نزعة اللامعقول في رواية وتترنح الأرض
أدب و تراث مختارات مقالات

نزعة اللامعقول في رواية وتترنح الأرض

نزعة اللامعقول في رواية ” وتترنح الأرض “

بقلم: كه يلان محمد

إنَّ العوامل السلبية تلعبُ دورًا مهمًا في عملية التقدم حسب رأي هيغل ويسمى تلك المفارقة بمكر التاريخ، هذا يعني أنَّ شحنةَ التفاؤل عاليةُ بحركة الواقع حسب منطق العقل الهيغلي، لكن ماذا يكونُ عليه الموقف عندما يتفاقمُ العبثُ ويمتدُ مستنقع البؤسُ ويبوءُ منطقُ العقل بالفشل في فهم الظواهر المقيتة؟ إذ يستشتري الفساد والدمار  وينهارُ الإنسان أمام منطق المادة ويتسربُ الحبُ من القلوب الخائبة، إلى أن تتخشب العواطف بحيثُ يغدو النهم والإلتذاذ الغريزي الشغل الشاغل للجميع، حينذاك يخسرُ الكائن البشري كل أبعاده الجمالية ويغدو أداة طيعة وفق حسابات مادية، هنا يزاحمُ الأدب وبالتحديد آلية السرد الروائي الفلسفة في إضاءة المضمر بالمشهد ويكونُ التوغل في نفق النزعات التدميرية اللامعقولة سمةً أساسية للإشتغالات الروائية وهذا ما يستمدُ منه فن الرواية الخصوصية، أكثر من ذلك فإن مهمة الروائي تتمثلُ في رصده لهباء التاريخ وما همشَ ولم يتسع له المتن، وقد تكون الرواية تعويضاً للتاريخ وما يسرد ضمن إطاره المطوع لمرويات رسمية، تدفعُ الكاتبة والروائية السورية “دعد ديب” بشخصيات مثقلة بالخيبات إلى مسرح روايتها الأولى “وتترنح الأرض” الصادرة عن دار التكوين لعام 2019، حيثُ ينفتحُ العنوان على مداليل متعددة ويأخذ بالمتلقي إلى لعبة تأويلية متشابكة مع الميثولوجيا السومرية-الثور الذي يحمل الارض على قرنيه- الأمر الذي يفهمُ بالوضوح إذا تمت قراءة العتبة الأولى متجاورة مع صورة الغلاف، غير أنَّ مايشدُ الانتباه لأول  وهلة هو تركيبة الجملة الفعلية المعطوفة على المحذوف، مايعني أن مناورة النص تبدأُ من العنوان.

الإضمار

يتفاعلُ المتلقي مع النص الروائي كلما تم توظيف تقنية الإضمار في تشكيلته أو تراوح النص بين جدلية الإضمار والتجلي، ولاينجلي الغموض عن مفردة عنوان رواية “وتترنح الأرض” قبل متابعة محتوياتها إذ تجد شخصيات هذا العمل على قيد المتاهة والعبث، ومع مضي السرد قُدماً يظهرُ العالم أكثر هشاشة وتهلهلاً، ويأتي المسلك الأول من الرواية مازجاً بين السرد والوصف إذ يلمحُ المتكلم بالمضمر الأول إلى الأجواء العاصفة، وذلك يعادله على الصعيد النفسي القلق والتوتر من لحظة اللقاء الذي يجمعُ بين شخصيتين قد غزت الغربة فضائهما، ولا يلوح في أفق الإثنتين سوى أطياف من زمن عامرٍ بالحب، ومن ثمَّ تقفُ عدسة السرد عند ملامح المقابل وما تشير إليه الألوان المرسومة من التحولات في الزمن،  كما أنَّ الصوت يسحبُ المستمعَ إلى فيافي المجهول الذي يحتضنُ اللذة والقلق في آن واحد، إذا كان مفتتح الرواية يتخذُ بنية منولوجيه إذ تتداعي الصور على الذاكرة فإنَّ الأقسام المتتالية تتجه إلى النمط الحواري، وينضحُ الكلامُ بالطابع الذهني المطعم بالحنين والعاطفة، وتنتقلُ مروحة الحديثِ بين عدة مواضيع منها الزمن الموشوم بالعار حيثُ لايفيد فيه التضامن مع الضحية إنما يجبُ الانتقال إلى صف الضحايا، إذا أريد للمرء الاحتفاظ بالحس الإنساني، فيما تخالف بارعة هذا الرأي مقتنعةً بوجود خيط واهن من الأمل،  يذهبُ ممدوح بعيداً في تشاؤمه بالإنسان واصفاً إياه بالوحش الذي يتذرع بالحرية لسفك مزيد من الدماء، ويسترسلُ الحوار القائم على بنية التقابل بين طرفين كل واحدٍ منهما يُمثلُ فكرة، بينما تبدي بارعة إعجابها بالغرب وحظوته في الاستقرار، يشيرُ ممدوح إلى مايؤكد استيحاش الغرب ومبادرته للقضاء على الألوان الصفر في اليابان والسود في أفريقيا والحنطي في الشرق والحمر في أمريكا، هنا يأتي الكلامُ مباشرًا بلغة تقريرية، مع أن الكاتبة استعارت صوت الرجل لتمرير تلك الأفكار وعلى هذا النحو يكون النقاش بين الحبيبين بشأنِ العمل والاتجار بالبشر واليأس، وتتخللُ أبيات شعرية في أعطاف الحوار مايعني وجود مستويات تعبيرية متنوعة في مساحة النص، كما يتحول الحوار في مفصل آخر من مناقشة فكرية إلى مطارحة غرامية، ويستشفُ مما يقولُه ممدوح بأنَّ الأخير يريدُ التماهي مع حبيبته كأنَّ بذلك يستعيدُ شقه المفقود مشيرًا لوحدة الجندر، هكذا يتحرك بندول النصُ بين المنولوج والحوار ويسكنُ المضمون حس نقدي مع نبرة عالية من الرومانسية أو ماتسميه ناتالي خوري الغريب بالروحانية المادية.

شخصيات مُحطمة

لاينفردُ ممدوح مع حبيبته بالمشهد بل تنضمُ شخصيات جديدة إلى فضاء النص وما يجمع بين هؤلاء هو خيبة الأمل فكان البحثُ عن الذهب الأسود بمثابة قبض ريح بالنسبة لفؤاد وممدوح الذي يتضاعفُ بؤسه بعد مقتل أخيه، ويحل عليه الشعور بالوحشة بعد غياب الأهل كذلك يتورطُ محمود المتدين مع زبيدة التي بيدها مفتاح الكنوز والشهوة، ولا يشاركها غير حاتم في اللعب على الحبال، تعتمدُ دعد ديب على مواقف الشخصيات لتوليد طاقة تهكمية إذ يتذكرُ محمودُ صدقاته بما كسبه من أموالأثناء عمله مع زبيدة، وهو مركون في زنزانته وتقتنعُ بارعة بأن تعيشَ على كنف رجل بلا نبض الحب، لكن مايبعثُ على التهكم والسخرية أكثر هو تحول زبيدة الغارقة في الفساد إلى رئيس حزب مدافع عن البيئة في فرنسا،  وما أن يكتشفَ ممدوح هذا الموقف حتى يبدأُ رحلة معاكسة عائداً إلى وطنه، يذكر أنَّ الرواية تقفلُ على بنية مدورة فالجملة الأخيرة هي ماتمرُ على المتلقي في الصفحات الأولى، ضمن حلقة ملتفة بالسرد، واللافتُ في برنامج الكاتبة هو تمكنها من صياغة الرواية بلغة معبرة عن السخط والعواطف كما حاولت أن تتخذ بينها وبين صنيعها من الشخصيات والأحداث مساحة بحيثُ توهم باستقلالية العالم المنتظم في بيت اللغة.

فالكاتبة لا تتكفلُ مباشرة بتقديم الشخصيات إنما تتيح الفرصة للإبانة عن مستوى الشخصيات من خلال إسترجاع لحظات فارقة،وإستبطان ذاتي .إضافة إلى تناص الرواية مع الموروث الأسطوري تنفتحُ أيضاً على الميثولوجيا الشعبية إذ تتماهى بارعة مع شخصية زرقاء اليمامة مايعني أنَّ المرأة لاتزال تعاني من قيود المتعارف عليه إجتماعيا.فيما تبدو صورة الأنثى في الخطاب الصوفي مغايرة فهي تكتنز الأسرار وترمزُ الى الديمومة بحيث أن المكان الذي لايؤنث لايمكن التعويل عليه وهذا ما تشيرُ ترويسة القسم المعنون باسم بارعة. “الجمهورية اللبنانبة”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0