيً قانون أو سياسة عامة تقيًد السلوك البشري، ما لم يكن دافعهم وفق سبب وتسويغ علماني كافٍ.[16]

مبدأ الدافع العلماني هو مبدأ فضيلة – أي أنه أقل إلزاما من الناحية المعيارية ويهتم بالطريقة التي يتعامل بها المواطنون مع بعضهم البعض،[17] في حين أن مبدأ المنطق العلماني هو مبدأ تسويغ: إنه يهدف إلى وضع قيود معرفية على المصادر التي يعتمد عليها الناس لمشاركتهم في العملية الديمقراطية. وعلى خلاف مبدأ الدافع العلماني، يؤثر الاهتمام بالمسوغات والأسباب العلمانية على مضمون الخطاب العمومي والتداول. إذا أخذنا هذين المبدأين معًا، فإنهما يسمحان للمواطن المتدين بتقديم العديد من الأسباب الدينية التي تتطلب مناقشة عامة، مع تحفيزها بمُثل دينية أيضًا، بقدر ما يكون لديه أيضًا سبب علماني واحد على الأقل يبرر موقفه ويحفزه.

وبالمقارنة مع مفهوم راولز، في هذا السياق، يبدو مفهوم راولز أكثر انفتاحًا على الاستعمال المؤقت  للمسوغات والأسباب الدينية وحدها، حيث يتصور أنه ينبغي تقديم الأسباب السياسية “في وقتها المناسب”؛ لا يشير عودة، في المقابل، إلى إمكانية أو أحتمال تأخير تقديم الأسباب العلمانية.[18] ومع ذلك، فإن تقديم الأسباب الدينية في النقاش العام له أهمية أخلاقية بالنسبة لعودة لا يقرها الواجب الراولزي في  التحضر. توضح أخلاق المواطنة عند عودة ذلك من خلال مبدأ المنطق الديني: لدى المواطنون المتدينون في المجتمع الديمقراطي التزام بدهي بعدم تأييد أو دعم أي قانون أو سياسة عامة تقيد السلوك البشري، ما لم يكن لديهم، ومستعدون لتقديم، مسوغ أو سبب ديني كافي لهذه الدعوة أو الدعم.[19]

إن استخدام المؤمنين لأسباب دينية، بالنسبة لعودة، هو واجب أخلاقي يقوم على شرط النزاهة والصدق؛ ونظرًا لأن مشكلة الإكراه مركزية في الديمقراطية الليبرالية، يجب أن يكون المواطنون مستعدين للإفصاح عن مسوغاتهم و أسبابهم عندما يناقشون ويتخذون القرارات. إن مبدأ المنطق الديني هو في الوقت نفسه شكل من أشكال التأكيد على الدور التبريري للأسباب الدينية وضمانة ضد النفاق في المداولات العامة: يجب التعبير عن الأسباب الدينية علانية ولا داعي لأن تكون مُقنعة كأسباب غير دينية. إن الإخلاص، وفقًا لأخلاق المواطنة لدى عودة، عنصر أساس في تحديد الصوت المدني المطلوب أن يساهم به الناس في جهود المداولات العامة والحكومة الديمقراطية. لكل مواطن الحق في أن يكون قادرًا على التوقع من  نظرائه التعبير علنًا عن جميع الأسباب التي يشعرون معها أن موقفهم له مايبرره وأنهم يتصرفون علنًا بناءً على دوافع يمكن أن تُفهم دون تغيير وجهة نظرهم بشكل جذري.[20] إن تحقيق هذا الشكل من الفضيلة المدنية هو تعبير عن التزام من المواطنين المتدينين بتحقيق توازن-أخلاقي،[21] “توازن بين  المواقف والمعتقدات الأخلاقية الدينية والعلمانية”.[22] إن هذا التوازن من النوع الأخلاقي الشامل وهو نتيجة جهد لإيجاد توازن معرفي تكون فيه المعتقدات والمواقف الأخلاقية للشخص متسقة وتدعم بعضها البعض بقدر الإمكان. تعد المشاركة المدنية، من هذا المنظور، طريقة حاسمة ومصيرية للمواطنين المتدينين لدمج معتقداتهم الدينية والعلمانية في تفكيرهم وسلوكهم السياسي تدريجياً.[23] يمكن للرؤى الدينية أن تثري، بل وتقود المرء إلى مراجعة الحدس البدهي الأخلاقي العلماني؛ ومن ناحية أخرى، يمكن أن تكون المعتقدات الأخلاقية العلمانية بمثابة مصدر نقدي للأشخاص المتدينين للتشكيك في فهمهم لمتطلبات الوصايا الدينية. يمكن أن يقترح التعرض لأشكال البحث غير الدينية والتفكير العملي أيضًا اتجاهات ومقاربات جديدة عندما يتعلق الأمر بتفسير المصادر الدينية (مثل الكتب المقدسة أو التقاليد اللاهوتية أو التجارب الشخصية). يحافظ هذا الموقف المتوازن على المكانة المركزية التي تحتلها الأسباب الدينية في حياة المؤمنين بالإضافة إلى الحفاظ على التزامهم بالتبرير العام. إن التوازن بين الاعتبارات العلمانية والدينية هو المفتاح لإمكانية التبرير العام بين المواطنين الذين لديهم التزامات دينية مختلفة. فيمكن للمواطنين المتدينين الذين توصلوا إلى تبرير وجهة نظرهم الأخلاقية على أساس مزيج متماسك من الأسباب الدينية والعلمانية، تقديم هذه الأسباب في عملية التبرير العام والسماح للمواطنين العلمانيين بفهم موقفهم بناءً على أساس غير ديني، اساس منطقي عقلاني.

هناك حالتان تقدمان اختبارًا مثيرًا للاهتمام لأخلاق المواطنة عندي عودة: (i) مسألة التعليم الديني في إطار التعليم العام الإلزامي و (ii) دور الخطاب الديني في الدفاع عن الحقوق الأساسية.

(i) النظر أولاً في النقاش المتعلق بإدراج تدريس الدين في مناهج التعليم العام. المدرسة العامة هي مؤسسة يتم فيها نقل القيم والمبادئ الأساسية للديمقراطيات الليبرالية واستيعابها. كيف يمكن للمدارس العامة ، عند تنفيذ هذه المهمة، أن تكون ذات قيم غير محايدة دينياً؟ لا تنتهك المؤسسات العامة الحياد الديني من خلال تبني حلول شاملة تحدث تغييرأ ملحوظاً تتحدى العلاقة القائمة بين الأسباب الدينية والعلمانية للطلاب من منظور عودة .

ليس الدين موضوعًا للتعليم العام في مختلف البلدان، ولكن تدريس العلوم والأخلاق في المدارس العامة له تأثير محتمل على إيمان الطلاب. يؤيد تدريس علم الأحياء التطوري المعتقدات التي لا تتوافق مع التفسير الحرفي للكتب المقدسة. ويدعو تدريس بعض المبادئ الأخلاقية الأساسية، مثل تحريم القتل والسرقة والكذب، إلى التساؤل عن مدى توافق هذه المحظورات مع العقائد الدينية المختلفة والأسس المحتملة للأخلاق عند الله. إذا قالت الكتب المقدسة أن الكذب على فئة معينة من الناس له ما يبرره ولكن الأخلاق التي يتم تدريسها في المدارس تنفي ذلك، فهناك تضارب في المضمون  ومشكلة في التبرير. لا يجب على المدارس العامة، لتجنب انتهاك الحياد الحكومي تجاه الدين، تعليم طلابها أنه ينبغي عليهم رفض الافتراضات الدينية مثل “خلق الله العالم” أو ” أن صحة الواجبات الأخلاقية تعتمد على وجود الله”.[24] ومع ذلك  يمكنهم تعليم وجهات نظر مختلفة وتقديم الحجج التي تتحدى هذه المعتقدات.

هذا الموقف الحيادي من التعليم العام هو مصدر قلق للأديان المغلقة، ويمكن أن يؤدي بها إلى صراع مع نظام المدارس العامة. فعلى سبيل المثال تم في كندا والولايات المتحدة إنشاء أنظمة المدارس العامة “متعددة الأشكال” لتفضيل انتشار برامج التعليم العام. تسمح هذه الأنظمة بالتعليم القائم على الدين في إطار المناهج العامة. يتوافق هذا التفاعل بين البرامج التعليمية الدينية والعامة مع وجهة نظر عودة القائلة: يجب على  المواطنين المتدينيين أن يتبعوا توازنًا أخلاقيًا. ويتم ذلك من خلال مساعدة المواطنين المتدينين بتعليمهم على أساس مناهج تقدم تعاليم دينية وعلمانية السعي لتحقيق تكامل أكبر بين أسبابهم الدينية والعلمانية. وبهذا المعنى، يشجع الانضمام إلى نظام التعليم العام الأشكال المناهضة للدوغمائية وللطائفية، ومن النتائج المرغوبة لهذه العملية اعتماد تفسير غير حرفي لقصص الكتب المقدسة وتعليم الالتزامات الأخلاقية الأساسية كمبادئ مشتركة مع بقية السكان.[25] تتماشى هذه النتائج مع هدف التعليم العام الإلزامي، حيث تزود المواطنين بالمصادر المفاهيمية والأخلاقية التي تدعم مشاركتهم في الحياة الديمقراطية. ومن هذا المنظور، يغفل فصل راولز- مثلاً- بين السياسي والرؤية الشاملة أهمية التعامل مع معتقدات المواطنين وقيمهم الجوهرية لدعم الروح الديمقراطية التي تربط بين أبعاد السياسة من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. وبهذا المعنى، فإن الأنظمة التعليمية الشاملة  ضرورية لتعزيز أخلاق المواطنة التي تأخذ بجدية مشاركة المؤمنين في الحياة الاجتماعية والسياسية المشتركة.

(ii) النظر في دور الخطاب الديني في الدفاع عن الحقوق الأساسية. هل اللجوء إلى المسوغات والأسباب الدينية مبرر دائمًا في هذه الحالة، حيث لا يتم تقديمها لتبرير الإكراه بل لحماية الحريات الأساسية؟ لا تأخذ إجابة عودة هذا السؤال في الحسبان نوع الأسباب التي يتم تقديمها في المجال العام. يجادل عودة بأنه يجب على  المؤسسات والقادة الدينيين أن يظهروا أكبر قدر من ضبط النفس من المؤمنين العاديين عندما يتعلق الأمر باستخدام الأسباب الدينية في الأمور السياسية. تقع على عاتق المؤسسات الدينية وقادتها المسؤولية الأخلاقية في أقناع  أتباعهم بعدم استخدام سلطة الدين للتدخل في عملية ديمقراطية تشمل كافة المواطنين على قدم المساواة. ومن هذا المنظور، لا ينبغي للمؤسسات الدينية أن تؤيد المرشحين للمناصب العامة ولا تدعم القوانين التي تقيد السلوك. بالإضافة إلى ذلك، يجب على القادة الدينيين الفصل بين آرائهم السياسية الشخصية وآرائهم كرجال دين.[26]

ومع ذلك ، فأن قبول الاعتبارات الدينية في حالات معينة  لدعم التحرر من القيود شئ ؛ ومدى استحسانها واستصوابها شيء آخر تمامًا”. من هذا المنظور على الرغم من أن الاحتكام الى الاعتبارات الدينية في حد ذاته أمر غير قابل للاعتراض على أساس مبدأ المنطق الديني، لكن أن  تكون مبنيًة على سلطة دينية أو قراءة حرفية للكتاب المقدس فستكون طائفية مثيرة للانقسام.[27]. ثانيًا، لا يزال استخدام الحجج الدينية المصاغة بطريقة غير طائفية أقل من المثال المطلوب:

من الواضح أن هناك “أسبابًا شاملة” (بالمعنى الذي يقول فيه راولز)، مثل قيمة الأستقلالية في حياة الإنسان بالمعنى الذي يقول فيه كانط، تشترك فيها جميع التقاليد الدينية التي من المحتمل أن يتم تمثيلها في مناقشة سياسية في دولة ديمقراطية. ولكن حتى في حالة وجود مثل هذه القواسم المشتركة بين الأديان، قد تؤدي أو لا تؤدي الإشارة إليها إلى قيام المواطنين بإدخال الحجج الدينية في الخطاب العمومي التي توحدهم بدلاً من أنقسامهم.[28]بالنسبة لعودة، ستكون الحجة الأخلاقية التي يتم التعبير عنها بطريقة دينية مقبولة، ولكنها غير مستحسنة. يتوقع عوده كذلك أن يفصل رجال الدين دائمًا وجهات نظرهم السياسية عن دورهم على الرغم من أن هذا قد يستلزم منهم أن يمتنعون عن الانضمام إلى النقاش السياسي تمامًا.[29]

التوافق، والعبء غير المتكافئ، والشمولية

تتحدى أخلاق المواطنة عند عودة  الفصل الصارم بين التصورات الشاملة ومجال السياسة. لا يمكن فصل تصنيف الخير والعدالة في تجربة العديد من المتدينين، فهما يمكن أن يصدرا عن مزيج من المعتقدات الدينية وغير الدينية. ومع ذلك، يعتمد منظور عودة على افتراضات مفرطة في التفاؤل حول مستوى الاتفاق الذي يمكن الوصول إليه وفقا لأسس علمانية على أساس القدرات المعرفية “الطبيعية”. إنه يكشف، بهذا المعنى، عن أنه يقيم أعتبار للتسويغات والأسباب الأخلاقية الشاملة مثل “قيمة نوع الاستقلالية في حياة الإنسان التي يقول بها كانط”[30] التي ينبغي أن تشترك فيها التقاليد الدينية في المناقشات الديمقراطية. تفصل أخلاق المواطنة عند عودة على غرار المقاربات التوافقية الأخرى للعقل العام بشكل مصطنع، ايً عن طريق التدخل البشري، منطقة اتفاق قائمة على تسويغات وأسباب مستقلة (أسباب أخلاقية علمانية) من منطقة الخلاف (حول الدين). لكن يمكن أن يكون  الخلاف حول القضايا غير الدينية مثله مثل الخلاف حول المسائل الدينية ويمكن أن تكون مثارًا للجدل والانقسام بين القادة السياسيين العلمانيين مثلهم مثل القادة الدينيين.

تصطدم مبادئ عودة، بمايلي: (i) مشكلة العبء غير المتكافئ الذي يتحمله المواطنون المتدينون عند الانضمام إلى عملية التسويغ أو التبرير العام و (ii) مشكلة الإجماع على أساس أسباب علمانية مستقلة كما يُزعم.

(i) لا يتم تقاسم عبء التبرير العمومي بالتساوي بين المواطنين المتدينين والعلمانيين. إن تركيز عودة على الطابع الديني للأسباب باعتبارها تمثل إشكالية للتبرير العام يمكن أن يثقل كاهل المواطنين المتدينين باعتبارهم متدينين بطريقة لا تناسب المواطنين العلمانيين. لايمكن للمواطنيين المتدينين المجادلة علنًا بموقفهم السياسي إلا إذا تمكنوا من تقديم مرشح مناسب ضمن مجموعة فرعية من مبرراتهم في حين يمكن للمواطنين العلمانيين تقديم أي سبب لديهم طالما كان مناسبًا لمهمة التبرير. قد يجد المواطنون ذوو الالتزام الديني القوي صعوبة في القيام بذلك، لاسيما فيما يتعلق بالمسائل الأخلاقية المثيرة للجدل  بشدة، والتي من المرجح أن تثير التساؤل حول منظورهم الديني عن الحياة والموت والقيم الوجودية الأخرى. يمكن زيادة هذا العبء من خلال مبدأ الدافع العلماني، الذي يتطلب من المواطنين المتدينين التعبير عن مطالبهم ليس من خلال تقديم أسباب ومسوغات علمانية فقط، ولكن أيضًا بسبب تلك المسوغات والأسباب العلمانية. وفي نهاية المطاف، هناك آثار إقصائية لأخلاق المواطنة عند عودة لا يمكن موازنتها إلا بشكل جزئي من خلال إدراجه للمفاهيم الجوهرية للخير في عملية التبرير العام. وابرز مثال على ذلك هي حالة مارتن لوثر كينج  بوصفها رمز للانقسام الداخلي الذي يطالب به الأشخاص المتدينون اذا ما تم تطبيق مبادئ عودة. هل من الممكن الفصل بدقة بين آراء كينغ السياسية وآرائه كقائد ديني؟ من الصعب أن نتخيل لا يلعب التزام كينج الديني وتجربته كعضو في المجتمع الديني دورًا رئيسا في تشكيل وجهة نظره وجعلها ملائمة لمواطنيه. بشكل عام، يمكن التمييز بين وجهات النظر السياسية والدينية لرجال الدين، ولكن قد لا تكون قابلة للفصل في بعض الحالات كما يشير عودة. يجب أن يحترم سلوك رجال الدين التمييز بين المجالين، ولكن في بعض الحالات قد يكون طلب الفصل الصريح غير واقعي بسبب العلاقة بين شخصيتهم والمعتقدات التي  يمثلونها.[31] يفرض هذا الوضع مطالب شاقة على قدرات المواطنيين العاديين ذوي التزامات الدينية القوية. فعلى الرغم من أنهم لا يمثلون أي مجموعة أو مؤسسات  دينية، إلا أنهم ما زالوا بحاجة إلى التساؤل عن  دوافعهم الفردية للمشاركة السياسية والتأكد من أن لديهم سببًا كافيًا غير ديني للدفاع عن ما يفعلونه في أي وقت.

يؤدي التوزيع غير المتكافئ للأعباء بين المواطنين المتدينين والعلمانيين إلى سؤال: ما الذي يجعل الدين مميزًا في هذا السياق ويبرر أن يُستثنى من بين  العوامل الأخرى التي يمكن أن تحد من عدم كفاية السبب المبرر والمحفز للفاعلية السياسية؟

يشير عوده إلى أن الأسباب الدينية مرتبطة بالبنى الكنسية للسلطة (وهو ما ينطبق على غالبية المؤسسات الدينية)، وبالتالي هي مصدر محتمل لتبرير سيطرة الجماعات الدينية الأخرى؛ لكن تشكل الجماعات الثقافية والعرقية واللغوية والاقتصادية  تهديدات مماثلة بينما هي تعتمد كليًا على أسباب غير دينية لتبرير ادعاءاتها. كما يرى عودة أن الأسباب الدينية غير صالحة للتبرير العام بسبب اعتمادها على أسس إثباتية تتجاوز القدرات البشرية الطبيعية. لكن استيعاب الأسباب العلمانية للأسباب الطبيعية هي إستراتيجية تتضع جميع الأسباب الدينية في موقع  منفصل عن جميع أنواع الأسباب غير الدينية، ابتداءً من ادلتها العلمية إلى تفضيلاتها القيمة الجوهرية، تحت راية العقل الطبيعي. ليست الأسباب الدينية “غير طبيعية” أو يتعذر الوصول إليها إذا ما قورنت بأنواع أخرى من الأسباب  الجوهرية الموضوعية. ينتشر المعتقد الديني عبر الثقافات والمجتمعات، وتدعم الأبحاث النفسية الحديثة فكرة أنه منتج حتمي للطبيعة البشرية منذ المرحلة الأولى من التطورتقريبًا.[32] علاوة على ذلك، قد تبدو وجهات النظر العلمانية التي تعتمد على سرديات كبرى محددة ومخططات مفاهيمية معقدة أنها محيرة ولا يمكن الوصول إليها مثل المذاهب الدينية. وفي النهاية، العبء غير المتكافئ الذي يفرضه منظورعودة على المواطنين المتدينين هو نتيجة الاستقطاب بين الأسباب الدينية والطبيعية التي تعكس فهماً ضيقاً للدين، على غرار اللاهوت المسيحي. أذ يُنظر إلى مجالات علم اللاهوت والأخلاق على أنها مستقلة ولكنها في النهاية تتقارب أيضًا بشأن الحقائق الأخلاقية الأساسية التي يمكن الاعتراف بها من قبل الجميع. واستمراراً مع هذا الفهم ، تقوم فكرة التوازن بين الثيو- أخلاق على افتراض عقلاني مفاده أنه، يمكن أن تنسجم المعتقدات الدينية للمواطنين، بعد تحررها من قيود الدوغماتية والحرفية، مع مضمون يسهل لكل فرد الوصول إليه بواسطة العقل العلماني. إن عوده محق في تسليط الضوء على الدور التغييري للتعليم العام والذي ينبغي أن يزود الطلاب بالأدوات الهامة والمعرفة الأساسية اللازمة لممارسة دورهم كمواطنين واعين، ومع ذلك، لا تحدد هذه العملية بالضرورة الانسجام والتقارب بين وجهات النظر الدينية والعلمانية. إن السمة المهمة التي تحدد المشاركة المدنية للمواطنين المتدينين هي، بالأحرى، الطعن والتنازع في المواقف العلمانية السائدة حول المسائل الأخلاقية والسياسية الأساسية، ومن المرجح أن يؤدي التفاعل بين الأسباب الدينية والعلمانية إلى إثارة النقاش والتغيير، ولكن ليس بالضرورة التوازن وتوافق الآراء.

(ii) تستند  قناعة عودة،  الى أن الأسباب العلمانية مصدر مستقل للتبريريمكن لكافة المواطنين الوصول إليها بافتراضه أن جميع المواطنين العقلانيين، إذا تم إبلاغهم بشكل مناسب، سيوافقون على بعض المبادئ الأساسية للأخلاق العلمانية بناءً على قدراتهم الطبيعية. ولكن الأخلاق العلمانية كمصدر مستقل للأسباب ليست بمنأى عن نفس الصعوبات التي تواجهها الليبرالية السياسية. وكما يجادل وولترستورف، “لا يوجد شيء من قبيل أخلاق علمانية مقبولة للجميع؛ لا توجد حتى أخلاق علمانية مقبولة لجميع العلمانيين أنفسهم”.[33] أما فيما يتعلق بقضايا مثل السماح بمساعدة الانتحار، أوعقوبة الإعدام، أو الهجرة، أو حقوق الحيوان، فهناك خلاف مستمر بين المواقف المتناقضة التي تدعمها الحجج العلمانية والدينية. إن مشكلة التوافق لا تحل بمبدأ الضبط والسيطرة.

يقر عوده بأنه يجب أن نقبل الخلاف العقلاني في المجتمعات الديمقراطية كظاهرة يعارض فيها المواطنون بعضهم بعضاً بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو غير الدينية. في جميع حالات الخلاف هذه، كلما كان لدينا المزيد من الأدلة عن الأطراف ذات الصلة، أي الأشخاص الذين يتمتعون بنفس القدر من العقلانية، وعلى دراية بنفس الأدلة، وعلى القدر نفسه من الضمير في حكمهم، كلما زاد التزامنا أخلاقياً باختيار التسامح على الإكراه،[34] لكن هذه الحجة تنقل فقط مشكلة الإجماع من المسألة المطروحة إلى المبادئ الأخلاقية التي من المفترض أن توجه سلوك المواطنين عند التداول بشأنها. إن الدعوة إلى التسامح مع الإكراه في حالة استمرار الخلافات هو إعادة تأكيد للمثال الليبرالي للحرية، لكنه لا يفلت من النقد القائم على التعددية الداخلية للثقافة السياسية الديمقراطية.[35] إن أكثر النزاعات الأخلاقية العامة سخونة هي التي يصعب معها الحفاظ على التمييز بين “عدم وجود قاعدة” (الحرية المطلقة) وقاعدة متساهلة للغاية.  تحمل الخلافات الأخلاقية المألوف فيما يتعلق بمناهج التعليم العام، والتحكم في الأسلحة، وأبحاث الخلايا الجذعية، من بين أمور أخرى كثيرة، في جوهرها نزاع حول ما إذا كان هناك معنى لعدم وجود قاعدة / قاعدة الجواز أو التسامح.[36]

ما يبدو كموقف افتراضي غير قسري لوجهة نظر أخلاقية ليبرالية هو سياسة تمكن الدولة من دعم ممارسة لا أخلاقية من وجهة نظر أخلاقية مختلفة. يعتمد السعي وراء شرعية الإكراه بناءً على تسويغات وأسباب راولز العامة أو تسويغات وأسباب عودة العلمانية على افتراض أن الأشخاص العقلانيين سيتفقون إما على التصورات السياسية للعدالة المعقولة أو على المضمون الأساس للأخلاق العلمانية. لكن- في الواقع- لا يسفر عن العقلانية إجماع  بالضرورة. فمثلما تشكل العقيدة الشاملة للفرد مفهومًا للعدالة، فإنها تشكل أحكامًا حول المبادئ الأخلاقية أيضًا.[37]

ونظرًا لأن التركيز على الأسباب العلمانية لا يكفي لحل مشكلة الإجماع ، فمن المعقول التساؤل عما إذا كان تقسيم الأسباب إلى دينية وعلمانية ضروريًا بالفعل لتحديد الأسباب الكافية  لعملية التبرير العام. يكون السبب، وفقًا لعودة، علمانيًا عندما لا يعتمد وضعه كمبرر للفعل بشكل قاطع على وجود الله(ولكنه لا ينفيه أيضًا) ، أو يعتمد على الاعتبارات اللاهوتية أو فتاوى سلطة دينية.[38] وطبقاً لهذا الفهم، يكون هذا  التصور الأبستمي ( المعرفي) للعلماني مطلوب ولكنه غير كافٍ لتقديم سبب مناسب لإضفاء الشرعية على السلطة العامة. ينبغي وفقًا لمبدأ المنطق العلماني تقديم سبباً علمانيًا وكافيا في الوقت نفسه، حيث يكون السبب الكافي هو الذي يبررالاعتقاد والفعل، وتعني الكفاية، هنا، هي الفعل أو الاعتقاد القائم على سبب عقلانيا أو منطقيًا”.[39] تتمثل وجهة نظر راولز أحد البدائل لوجهة نظر عودة في تركيزها على ما يجعل الأسباب كافية للتبرير العام دون تحديد طابعها العلماني كشرط مستقل. من الممكن أن تثقل معايير الكفاية كاهل المتدينين بشكل مباشر أكثر من غيرهم، ولكن ليس من خلال استهدافهم باعتبارهم متدينين. هذه هي الإستراتيجية التي تبناها راولز، حيث اختار التحدث عن عقائد شاملة بدلاً من الأديان. إن رفضه تحديد  التسويغات والأسباب العامة والعلمانية، بناءً على هذا التفسير، أكثر شمولاً: عند النظر في ما إذا كان ينبغي جعل  نوع من العلاقات[40] بين المواطنين جرائم جنائية، فإن السؤال ليس ما إذا كانت هذه العلاقات مستبعدة طبقاً لفكرة جديرة التعبير عن الخير الإنساني كما تتميز برؤية فلسفية وغير دينية سليمة، ولا ما إذا كان أصحاب الإيمان الديني يعتبرونها خطيئة، ولكن ما إذا كانت القوانين التشريعية التي تحظر هذه العلاقات تنتهك الحقوق المدنية للمواطنين الديمقراطيين الأحرار والمتساوين في المقام الأول.[41]

لا يحتاج نقد الجانب التوافقي لنموذج عودة إلى انهيار التبرير العام في صراع مفتوح بين وجهات النظر الدينية والعلمانية المتعارضة. إن مشروعه لأخلاق المواطنة مقنع لإشارة إلى أن بعض القيود الأخلاقية على السلوك الديمقراطي للمواطنين يجب أن تكون موجودة حتى يكون التبرير العام ممكنًا. لا توفر الآراء غير الأخلاقية والتمييزية بشكل صارخ أساسًا كافيا للتداول الديمقراطي (انظر ما فصلناه أعلاه). يستلزم الأندماج  في العملية الديمقراطية قبول المقدمات الأساسية لها، مثل احترام كرامة الأشخاص، والحريات الفردية، والمساواة في المعاملة أمام القانون. ومع ذلك، يمكن أن تكون الأسباب الدينية ضمن هذه النطاقات المقيدة، مثل الأسباب العلمانية إما بداية للمحادثات أو توقفها.[42] إن الطموح إلى تحديد مصدر مستقل للتسويغات والأسباب  يضمن إمكانية المحادثة أمر مضلل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] روبرت عودة  فيلسوف له اهتمامات واسعة النطاق، من نظرية المعرفة ونظرية الفعل إلى النظرية الأخلاقية وأخلاقيات العمل. خصص جزء كبير من عمله منذ ثمانينيات القرن الماضي لفلسفة الدين والعلاقة بين الدين والسياسة. تعمل أخلاقياته عن المواطنة على جسر اهتمامه الطويل بمن النظرية الأخلاقية المعيارية إلى مجال المشاركة المدنية والالتزام الديني.

[2] Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason. Cambridge, UK: Cambridge University Press.: 59-60.

[3] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.48-53.

[4] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State,53.

[5] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.62.

[6] يقول عودة دعماً لهذا الموقف: تعتبر الأحكام على ما هو جدير بالاهتمام في حياة الإنسان ضرورية لتقليل محتوى وطريقة التعليم العام المطلوب بشكل صحيح. قد يفضل البعض أنواع القيم التي قد تفترضها الحكومة مسبقًا- ليس الحرية والمساواة فقط ولكن أيضًا عناصر الازدهار البشري– التي قد تفضلها بعض الأديان أكثر من غيرها. ولكن عندما يفهم المواطنون المبادئ الأساسية للحكم الديمقراطي السليم ، سيكون من الواضح أنه حتى أفضل الحكومات لا يمكنها أن تتوقع الفوز بموافقة كل مواطن. يكفي أن يوفر إطار الديمقراطية السليمة الفرص لكل مواطن للاحتجاج وطلب الدعم لتصحيح التفاوتات التي قد تجلبها الحالات الطاريئة والظرفيات التاريخية.

Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State, 57.

[7] يمكن أن تكون الآراء الشاملة مناسبة لمهمة التداول طالما أنها لا تنتهك بعض القيود الأخلاقية الأساسية: أترك مفتوحًا لأن رؤية الصالح يمكن أن تكون شاملة للغاية في النطاق دون الترخيص بانتهاك مبادئ الحرية والمساواة والحياد. . قد لا يوافق راولز على ذلك ، كما أنه ليس من الواضح مدى الحياد الذي سيحتاجه في الأمور ذات القيمة من الحكومة الديمقراطية.

Audi, R. (201l b) Rationality and Religious Commitment. Oxford: Oxford University Press.163n.12.

[8] Audi, R. (2004) The Good in the Right: A Theory ef Intuition and Intrinsic Value, Princeton, NJ:

Princeton University Press.191-192.

[9] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State. 65-66.

[10] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.76.

[11] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State,77-86.

[12]   Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State,70.

لا يعني عودة “أنه يجب مشاركة التسويغات والاسباب الكافية من قبل الجميع ، حتى لوكان الجميع يفكر فيها بجدية” ولكن فقط يجب أن تكون في متناول جميع البالغين العقلانيين، مما يعني أنه ينبغي “تقييمهم من خلال استخدام  السبب والتسويغ في على ضوء الحقائق التي يمكنهم الوصول إليها على أساس ممارسة قدراتهم العقلية الطبيعية “. يقترن مفهوم المعاملة بالمثل بفكرة أن جميع الأشخاص يتشاركون قدرات عقلانية اساسية؛ تمنحهم هذه القدرات العقلانية الوصول إلى نفس المصادر المعرفية. لاحظ أن الوصول إلى المصادر المعرفية نفسها  لا يعني على الإطلاق أن لدينا نفس التسويغات و الأسباب ، فقط أننا نشكل التسويغات والأسباب بالاعتماد على المصادر نفسها.

[13] Rawls, J. (1999 b) A Theory of Justice. Revised edition. Cambridge, MA: Harvard University Press.

[14]  Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason.63-65.

[15] Habermas, J. (2006) “Religion in the Public Square”, European Journal of Philosophy 14(1): 1- 25.

على وجه التحديد ، ما هو على المحك في هذه الحالة هو أخلاقيات أفعال المواطنة العامة التي ، وفقًا للمصطلحات الكانطية ، يجب أن يقوم بها المواطنون من واجبهم المتمثل في الاحترام تجاه محاوريهم وليس فقط بشكل متسق مع ما ينص عليه واجبهم للقيام به.يفسر هابرماس وجهة نظر عودة على أنها صيغة  من واجب  للكياسة والأدب  عند راولز، ويركز معظم اعتباراته على مبدأ المنطق العلماني دون مراعاة المبادئ الأخرى.  يجادل عودة  في نقده لهابرماس، بأن شرط ترجمة الأسبابا الدينية الى علمانية  أكثر إلحاحًا للمواطنين المتدينين من مبدأ المنطق العلماني ، لأن الأخير يترك الأسباب الدينية “كما هي” ولا يطلب سوى تقديم بعض الأسباب العلمانية على الأقل.

[16] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.143.

ليست نظرية  عودة  الأخلاقية عواقبية. إن إطاره المعياري هو إعادة صياغة للحدس الأخلاقي لـ روز WD Ross المدمجة مع العناصر الكانطية. وبهذا المعنى ، فإن تقييم عودة للقيمة الأخلاقية لسلوك المواطنين يأخذ بعين الاعتبار محتواه ودوافعه.

[17] على وجه التحديد ، ما هو على المحك في هذه الحالة هو أخلاقيات أفعال المواطنة العامة التي ، وفقًا للمصطلحات الكانطية ، يجب أن يقوم بها المواطنون من واجبهم المتمثل في الاحترام تجاه محاوريهم وليس فقط بشكل متسق مع ما ينص عليه واجبهم للقيام به.

Wolterstorff, N. (2007) Justice: Rights and Wrongs. Princeton, NJ: Princeton University Press.32-33.

المبدأ الأول أكثر إلزامًا من الناحية الأخلاقية. والثاني يحدد معيار الفضيلة المدنية. يهدف تزاوجهم إلى نموذج أخلاقي للمواطنة أقل تركيزًا على التبادل الحصري للأسباب ، والتي يمكن تنظيمها من الناحية الإجرائية. لا تتطلب الفضيلة المدنية احترام الواجب فحسب ، بل تتطلب أيضًا إحساسًا بالنزاهة بين أفعال الكلام ودوافع الشخص.

[18] Wolterstorff, N. (2012b) Understanding Liberal Democracy: Essays in Political Philosophy. ch.1.

[19] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.89.

[20] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.148.

[21] Wolterstorff, N. (2007) Justice: Rights and Wrongs. Princeton, NJ:.21.

Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason.130-133.

[22] على هذا الأساس ، يجادل عودة أودي بأن النزاعات بين العلم والدين غالبًا ما تكون فقط نتيجة التمسك بمفاهيم محددة للعقائد الدينية التي لا تتطلب بأي حال من الأحوال أن تكون شخصًا متدينًا ضميريًا: في العديد من التقاليد الدينية  بما في ذلك ذات التقليد الأبراهيمي ، كما في المسيحية واليهودية مثالاً، يُنظر إلى الدراسة العلمية للطبيعة بسهولة على أنها محاولة لفهم خلق الله. يمكن للمرء أن ينظر إلى الاستقصاء العلمي باعتباره استخدامًا للعقل المتصور على أنه هبة طبيعية من الله. من المؤكد أن نظرية التطور لا تتماشى مع وصف الخلق الوارد في سفر التكوين بين ما سبق ذكره حرفيًا. لكن لم يعد  التفسير الحرفي للنصوص المقدسة في جميع النواحي  مطلبًا لاهوتًا معقولًا ويرفضه مفسرو الكتاب المقدس بشكل متزايد.

Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.22.49.

[23] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.134.

[24] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.48-52.

[25] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.50-53.

[26] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State95-97.

[27] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State94.

[28] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State94.

[29] Audi, R. (2000) Religious Commitment and Secular Reason.: 49.

[30] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.94.

[31] بالإشارة إلى هذه الصعوبة ، لا نتغاضى عن أن المشاركة المباشرة لرجال الدين في الشؤون السياسية يمكن أن تدعم آليات الإقصاء والسيطرة. انظر على سبيل المثال مناقشة روري لمشكلة رجال الدين في:

Rorty, R. (2003) “Religion in the Public Square: A Reconsideration”, Journal of Religious Ethics

31: 141- 149.

 

[32] Barrett, J.L. (2012) Born Believers: The Science of Children’s Religious Belief. New York : Free Press.

[33] Wolterstorff, N. (2012b) Understanding Liberal Democracy: Essays in Political Philosophy. Oxford: Oxford University Press.97.

[34] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.118-120.

[35] لإجراء تحقيق مكثف في الأصول المتضاربة لمفهوم وممارسة التسامح ، أنظر:

Forst, R. (2013) Toleration in Conflict: Past and Present. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[36] Talisse, R. (2014) “Moral Authority and the Deliberative Model”, Philosophical Studies 170(3).

555-561.560- 561.

[37] Wolterstorff, N. (2012b) Understanding Liberal Democracy: Essays in Political Philosophy.36-37.

[38] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.67.

[39] Audi, R. (201la) Democratic Authority and the Separation of Church and State.67- 68.

[40] مثلا: لعلاقات الجنسية خارج المؤسسة ” الشرعية الدينية” أو المثلية

[41] Rawls, J. (1999 b) A Theory of Justice. 148.

[42] Perlin, J. (2011) “Religion as a Conversation Starter: What Liberal Religious Political Advocates

Add to the Debate About Religion’s Place in Legal and Political Discourse”, The Georgetown Law journal 100: 331- 365.ch.8.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0