فكر مختارات مقالات

في ذكرى رحيل صاحبي الذي أكلته الضحكات

في ذكرى رحيل صاحبي الذي أكلته الضحكات

بقلم: علي حسين

خلال السنوات الثلاثة الماضية على رحيل الصديق والمعلم فاضل خليل كنت كلما أمسك القلم وأكتب عنه .. أستجمع شجاعتي.. وأُلملم ذكرياتي.. وأتظاهر بالتماسك وأنا أحاول تقديم التحية لهذا الفنان الطيب القلب والأخلاق، والشغوف بالمسرح الذي ابدع فيه وكرس له اجمل سنين حياته .

الكتابة عن فاضل خليل تأجلت كثيراً .. وكنتُ على موعد معه للاحتفاء به قبل رحيله باشهر ضمن فعاليات بيت المدى ، لكنه كان يؤجل الموعد أحياناً بسبب الانشغالات وأحياناً كثيرة بسبب الأمراض التي افترسته في سنواته الأخيرة وكان في كل مرة يضحك ويقول :” بعدني عدل من أموت احتفلوا بيّ وضحكوا ” .. والآن أستميح صديقي صاحب الضحكة المتميزة بأن أكتب عنه ليس رثاءً.. وإنما تحية لفنان كبير بما يليق بموهبته.

فاضل خليل فنان من جيل اكتوى بنار الموهبة وعرف أنّ التمثيل الذي لايصدر عن القلب ويخترق القلب وينظّم حركة الإنسان في حياته ويثقّف وجدانه وعقله ويغيّر في تكوين المشاهد النفسي.. ويشكّل حركة الحياة ليس بالتمثيل، وكل هذه الاشياء غير مفهومة لبعض ممثلي الزمن الحاضر.. ربما لا يعرف البعض عن فاضل خليل سوى أنه ممثل لأدوار قليلة في المسرح اشهرها دوره في مسرحية ” النخلة والجيران ” وأستاذ جامعي تفرغ لتقديم خبرته لطلابه.. لكنه أكبر من ذلك بكثير وأهم من ذلك بكثير.. يكفي أنه كان أحد نجوم فرقة المسرح الفني الحديث في عصرها الذهبي ، واحد أسطوات الاذاعة ، وابرز نجوم التلفزيون في زمنه المشرق .
مازلتُ أتذكّر اللحظة الأولى التي شاهدتُ فيها فاضل خليل عام 1978 يؤدي دور عبد القادر في مسرحية الخان ، يقول لقاسم محمد بصوت محروق من الأسى : “.. أوف اشوكت راح نرتاح ، ونعيش عيشه ما بيها واوي يصرخ بالراس ، نعيش عيشة محسوبة علينا ، مو مثل هسه ما نعرف إحنه محسوبين على الخان ، لو محسوبين خارج الخان ” ، ولم يكن اهل الخان يتوقعون انهم سيستبدلون واوي واحد يصرخ في الرأس بألاف الواوية .. حياة نظيفة كان يتمناها عبد القادر ومثلما تمناها حسين عام 1969 في مسرحية النخلة والجيران وهي نفس الحياة التي تمناها الشاب القادم من مدينة العمارة الذي اقتحم كلية الفنون الجميلة عام 1966 ليسجل نفسه طالباً في قسم المسرح.

لم يكن الفتى الخجول يحلم أنه سيجلس مع إبراهيم جلال الذي علّمه السِّحرَ، وكيف يتحول المسرح ألى الفكر وحياة .ويمثل على خشبة واحدة مع يوسف العاني ، ويتحدث مع زينب ، ويسمع حكايات ” الخال ” خليل شوقي ، كان آنذاك يملك حلماً كبيراً لصياغة صورة لعراق جديد شعاره المستقبل وغايته إسعاد الناس وبثّ الفرح في نفوسهم، جاء فاضل خليل من عائلة فقيرة ، يقودها أب يعمل في مهنة الحلاقة ، لكنه مولع بالثقافة يحدث زبائنه عن القصة والتاريخ والادب وحكايات الف ليلة وليلة ، قرر أن يحول بيته الى مكتبة كبيرة ، وجرب كتابة القصة .حاول الابن أن ينقل ما تعلمه في مكتبة والده إلى كل أعماله الفنية ، فهو من جيل مأخوذ بحب المعرفة، وبالإصرار على أن ينشغلوا بهموم الناس البسطاء.

ومنذ الأيام الاولى لصداقتي مع فاضل خليل ، وأنا محتار في تبيين حدود الطاقة الداخلية لهذا الممثل الموهوب الذي كان يعكسها في أداء شديد التلقائية والصعوبة في آن واحد.. ولكنه أداء منساب يأتي من منابع موهبة ودراسة عميقة للشخصية التي يؤديها. هو أداء لانستطيع أن نقوم بوضعه بمربع من مربعات أصول التمثيل سواء كانت عند ستانسلافسكي أو برشت أو غروتوفسكي..في الوقت الذي لا نستطيع فيه أن نقول إنه أداء لايلتزم بقاعدة معرفية وبدارسة مستفيضة لعمل الممثل.. صيغة في التمثيل اخترعها فاضل خليل لنفسه.. ولم تكن وليدة صدفة.. وإنما وليدة إحساس متدفق عُني بأن يدرسه ويفحصه.. ومن ثم يعلّمه لتلامذته.

كان التمثيل بالنسبة له صدى صوت يتردد داخل نفسه ويطالبه بأن يبتعد عن تكرار ما يقدمه الآخرون، كيف لا وهو واحد من جيل جواد الأسدي وعقيل مهدي وفاضل السوداني وعبد الجبار كاظم وصلاح القصب وروميو يوسف .. جيل تمرد على القواعد وحطم المألوف، جيل لم يهدأ ولم يستقر، جيل اتسم بالتجديد الى جانب العمق، جيل جبل على الصبر والتواضع والمعرفة، لكنه بالمقابل جيل الزهو الذاتي.

أخرج مسرحيات كثيرة ، ومثل في مسرحيات كثيرة أيضا. وكان هو البطل في الإخراج وفي التمثيل . ووضع كتباً ودراسات ومقالات كان فيها جميعا يُظهر دوره دائماً كناقد ومعلم والأهم ذواقه من الطراز ” الفخم ” للفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص ..

على مدى العقود الاربعة التي ارتبطت فيها مع فاضل خليل بصداقة اقتربت من الاخوة ، كانت هناك احلام لمشاريع لم تكتمل ، حيث قررنا ذات يوم ان نُعرق مسرحية ” الام شجاعة ” لبرتولد برشت ، وقطعنا شوطا كبيرا ، لكن مشاغل فاضل خليل في الكلية والتدريس كانت تؤجل العمل ، بعدها بسنوات ساقدم له مسرحية بعنوان ” الصرخة ” ، تناولت فيها موضوعة المناضل المزيف ، ما ان قرأها حتى تحمس ، لكنه بعد ايام استقبلني بضحكته المتفردة وهو يقول : ” ابو العلا – كانت هذه كنيتي عنده – لتورطنا ” ، ومافلشت به في المسرح نجحت به في الاذاعة ، فقد مثل لي فاضل خليل عددا من المسلسلات الاذاعية التي كتبتها واخرج ايضا واحدة منها ، ولا زلت اتذكر اداءه المبهر لشخصية ” ابو نواس ” في المسلسل الاذاعي ” ليالي ابو نواس ” الذي كتبته آنذاك لاذاعة دبي واخرجه الراحل محمد صكر .

كان صديقي الذي يحب كنية ” الفخم ” يطلقها على كل عمل مسرحي يشده ، أو كتاب يستهويه أو أغنية يطرب لها ، أو فيلم سينمائي يدهشه ، أحد الكبار الذين أفدنا جميعا من تجربتهم المهنية والأخلاقية في الفن والحياة وكان مكتبه في كلية الفنون الجميلة أيام ما كان عميداً لها ، مكتب استشارة فنية لكل من يصل إليه من الطلبة والأساتذة . فوجوده كان يبعث على الطمأنينة، ومثابرته كانت تبعث على الأمل. وعندما استسلم هادئاً لمرضه الأخير ، كان لا يزال يحلم بمشروع ما، بمسرحية ما. حتى لحظة موته كانت أشبه بمشهد مسرحي توقع الجميع أن ترفع الستار ليظهر فاضل خليل من جديد ضاحكاً وهو يحيي الجمهور ، لكن الضحكة هذه المرة لم تكتمل.. فقد قررت ان تاكل صاحبها.. الرجل الذي كان يشبه نفسه لانه كان بحق تعبيرا عن جيله.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0