تاريخ دين مختارات مقالات

يثرب “المدينة”: الموقع والواقع قبل الهجرة

هذا الحبيب (132)
يثرب “المدينة”: الموقع والواقع قبل الهجرة

بقلم/ ربحي الجديلي 
الموقع الجغرافي:
تحاط يثرب بعدد من الحواجز الطبيعية التي وفّرت لها نوعاً من التحصين والمنعة
فهي غير مكشوفة سوى من الجهة الشمالية، وقد استفاد المسلمون منها في بناء الخندق لاحقاً وهي صفات لم تكن موجودة في غيرها من المدن.
وتُعتبر ذات موقع هام ومتميّز، بسبب وقوعها في طريق القوافل التجاريّة المتّجهة إلى الشام، مما يتيح لأهلها إمكانيّة التعرّض لتلك القوافل، وممارسة الضغوط الاقتصاديّة على أصحابها وقد استفاد المسلمون من هذا السلاح الهامّ في محاربة قريشٍ واستنزاف مواردها.
___
الواقع الاجتماعي:
ينقسم المجتمع المدني بشكلٍ رئيسيٍّ إلى ثلاثة أقسام: الأوس، والخزرج، واليهود، والبدو الذين وفدوا إلى المدينة وسكنوها بشكل مؤقت لأغراضٍ اجتماعيةٍ أو تجاريةٍ.
___
العماليق:
أول من سكن المدينة العماليق، وهم قوم من ولد عملاق/عِملِـيق بن لاوَذَ بن إِرَمَ بن سامِ بن نُوح، وهم الجبابرة من بقية قوم عاد، كانوا بالشام على عهد موسى -عليه السلام-، ثم تفرقوا فـي البلاد، فجاءوا إلى يثرب، واستقروا بها.
___
اليهود:
هاجرت قبائل اليهود من الشام نتيجة تمردهم وقيامهم بالعصيان على الامبراطورية الرومانية في بداية ظهور المسيحية الذي قابلته الدولة الرومانية بقمع اليهود ومطاردتهم فتفرقوا في البلاد، ومنها الجزيرة العربية ومنها يثرب، وقد استقبلهم العرب على عادتهم في إكرام الضيف وإيواء الغريب، فإن اليهود أقاموا في يثرب إلى جانب بقايا العماليق وبعض العرب فتأثروا بهم واتخذوا لأنفسهم أسماء عربية وأصبحوا مع الزمن قبائل وبطوناً، فكانت منهم بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع وغيرهم.
ويتكوّن المجتمع اليهودي من ثلاث قبائل هي:
بنو قينقاع: استوطنوا داخل المدينة بعد خلافات وقعت بينهم وبين بقيّة اليهود.
بنو النضير: استوطنوا وادياً خارج المدينة.
بنو قريظة: استوطنوا جنوب المدينة على بعد أميال منها.
وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود عداوات بين هذه القبائل الثلاثة، الأمر الذي لم يمكّنهم من التعايش فيما بينهم، وكانت سبباً في تفرّقهم في نواحي المدينة، ولجوء كل قبيلة إلى من جاورها من العرب بحثاً عن النصرة والحماية.
___
الأوس والخزرج:
ترجع أصول الأوس والخزرج إلى قبائل الأزد التي هاجرت من اليمن بعد خراب سدّ مأرب
الأوس: سكنوا شرق وجنوب المدينة
الخزرج: سكنوا وسط والشمال الغربي للمدينة
ونشأت بين بني هاشم، وبين بني عدي بن النجار -من الخزرج- علاقة رحم ومصاهرة حيث تزوّج هاشم (جد النبي صلى الله عليه وسلم) من نسائهم فولدت له عبد المطلب
بذلك يكون بنو عدي أخوالاً للنبي -صلى الله عليه وسلم–
وأوجدت هذه المصاهرة نوعاً من التقارب بين أهل المدينة وبينه عليه الصلاة والسلام.
___
الواقع الاقتصادي:
اشتهر العرب بالنشاط الزراعي، ساعدهم في ذلك خصوبة الأرض، وكثرة وديانها، ووفرة المياه في باطنها.
بينما اشتهر اليهود بالنشاط الصناعي: الصناعات الحربية المختلفة، وأعمال النجارة، وصياغة الحلي والذهب.
وعلى الرغم من التفوّق العددي للعرب آنذاك إلا أن السيطرة الاقتصادية كانت بيد اليهود
حيث استغلّوا حاجة العرب إلى المال لشراء البذور وأدوات الزراعة، ولتغطية نفقات الحرب القائمة بين الأوس والخزرج
فكان اليهود يقرضونهم بالرّبا، ويغالون في الفوائد أضعافاً مضاعفة، مستغلّين في ذلك نقص الموارد وقلة ذات اليد
مما أوقع الكثير من العرب في الديون الثقيلة، وجعلهم أسرى لمصّاصي الدماء وتجّار الحروب.
___
الواقع الديني:
العرب في المدينة كانوا خاضعين لسلطان الوثنيّة السائد في المنطقة، حيث انتشرت مظاهر الشرك المختلفة من عبادة الأصنام وتعظيمها
فكان لهم أصنام خاصّة يعبدونها؛ ومن أشهرها:
صنم مناة: كانوا يقدّمون لها القرابين والنذور المختلفة، ويطوفون بها كطوافهم بالبيت، إلى غير ذلك من مظاهر الشرك والضلال
أما اليهود ولارتباطهم بالكتب السماوية، كانت لهم مدارسٌ يتداولون فيها أخبارهم، ويتعلّمون فيها أحكام دينهم، وإن كان الكثير من معالم شريعتهم قد ضاع بسبب تحريف الأحبار وعلماء السوء، ولأن طبيعة اليهود عنصريّة، فكانت لا تشجّع غيرها في الدخول تحت لوائها، حيث كانوا ينظرون إلى الشعوب الأخرى نظرة احتقار وترفّع، ويعتبرون أنفسهم شعباً مقدّساً اختاره الله من بين العالمين.
ومن الأمور التي ظلّت محفوظة في دينهم، البشارة بالنبي الذي سيُبعث آخر الزمان، وذكر صفته وأحواله، ويشير القرآن إلى ذلك في قوله تعالى:
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}
}الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{
كان اليهود يهدّدون العرب باتّباعه ويقولون:
“تقارب زمان نبي يُبعث، الآن نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم”
“قد أظل زمان نبي آخر الزمان نقتلكم به قتل عاد وارم”
فشاع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وعلم الناس قُرب بعثته
لذلك لمّا ذهب الأنصار إلى مكّة والتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتردّدوا فيه تصديقه وقبول دعوته، وقال بعضهم لبعض:
“تعلمون والله إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه”
___
العلاقة بين الأوس والخزرج واليهود:
عاش اليهود والأوس والخزرج في وئام فترة من الزمان، ومع الأيام أصبح لهم من الأراضي والبساتين والأموال ما جعل اليهود يخافون من الأوس والخزرج على أنفسهم وأموالهم، فعقدوا معهم جواراً وتحالفوا ليأمن بعضهم بعضاً،
فلما أحس اليهود بقوة شوكة الأوس والخزرج نقضوا ما كان بينهم وبين الأوس والخزرج، وانقلبوا عليهم، ونقضوا الحلف معهم،
فاستنجد العرب ببني عمومتهم الغساسنة، فأنجدوهم أَنَفَةً من تسلط اليهود عليهم.
وبقي الأوس والخزرج في وئام، فلجا اليهود إلى بث الدسائس والمؤامرات لتفريق الكلمة فيما بين الأوس والخزرج.
انتهى الأمر بقيام حروب ووقائع امتدت إلى ما قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بقليل وأصبح تاريخ الأوس والخزرج مليء بالحروب التي ظلّت قائمةً بينهم زماناً طويلاً، ولا تكاد تهدأ حتى تعود مرّة أخرى
من أشهر تلك الوقائع حرب سمير (حرب حاطب)
تكبد فيها كل من الأوس والخزرج خسائر فادحة في الأموال والأرواح
وكان لليهود دورٌ بارزٌ في إبقاء نار العداوات مشتعلةً بين الفريقين، من أجل ضمان السيطرة على مجريات الأمور في المدينة
وكان آخر تلك الحروب “يوم بعاث”، الذي انتصر فيه الأوس على الخزرج، وقُتل فيه أيضاً عددٌ من زعماء الفريقين ممن طُبعوا على معاني الكبر والاستعلاء، وبقيت القيادات الشابّة الجديدة التي كان لديها الاستعداد لتلقّي الحق وقبوله، فكان يوم “بعاث” تهيئةً لقبول أهل المدينة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم
___
وأمام هذه السيطرة المحكمة أراد العرب أن يخرجوا من تلك الأزمة الخانقة التي صنعها اليهود فانطلقوا يبحثون عن المخرج من هذا الوضع الصعب، ليجدوا مُرادهم في مكّة المكرّمة، حيث الرسالة الرّبانية التي عاش الجميع تحتها في أمنٍ وأمان.
___
يتبع إن شاء الله..
صلى الله على محمد

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0