تاريخ مختارات مقالات

تاريخ الرسل والملوك

كتاب كل يوم جمعة (53) مع مؤرخي الإسلام (1/4) تاريخ الرسل والملوك

بقلم: د. وسام محمد

رحلتنا هذا الشهر مع مؤرخي الإسلام الكبار، ولم احتار في اختيار من أبدأ مع الرحلة، فإذا ذُكِرَ التاريخ عند المسلمين، ذُكِرَ (ابن جرير الطبري) في الطليعة، فحق علي أن أبدأ به وبمؤلفه الموسوعي (تاريخ الرسل والملوك) والمعروف باسم (تاريخ الطبري)؛ والمؤلف الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري؛ أختلف العلماء في نسبه، فزعم بعضهم أنه من الأزد؛ ولد في بلده (آمل) في بلاد (طبرستان)، جنوب بحر قزوين؛ رحل في طلب العلم بين العراق والشام ومصر، وجمع علوم الدين وعلوم الدنيا، ثم استقر في بغداد، وكان في بداية طلبه العلم شافعي المذهب، ثم استقل بمذهبه الفقهي وكان له تلاميذ أخذوا عنه، وله العديد من المؤلفات العلمية أهمها تاريخه هذا وتفسيره المشهور والمسمى (جامع البيان في تأويل القرآن)؛ تباينت الروايات في شأن نهايته، وإن كانت تتفق جميعها أنه دخل في نزاع علمي مع الحنابلة أو مع المجسمة، فحرضوا عليه العامة حتى ألزموه بيته مدة عام قبل وفاته، واختلفوا في أمر دفنه وجنازته فقال البعض أنه دفن سرًا بالليل مخافة العامة، وقال آخرون أن جنازته قد حضرها من لا يعلم عددهم إلا الله؛ وقبره في حديقة الرحبي في حي الأعظمية في بغداد.

يبدأ الكتاب، على عادة الكتاب المسلمين في زمانه، بخطبة الحمد، يحمد الله فيها ويثني عليه ويصلي ويسلم على الرسول، صلاة الله وسلامه عليه، ثم يبين مقاصده وخطته في الكتاب؛ ثم ينتقل إلى مقدمة طويلة لتاريخه، يبحث فيها مفهوم الزمان والتاريخ، وعمر العالم في تصورات الأمم المختلفة، ثم ينطلق إلى ذكر خلق العالم ثم خلق آدم وحواء.

بعد هذه المقدمة يبدأ الطبري في عرض مادته التاريخية، وهي التي يمكن أن نقسمها أقسام ثلاثة، القسم الأول تاريخ البشرية ما قبل البعثة النبوية؛ والقسم الثاني، تاريخ الإسلام من البعثة النبوية حتى نحو منتصف القرن الثالث الهجري؛ وأخيرًا القسم الثالث من منتصف القرن الثالث الهجري وحتى قبيل وفاة المؤلف.

يتناول المؤلف في القسم الأول تاريخ البشرية منذ هبوط آدم وزوجه إلى الأرض، وهو قسم تغلب عليه التواريخ الأسطورية للفرس واليهود والعرب، وإن كان الغالب عليه تاريخ الفرس، الذي اعتبرهم المؤلف محركي العالم، وجعل من تاريخهم تاريخ العالم الأساسي، وأضاف إليه تاريخ الأمم الأخرى من المصريين واليونان والرومان واليهود وتاريخ العرب البائدة والباقية، ولعله فعل ذلك متأثرًا بثقافة البيئة الفارسية التي نشأ فيها، ومن حسنات منهجه هذا أن تخلص من الرؤية التوراتية للتاريخ التي تجعل العالم كله يدور حول تاريخ اليهود، تلك الرؤية التي تبناها بعض المؤرخين المسلمين قبل الطبري، وإن كان لم يستطيع أن يتخلص من التأثير اليهودي نهائيًا، فتجده مثلًا في مسألة مثل مسألة الذبيح بعد أن يوسعها بحثًا يقرر أن الذبيح إسحاق موافقًا الرواية التوراتية، وهو ما يبين عمق وخطورة أثر الإسرائيليات على الثقافة الإسلامية في هذا العهد، بحيث لم يستطع عالم جليل مثل الطبري التخلص الخلاص من هذه التأثير خلاصًا تامًا؛ وعلى الرغم أن هذا القسم يحتوي على كم من الأساطير، إلا أن هذه الأساطير تأخذ في التضاؤل كلما اقتربنا من زمن الإسلام، حتى أن هذا القسم الأخير من تاريخ الفرس كما عرضه الطبري يعد المصدر الرئيس لتاريخهم في تلك الحقبة إلى اليوم، وهو يعزز فرضية أن الطبري قد تأثر في كتابة هذا القسم من تاريخه بالثقافة الفارسية المحلية التي نشأ فيها.

القسم الثاني، وهو القسم الأطول بين الأقسام الثلاثة، يتناول فيه الطبري التاريخ ابتداء من هجرة الرسول، صلاة الله وسلامه عليه، حتى منتصف القرن الثالث من الهجرة؛ وابتداء من مفتتح هذا القسم وحتى نهاية كتابه، يدون الطبري التاريخ في صورة حوليات؛ وهو في هذا القسم يعتمد على الروايات التي وصلته عمن شاركوا في الأحداث، يثبتها مسندة إلى أصحابها على طريقة المحدثين، وربما جمع أخبار ضعيفة، ولكن يحتج لنفسه أنه حاول أن يردم الفجوات بين الأخبار حتى ولو لجأ للضعيف من الأخبار؛ وأرى أن الطبري والمؤرخين المسلمين الأول، إنما عمدوا إلى جمع الروايات التي تتعلق بالحدث التاريخي دون نقد، وكأنما قد أخذوا على عاتقهم جمع وأرشفة هذه الروايات، عسى أن يأتي من بعدهم من يعمل فيها أدوات البحث والدراسة حتى يستطيع أن يبني الحدث التاريخي بصورة سليمة.

القسم الثالث، وهو من منتصف القرن الثالث الهجري إلى عام 302 هـ، أي إلى ما قبل وفاة الطبري في مطلع القرن الرابع الهجري، وهنا يروي الطبري الأحداث رواية شاهد العيان أو على الأقل عن شاهد عيان، فتقل أو تختفي الأسانيد؛ وهذا القسم يضم موضوعات هامة مثل ثورة الزنج وانحلال سلطة الخليفة العباسي أمام قوة أمراء الحرب الصاعدة.

وقد تميز الطبري في تاريخه بالحيادية، فهو قلما يعبر عن رأيه الشخصي في حدث أو شخص تاريخي، ولكنه يكتفي فقط برواية ما توفر له من روايات تمس هذا الحدث أو الشخص؛ وفي الخلافات بين الفرق، تراه يروي كل الروايات من مختلف الأطراف، لا ينحاز لفرقة دون أخرى؛ ولكنه في الوقت نفسه تجده يناول في تاريخه الحوادث السياسية والعسكرية، وخفتت أو اختفت تمامًا تلك الحوادث التي تتعلق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية لهؤلاء الذين يؤرخ لهم، وإن كان في ذلك يستن بسنة من سبقوه من المؤرخين؛ كما أنه عني الطبري بتاريخ الشرق الإسلامي، وفي المقابل أهمل أو كاد تاريخ الغرب الإسلامي.

ظل تاريخ الطبري مخطوطًا ومحفوظًا في خزائن الكتب قرونًا، حتى طبع للمرة الأولى في ليدن في هولندا عام 1876، طبعه المستشرق الهولندي دي خويه؛ ثم توالت طبعاته، وأفضل طبعاته طبعة دار المعارف المصرية ضمن سلسلتها الشهيرة ذخائر العرب، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، رحمه الله، في أحد عشر مجلد، العشرة مجلدات الأولى تضم تاريخ الرسل والملوك، وفهارسها تقع في المجلد العاشر؛ وفي المجلد الحادي عشر، الحق ثلاثة كتب حاول مؤلفوها أن يتابعوا عمل الطبري، وهي (صلة تاريخ الطبري) لعريب بن سعد القرطبي، و(تكملة تاريخ الطبري) لمحمد بن عبد الملك الهمذاني، وكتاب في تاريخ الصحابة والتابعين اسمه (المنتخب من كتاب ذيل المذيل).

أؤمن أن قراءة مثل هذه الكتب الموسوعية مغامرة وطموح. مغامرة إذا إن قراءة سفر متعدد المجلدات، يغطي فترة عدة قرون من الزمان، وأحداث تنتشر فوق رقعة هائلة من المعمورة، ومئات وربما الآلاف من الشخصيات متعددة الثقافات والأديان والحضارات والطبائع، مغامرة تحتاج إلى وقت هائل، لا يتيسر بسهولة في زمن متسارع وتيرته. وطموح لأن استيعاب التراث الإسلامي غاية يسعى لها كل مهتم بهذا الدين وحضارته، في زمن كل من قرأ صفحة من مجلة أو صحيفة محلية نصب نفسه باحثً إسلاميًا وراح يوزع علينا سفاهته دون معرفة أو منهج علمي. غاية عز من أستطاع أن يدركها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0