السبي البابلي لليهود
فكر مختارات مقالات

السبي وتدمير أورشليم بين القرآن وأسفار العهد القديم

السبي وتدمير أورشليم بين القرآن وأسفار العهد القديم

بقلم: ا. محمد عبد العاطي

تؤكد سورة الإسراء في القرآن الكريم ما ذهبت إليه كتب أنبياء العهد القديم مثل سفرا إشعياء وإرميا وغيرهما بشأن حوادث التدمير والسبي الأشوري والبابلي والروماني، فتخبرنا السورة أن الله سلَّط على بني إسرائيل عدوا شديد البأس هم جنود مملكتي أشور وبابل بسبب فساد الشعب وتنكبهم العهد بينهم وبين ربهم، فجاس هؤلاء الجنود خلال ديارهم قتلا وسبيا وتدميرا لأورشليم و لهيكل سليمان، ثم تغيرت الظروف السياسية وتبدلت موازين القوى الإقليمية وعاد بنو إسرائيل إلى ديارهم التي شُرِّدوا منها، وكثر نسلهم وتعاظمت قوتهم، كما عادوا في نفس الوقت إلى ما كانوا عليه من نسيان عهدهم مع الله والتمادي في عصيانه، فسلِّط عليهم مرة أخرى عدوا جديدا متمثلا في الرومان الذين أعملوا فيهم القتل والتدمير وتخريب الهيكل.

وربما هذه هي المرة الأولى وأنا أقرأ سورة الإسراء أن ألتفت إلى هذا التطابق الكبير بينها وبين أسفار العهد القديم التي أتت على ذكر هذه الأحداث .. ولنقرأ الآن معا الآيات الأولى من سورة الإسراء ضمن هذا السياق ليتعمق فهمنا لها:

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا. (الإسراء: 5 ، 6 ، 7)

هذا التطابق بين القرآن الكريم وأسفار العهد القديم بشأن هذه الحوادث ربما يجعلنا، نحن المسلمين، أكثر تواضعا ونحن نتعامل مع تلك الأسفار فلا نسارع -كما يفعل البعض منا- في تعميم القول بتحريف كل ما جاء فيها وإهالة التراب عليها جملة وتفصيلا، لأن ذلك أولا ليس من هدي القرآن، كما سبق واستدللنا بتفسير آيات سورة الإسراء سابقة الذكر، والتي بالمناسبة وافق ما قلناه قول كبار مفسري الإسلام من الطبري وصولا للطاهر بن عاشور ولكن بأساليب مختلفة، وثانيا لأنه يضع حواجز مضرة معرفيا بين الكتب المقدسة الخاصة بالأديان الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.