فكر مقالات

نقد الليبرالية للطيب بوعزة

نقد الليبرالية – الطيب بوعزة

لقلم: ا. محمد عبد العاطي- مصر

يقدم أستاذ الفلسفة المغربي، الطيب بوعزة، في هذا الكتاب بحثا رصينا في الليبرالية؛ مسوغات نشأتها، والبيئة الاجتماعية التي أثرت في مقولاتها الأساسية، ولا سيما مقولة الحرية الاقتصادية والسياسية، مستخدما في كل فصل ما يناسيه من منهج؛ وصفي، تحليلي، تاريخي، نقدي.
ونطالع في هذا الكتاب خلاصة آراء ميكيافيلي وجون لوك وتوماس هوبز وجون ستيوارت مل ومنتسكيو وجون مينارد كنز وغيرهم من عشرات المفكرين والفلاسفة الذين أدلوا بدلوهم في مسائل الحرية والنظم السياسية وقوانين السوق وغيرها من المسائل التي شكلت ملامح المذهب الليبرالي.
والأسئلة الأساسية التي يعالجها الكتاب يمكن صوغها على النحو التالي: كيف تنظر الليبرالية إلى الإنسان؟ وما أثر تهميشها الفلسفي للجانب الروحي والقيمي والأخلاقي فيه على ما آل إليه الفرد والمجتمع خلال القرون الأربعة الماضية التي نشأت فيها وذاعت وانتشرت؟ وما دقة زعم الليبرالية أنها الوحيدة المدافعة عن حرية الفرد وأنها آخر ما توصل إليه العقل البشري من تنظيم للعلاقة بين الفرد والدولة والمجتمع، وأن ما بعد ذلك هو نهاية التاريخ، بحسب ما ذهب إليه فوكوياما؟ ومن هم الليبراليون العرب؟ وإلى أي حد استوعبوا الأسس الفكرية والفلسفية لليبرالية، وقدموا فيها اسهامات معتبرة؟ وهل يمكن أخذ بعض حسنات الليبرالية وترك مساوئها؟ وما المتطلبات اللازمة للنجاح في القيام بذلك؟
هذه بعض الأسئلة التي يتصدى الكاتب للإجابة عنها وعن عشرات أخرى غيرها، مستعينا بقدرته الاستيعابية الكبيرة للأطروحات الفلسفية التي قدمها رواد الليبرالية في مدارسها المختلفة: البريطانية، والألمانية، والنمساوية، والفرنسية، والأمريكية، وامتلاكه القدرة على نقد تلك الأطروحات من داخل سياقها، وبأدوات منهجية صارمة.
وخلاصة ما توصل إليه المؤلف هو أن نقد الليبرالية لا يعني رفض الحرية، وأنها من الناحية التاريخية نشأت خدمة لأصحاب رؤوس الأموال من الاقطاعيين الذين تحولوا إلى الصناعة والتجارة أوائل النهضة الأوروبية، وأنهم كانوا بحاجة إلى إطار فلسفي يخول لهم مراكمة رؤوس الأموال بحرية مطلقة دون التزام تجاه المجتمع، ودون قيود أخلاقية وقيمية تحد من نهمهم للثروة والمال، وهذا ما جعلها لا تلقي بالا للجوانب الروحية في الانسان، لأن الهدف النهائي الذي تتوخاه الليبرالية، بحسب فلاسفتها، هو تحقيق المنفعة المادية المرتبطة باللذة الحسية.
ولا يغفل المؤلف وهو يتتبع نشأة وتطور الليبرالية ومدارسها وتمظهراتها والإحاطة بوضعها الراهن أن يشير إلى أن الليبراليين العرب الأوائل، قبل نحو مائة عام أو يزيد، كانوا أكثر دراية ببعض أسس ومبادئ الإطار الفلسفي لليبرالية مقارنة بالمحدثين منهم الذين يغلب عليهم الطابع الدعائي، والذين تتميز كتاباتهم أحيانا بالخفة، ولا يمتلكون أدوات النظر المتعمق.
ويقر المؤلف بأن ثمة جانب حسن من الفعل الليبرالي الذي تطور عبر القرونين الأخيرين يتميز في الإعلاء من شأن الحرية الفردية، والحد من الاستبداد، وبخاصة فيما يتعلق بتوزيع السلطة بين مكونات النظام السياسي، وغير ذلك من تمظهرات، غير أنه يعود ليقول إن الإدعاء باحتكار الليبرالية للحرية هو ادعاء في غير محله لأن الحرية، باعتبارها قيمة انسانية عليا، سبقت الفكر الليبرالي بعشرات القرون.
على كل حال، كتاب “نقد الليبرالية” للطيب بوعزة، بحث رصين، بذل فيه المؤلف جهدا كبيرا، ما جعله دسما للغاية، ويحتاج إلى صبر وجلد في قراءته، لكني على يقين أن الفائدة التي ستعود على من يتصدى لهذه القراءة الصعبة تستأهل الجهد الذي سيبذله فيها، وأن إحساس القارئ، بعد قراءته وبعد امتلائه المعرفي وتطوير مهاراته النقدية بفضله، سيكون إحساسا مغايرا لحالته التي كان عليها قبل قيامه بهذه المهمة.
——
في خانة التعليقات رابطان للكتاب أحدهما بصيغة بي دي إف والآخر سمعية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.