ثقافة فنون مختارات مقالات

فيلم اثنتا عشرة خطوة للأمام

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي

شاهدت أمس هذا الفيلم الوثائقي وتمنيت أن تُعمم هذه التجربة في كل البلدان التي تعاني نقصا في مراكز إعادة تأهيل المدمنين.
الفيلم ينقل لنا تجربة مجموعة وصل بهم الإدمان إلى مراحل متأخرة فأثر على حالتهم الجسدية والمعنوية والاجتماعية، إلى أن وضع الله في طريقهم هذه الدار (دار النقاهة) التي يديرها استشاري الطب النفسي، الدكتور إيهاب الخراط (ابن الأديب الراحل إدوارد الخراط).
الدكتور إيهاب، كان يحلم بإنشاء مثل هذه الدار التي رأى نموذجا لها في بريطانيا حيث يلتحق بها المدمنون الذين قرروا التوقف عن التعاطي وتغيير مسار حياتهم، ومن خلال الإقامة لمدة سنة ينتقلون من خطوة إلى خطوة للأمام في طريق التعافي.
الخطوة الأولى –بعد أسبوع سحب جرعات المخدر من أجسادهم والتي تعتبر الأصعب- تتمثل في قطع الصلة بالماضي والامتناع عن الذهاب إلى أماكن السوء والتوقف عن التواصل مع أصدقاء السوء.. والخطوة الثانية هي التأقلم مع مجموعة أصدقاء جدد في هذه الدار، ممن يشاركونهم هدف الرغبة في تغيير مسار الحياة، فيتعرفون إليهم عن قرب، ويتشاركون معهم في أنشطة يومية.
والخطوة الثالثة هي الاعتناء التدريجي بصحتهم الجسدية وممارسة الرياضة.
والرابعة هي الاعتناء بالصحة الروحية والتقرب رويدا رويدا إلى الله.
والخطوة الخامسة يكتبون فيها صفاتهم السلبية ويحددون نواحي النقص التي يستشعرونها في شخصياتهم ويصارحون بها بعضهم بعضا المجموعة، ويبدأون في معالجتها شيئا فشيئا حتى يتخلصون من تأثيرها الضاغط، وفي كل يوم يجيب الواحد منهم قبل أن ينام على مجموعة أسئلة أشبه بجدول محاسبة: هل كذبت اليوم؟ هل حدثتك نفسك بإثم اليوم؟ وهكذا.
وفي الخطوة السادسة يصارحون من أخطأوا في حقهم ويطلبون منهم العفو والسماح، سواء أكانوا عائلاتهم المقربين، أم الدائرة الأبعد، ويتعهدون لمن سرقوا منهم أموالا على سبيل المثال أن يرجعوها إليهم حينما يتعافون أو أن يطلبوا منهم المغفرة.. وهكذا خطوة خطوة إلى أن يتموا اثنتا عشرة خطوة يصبحون بعدها أسوياء، قادرين على مساعدة غيرهم ممن يمرون بذات الظروف.
وقد كانت الدار في الأصل عبارة عن قطعة أرض كبيرة تبرعت بها إحدى المحسنات للكنيسة من أجل إقامة أي مشروع خيري، وحينما علمت الكنيسة أن لدى الدكتور إيهاب الخراط حلما بإنشاء دار للنقاهة عرضتها عليه فقبلها سعيدا وبدأ في جمع التبرعات حتى أتم بناءها، واشترك في زراعتها المتعافون أنفسهم.
ويخرج المشاهد لهذا الفيلم المفيد مستشعراً فداحة مصيبة تعاطي المخدرات على الفرد والأسرة والمجتمع، وموقنا بحاجة هؤلاء إلى من يمد إليهم يد المساعدة، ويصبر على انتكاستهم مرة واثنين وثلاثة إلى أن يجتازوا هذه المرحلة المؤلمة من حياتهم ويعودوا إلى طبيعتهم مرة أخرى فيتعرفوا عليها وكأنهم قد ولدوا من جديد.
والجميل أن هذا المشروع لا يميز بين إنسان وآخر على أساس من العرق أو الدين، فهو طاقة خير للإنسان المحتاج بقطع النظر عن أي شيء آخر.
ما أجمل العطاء وما أجمل رؤية ثماره هكذا؛ ناضجة يانعة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0