دين مختارات مقالات

هل كان موسى عليه السلام سودانياً إفريقياً؟

هل كان موسى عليه السلام سودانياً إفريقياً ؟

د. أسامة جمعة الأشقر

ما تزال قضية نسب موسى من القضايا العالقة في البحث التاريخي الموضوعيّ لاسيما أن اسمه لم يرِد في المدونات التاريخية الهيروغليفية المصورة، وظن كثيرون أن ذلك بسبب عدم وجوده، وفاتَهُم أن هذه المدونات موجودة في أكثرها في مرافق ملكية أو جنائزية رسمية كانت تناصب موسى ومن آمن معه العداء، ولم يكن ثمة فرصة ليظهر اسم موسى فيها وهو الشخصية المعارِضة القوية؛ كما أننا بحاجة إلى تحرير زمان ظهور موسى وجغرافية ظهوره الحقيقية ومكان ولادته ونشأته ودعوته.

وهذا بحث طويل نشتغل عليه بأدوات قرآنية محضة لا تشغلنا عنها المرويات الإسرائيلية المضللة، ولا نجعل لها اعتباراً، ونفهم حديث رسول الله “وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج” بأنه فيما أبلغَنا به رسول الله عنهم، وليس ما كتبوه بأيديهم واشتروا به ثمناً قليلاً .

وأثناء بحثنا تظهر لنا قضية حساسة تتعلق بظهور شاهدٍ حيّ رأى نبي الله موسى، واهتمّ بذكر تفاصيل شخصية مادية عنه، وإذا كان للباحث عمق إيمانيّ فإنه سيتعامل مع هذه الشهادة بامتياز خاص وتصديق معتبر، ويمكن أن تتأسس على ذلك قضية نظرية تحتاج بعد ذلك إلى تنظير علمي يبحث عن إمكانيتها أو حقيقتها بتجرّد معرفيّ يحترم سياقها ومأخذها ويناقشها بمنهجية محايدة، والمهم في منهجيته ألا يتعامل معها بنظرية الإسقاط إذا لم يجد دليلاً على وجودها أو نفيها، فهذه القضايا تتجاوز البحث العلميّ هنا وتبقى لها خصوصية القداسة العابرة، حتى تجد ظرفاً ملائماً ومستوى علمياً آخر يستطيع الاقتراب منها.

في الشهادة النبوية نجد أن رسول الله لقِي موسى على الأرجح مرتين: مرة عند صعوده إلى السماء في رحلة العروج، فلقِيه في السماء السادسة ، ومرة عند نزوله منها وصلاته بالأنبياء في موضع المسجد الأقصى.

وبما أن موسى من ذوي العزم من الرسل ومن ذوي التجارب الكبيرة التي حرص القرآن على تنويع التعريف بها وسرد قصصها فقد كان حاضراً في صفته وهيئته، وقد أثبتت لنا العديد من الروايات الصحيحة أوصاف موسى وفق الرؤية النبوية بالتمييز الواضح والتمثيل القريب ، فقد تحدثت الروايات أنه آدم البشرة، ففي حديث البخاري من رواية ابن عمر: ( وأما موسى فآدمٌ جَسِيم سَبْطٌ كأنه من رجال الزُّط )، وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ( كأنه من رجال شَنُوءة)؛ وفي رواية للبخاري ومسلم من حديث ابن عباس: (رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلاً آدَمَ طُوَالاً جَعْدًا كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ).

وبالجملة فجملة الأحاديث تتحدث عن هذه الصفات الخلقية:

1. أنه آدم البشرة أي شديد السمرة، والآدَم نعتٌ.
2. أنه جسيم سبطُ طُوال أيْ ضخم الجثة ممشوق البدن في اعتدال وطويل القامة، وتأتي صفة الطول هنا على وزن فُعال الدالة على التعجب والمبالغة في الوصف.
3. أنه جعْد.

ثم تأتي العناية النبوية بتوضيح مراده بتأكيد كامل أنه يشبه رجال الزطّ، أو رجال شنوءة!

وأهل شنوءة حيٌّ قحطانيّ من اليمن معروف بالطول والسمرة، وهم قريبون من سواحل اليمن المنفتحة على شواطئ شرق إفريقيا من خلال رحلات السنابك البحرية التجارية الدائمة منذ فجر التاريخ.

وأما الزط فهم جنس بشري يقال إن أصلهم من الهند أو السند أو إفريقيا يمتازون بالسمرة والطول ونحافة الجسم، تجدهم في أكثر بلدان العالم يخلط الناس بين مجتمعاتهم الصغيرة فيقولون الزطية والغجر والنوَر والقرباط والقماير … ويحبون أن يندمجوا في القبائل وينتسبوا إليهم مع محافظتهم على عاداتهم المتوارثة.

والجعودة تعني أن شعره لم يكن سبطاً سابلاً، وليس كما حاول بعض الشرّاح أن يجعله بمعنى الاكتناز وامتلاء اللحم مِن تجعّد بدنه، فهذا يتنافى مع الجَسامة والسباطة في البدن المذكورة في الحديث؛ والسباطة في الشعر تعني أن يكون المرء ناعم الشعر طويله كشعور الهنود، وبالتالي فموسى ليس ناعم الشعر، ونلاحظ هنا أنه لم يصف شعره بأنه جعد قطَط وهو شعر الإفريقي النيليّ أو الصحراويّ الذي يمتاز بالكثافة والخشونة والتداخل، وأرى أن الجعودة هنا تعني تموّج الشعر ومتانته واتساع قطره وقصره.

كما أن الطول مشهور في النوبة ومن يليهم على طول النيل مع الجسامة وقوة البدن واشتداد العصب.

فهل هذا يعني أن موسى عليه السلام كان من جنوبي مصر أو شمال السودان كما نفهم من صفاته ودوران قصته في مصر مع فرعون، أو هل كان نوبيّاً عاش طفولته وريعان شبابه في مملكة كوش السودانية القديمة التي كانت تحكم مصر العليا، لاسيما أن امرأته كما يقول العهد القديم كانت كوشيّة أي من بلاد كوش بعد زواجه من المرأة المدْيَنيّة، أو كانت هي نفسها صفّورة المدينية! وما سر اعتراض هارون (ابن أم موسى) على زواجه من امرأة كوشيّة !

أما لماذا حدّدْنا أن موسى ربما كان من بلاد كوش دون غيرها فذلك حديث قرآني آخر نتدبّره في قصة فرعون موسى بعيداً عن الإسرائيليات … ولابد لنا أن نتحدث فيه عن المفهوم القرآني لإسرائيل وبنيه بعيداً عن التأويلات الجاهزة المنقولة من نصوص ضعيفة أو موضوعة.

وسنكتشف هل لما يسمى (إسرائيل اليوم) علاقة بموسى وقومه وفلسطين؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0