فكر مختارات مقالات

فلسفة العيش ميتا

فلسفة العيش ميتا
من بنجامين فرانكلين إلى عمي الجيلالي

بقلم: طرايس الجيلالي – الجزائر

الولادة هي بداية الرحلة!، والموت هي نهاية الرحلة، والحياة هي تلك الفترة التي نقضيها مابين خروجنا من الرحم إلى غاية دخولنا ظلمة القبر، والفناء من الدنيا، والانتقال إلى عالم أخر، الله وحده يعلم مصيرنا فيها، إذا الفرق واضح وشاسع بين الحياة والموت، فالحياة أن تكون في هذه الدنيا، والموت يعني الانقراض والاختفاء مع استحالة العودة، إلى يوم الميعاد الموعود، لكن عندما تتسلل الفلسفة إلى الموت والحياة، تتغير معانيهما تماما، وربما يصبح الأحياء أموات، ويصبح الأموات أحياء، ويمكن أن تكون معنا وأنت في عداد الميتين، ويمكن لأموات منذ مئات السينين، أن يكونوا بيننا، نجالسهم نمازحهم ونخالطهم، لان الفلسفة عالم الأرواح لا عالم الأجساد.

دعوني أعود إلى العنوان، فقد اشتمل على شخصيتين إحداهما معروفة ولها وزنها التاريخي، فرانكلين بنجامين احد مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ايضا الذي قدم درسا فلسفيا في الحياة والموت، إذ قال: “معظم الناس يموتون عند الخامسة وعشرين ويدفنون عند الخامسة وسبعين” ربما هو يقصد أن حياة الإنسان إذا لم تكن سعيدة ، وحقق فيها اغلب أحلامه، من عمل وزواج واستقرار وبيت وأطفال، وهو في الخامسة والعشرين من العمر، فهي لحظة حقا تستحق أن نعلن فيها وفات ذلك الشخص، وان نقيم له مأتما وعويلا، حيث تنتهي طموحاته وتنتهي حياته، لان مرحلة العشرينيات هي أجمل مراحل الحياة، واقصرها وأروعها، فإذا لم نعش فيها فلن نعيش بعدها، وإذا كانت ظروفنا مأساوية، واستمرت بعد سن العشرين، هي في حقيقة الأمر موتنا الحقيقي، وانتقالنا من العيش حيا إلى العيش ميتا، فقط تدابير الجنازة ومراسيم الدفن، وبكاء الأحبة والانتقال من العالم العلوي إلى العالم السلفي، بشكل رسمي، هو الذي ينقصنا، وربما هو المؤجل إلى إشعار أخر، قد يكون بعد سنة سنيتين عشر سنوات، مئة عام، المهم أننا نعيش ميتين بين الأحياء لا أكثر ولا اقل، هي قاعدة فلسلفية قعد لها هذا الفيلسوف، ونحن كل ما قرأنها أدركنا مدى تطابقها مع حياتنا، خاصة إذا كان من الكادحين.

أما شخصيتنا الأخرى، هي عمي الجيلالي، شيخ قد تجاوز السبعين من العمر، يعمل بناء، ولا يزال والحمد لله نشيطا وربما أفضل من شباب اليوم، في بكرته وعمله، وإصراره، وتذليله للصعاب، عمي الجيلالي اعمل معه منذ سنوات في مجال البناء، كمساعد، ولكنه لا يفوت فرصة في أن يعطيني الكثير من الحكم والأمثال والأشعار، التي صقلت شخصيتي، وزادتني معرفة للدنيا وللرجال وللخير والشر، وغيرها من المسائل في حياتي اليومية، عمي الجيلالي وبعد أن سمعت مقولة فرنكلين بنجامين حول الحياة والموت، أو الموت المؤجل، تذكرت كلامه، وأدركت أن له نصيبا من الفلسفة أيضا، فاعمي الجيلالي كان في كثير من الأحيان يحدثني عن شخص ما، وبعد ذكر اسمه يتبعه بكلمة رحمه الله، فكنت أتعجب من كلامه، لأنني كنت اعرف أن ذلك الشخص حي، خاصة أننا في عرفنا لا نقول كلمة رحمه الله إلا للمتوفى، لكن عمي الجيلالي كان يستعملها للمتوفين ولبعض الأحياء، وعندما كنت اذكره وأقول له: لا انه حي، فكان يقول لي “موتو خير من حياتو، ويردف قائلا: واش من حياة راه عايشها؟”

عمي الجيلالي فهم الحياة على أنها بذل وعطاء ومساهمة في المجتمع، فالحياة بالنسبة اليه ليست جسدا يأكل ويشرب ويتنقل بين الناس، الحياة وفلسفتها عند عمي الجيلالي اعقد من ذلك، فهو يختصرها في القيمة المضافة التي يقدمها الإنسان للمجتمع وهو حي، وإذا انعدمت القيمة المضافة انعدم ذلك الشخص، وأصبح في عداد الموتى، حتى وان كان حيا، وعندما دققت في ألائك الأشخاص الأحياء، الذين عدهم عمي الجيلالي من الأموات، اكتشفت أنهم فاشلون، اتكاليون، ليس لهم أي جميل يذكرون به، فمنهم من ضيع أموالا طائلة، ومنهم من تنقل بين أكثر من عشر زوجات، ثم انتهى به الأمر وحيدا مقطوع النسل، وهناك من هو في حكم المعتوه، الذي لا تنتظر منه شيء، وهناك من هو في حالة المجرم الذي لا يتورع عن اقتراف أخبث الخبائث، وبذلك اعتبرهم عمي الجيلالي أمواتا، ينتظرون فقط من يشيعهم إلى قبورهم، ورحلة التشييع قد تطول في بعض الأحيان، لنجده يتفق مع فرانكلين بنجامين في فهمها للحياة والموت، فكليهما لا يعتبر الحياة أمرا ماديا أي جسد يتنقل بيننا ويؤدي وظائفه البيولوجية، فالحياة روح ومعنى وقيمة مضافة، واثر وبصمة يتركها الإنسان بعد موته، وبذلك يكون حيا وهو ميت والكثير منا ميت وهو حي، فلذلك لا تستغربوا من شخص يحدثكم عن ميت فيقول بعد اسمه، الله يذكرو بالخير، ولا تستغربوا منه وهو يحدثكم عن شخص حي، ويقول بعد اسمه رحمه الله، لأنها ببساطة فلسفة الموت المؤجل وفلسفة الحياة الميتة، التي لا فرق في تحديد خصائصها بين رجل مثقف وبين رجل ثقفته الحياة والتجربة، حتى فرق بين أحياء أموات، وأموات أحياء.

بقلم كرايس الجيلالي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
كرايس الجيلالي
كرايس الجيلاي؛ باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2