مياه النيل
ادارة و اقتصاد مختارات مقالات

ماء النيل وغاز المتوسط

ماء النيل وغاز المتوسط

بقلم: عبد الدين حمروش

شهد الشرق الأوسط، ومحيطه في البحر المتوسط، خلال الأشهر الأخيرة، حراكا سياسيا نشطا. كان في قلبه، ولا يزال، قضيتان رئيسيتان: الصراع حول المياه، والصراع حول الغاز. إذاً، أُريدَ للعنوان، أعلاه، أن يختزل موضوع هذه المقالة. ولعل السؤال الأول الذي يمكن طرحه، في هذا الخصوص: هل من علاقة بين القضيتين/ الملفين؟

يُشكِّل الماء والغاز مادتين حيويتين، بالنسبة لاستمرارية العنصر البشري وديناميته. وقد أخذ تناقص الموارد المائية، بفعل التغير المناخي وغيره، “يلقي” بالملفّ إلى الدرجة الأولى من الاهتمام. يبدو أن الحديث عن حروب الغد حول السيطرة على الموارد المائية لا يجانب الصواب على الإطلاق. في مناطق معينة، في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تشهد ندرة متواصلة للماء، بدأت فعلا تطل الحرب برأسها.

ولكن، ماذا عن الغاز/ النفط؟ على الرغم من كل الحديث عن جدوى الطاقات البديلة، غير الضارّة بالبيئة خصوصا، ما زالت مصادر الطاقة التقليدية، مُمثلة في النفط والغاز، تشكل المحرّك الأساس للإقتصاد العالمي. استيراد الغاز والنفط، بالنسبة للدول التي لا تمتلك منهما مصادر، آخذ في استنزاف ميزانياتها واحتياطاتها المالية. أن تعوز الدول الصناعية الكبرى والنامية مصادر الطاقة، يُشكّل هاجسا مقلقا بالنسبة لضمان استمرار نموها، في ظل تحكّم دول قليلة في أسواق النفط والغاز. حروب الشرق الأوسط الأخيرة، وإنْ كانت لها عناوين أخرى، مثل محاربة الإرهاب، كانت الهيمنة على مصادر الطاقة ضمن خططها الإستراتيجية.

إذا عدنا إلى الشرق الأوسط، في محيطه المتوسطي القريب، نجد أن الإقليم يكاد ينفجر بفعل صراعين خطيرين: الصراع حول الماء، والصراع حول الغاز. وما يزيد الصراعين اشتباكا، إضافة إلى أنهما يجريان في منطقةٍ جغرافيةٍ واحدة، هو تداخل الفاعلين أنفسهم في كلا الصراعين. أولئك الفاعلون المركزيون لا يعدّون، مصر، إثيوبيا، تركيا واليونان. هذا هو نطاق الصراع، في جردٍ لأهم الفاعلين فيه، اليوم. إلا أن الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة، بفعل تداخل الأطراف مع محيطها، يجعل للقضيتين (الماء والغاز) إطارا أكثر اتساعا. لنلتفت إلى الدور الفرنسي النشط في ليبيا وشرق المتوسط، في سياق ما يجعله فاعلا مركزيا في ملف الغاز (بدل الإكتفاء بلعب دور مساعد في التهدئة، وبالتالي في البحث عن الحلول). أما روسيا وإسرائيل والإمارات فهم أقرب إلى “الملف” من حبل الوريد.

يبدو وضع مصر الأكثر حساسية، بفعل وجودها في قلب الصراعين، معاً، حول الماء والغاز. ولذلك، لا تخفى التحدّيات الجيوبوليتيكية المطروحة على مصر. وإن شئنا قياس درجة الخطورة، بالنسبة للأمن القومي المصري، نجد أن بناء سدّ النهضة هو الأخطر على حياة المصريين (مسألة حياة أو موت بالنسبة لشعب كما قال عبد الفتاح السيسي في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017). لا نقيس الخطورة من جهة التطمينات الإثيوبية، ممثلة في عدم المساس بحقوق مصر المائية، ولكن من جهة الإشتراطات المصرية حول مشروع سد النهضة. حتى الآن، حيث تمّت المرحلة الأولى بتعبئة بحيرة السد، تكون إثيوبيا على وشك أن تنهي استراتيجيتها المائية والطاقية، من خلال بناء سد النهضة.

 

هكذا، تمّ الإعلان عن وصول المفاوضات الثلاثية، بين مصر وإثيوبيا والسودان، إلى الباب المسدود. ولكن، هل حال الانسداد دون إخراج مشروع السد إلى حيز الواقع؟ بالنسبة إلى إثيوبيا، الوضع أكثر “راحة”، ما دامت أشرفت على نهاية ما تسميه مشروع “الألفية الكبير”. المفاوضات المقبلة مجرّد “تفاصيل”، يمكن أن تنخرط فيها من موقع قوة. ومن حسن حظ إثيوبيا أن تكون سنة مطيرة، مثل هذه، عاملا من عوامل تخفيف الضغط عليها. ولكن، ماذا سيكون عليه حال مصر في السنوات الجافة العجاف؟

 

لقد استفادت مصر من عوامل عديدة، جعلتها توقّع اتفاقيات ضامنة لحقوقها المائية. منذ اتفاقية أديس بابا لسنة 1902، لتقسيم مياه النيل، ومصر تتمتع بحقوق مخوّلة لها: الإقرار بحصتها من مياه النيل من دول الحوض، والاعتراض على إنشاء الدول المتشاطئة مشروعات جديدة على النهر وروافده (اتفاقية 1929). غير أن الواقع ظلّ ينذر بالتحوّل الفعلي، منذ شُرع في تحديد الموقع النهائي لسد النهضة، أواخر الستينيات. لم يكن بناء السد وليد اليوم، أو الأمس القريب بالأحرى، فماذا كانت استراتيجية مصر، للحؤول دون وصول السد إلى هذه المرحلة المتقدمة؟

 

خلال مرحلة حكم محمد مرسي، جاء على لسان الرئيس نفسه: كل الخيارات ممكنة. فماذا كانت هذه الخيارات، إنْ لم تكن عسكرية بالتحديد؟ دعم المتمرّدين المناهضين للحكومة الإثيوبية، إضافة إلى التفكير في تفجير السدّ، كلها انتهت إلى الرهان على المفاوضات، بمساعدة بعض الدول الصديقة، مثل الولايات المتحدة الأميركية بالضبط، غير أن الاعتراض الإثيوبي على تحول الدور الأميركي، من مُراقب محايد إلى فاعل منحاز، سيزيد من تأزيم وضع المفاوض المصري، حيال قضيةٍ أجمع الجميع على حساسيتها بالنسبة لكل الشعب.

 

بقسم رئيس الوزراء آبي أحمد، أو بتطميناته اللفظية للجانب المصري، تكون الإستراتيجية الإثيوبية “على الأرض” هي التي انتصرت في النهاية، في انتظار جولةٍ أخرى من الصراع. وللدولة المصرية ملفاتٌ أخرى، يمكن الانشغال بها، ومن ثم شغل الشعب بها. الصراع حول غاز المتوسط، وفي سياقه الأزمة الليبية، يبدو المجال الأرحب للتحرّك المصري: تصفية الحساب مع “إخوان” تركيا، بالتركيز على ملفين رئيسين:

 

ملف الأزمة الليبية: ويبدو أن تدخُّل مصر، بالإعلان عن وجود “خطوط حمر” لأمنها القومي، مدعومة من حلفاء متنوعين، قد عطّل من اندفاعة قوات “حكومة الوفاق” باتجاه الشرق الليبي، حيث مصادر الطاقة الرئيسة في البلاد. ويمكن تفسير الأمر بوجود عوامل عدة، حالت دون محاولة اقتحام مدينة سرت، غير أن بشائر التوافق الليبي في مدينة بوزنيقة المغربية، يمكن أن تنطوي على “مخرجات” جديدة للأزمة الليبية.

 

– ملف غاز شرق المتوسط: علاوة على الملف الليبي، تجد مصر أريحيةً في مناكفة التحرّك التركي، خصوصا بوجود فاعلين عديدين، على تناقضٍ تام مع طموحات إدارة الرئيس أردوغان وتكتيكاتها. وما استباق مصر توقيع اتفاقية مع اليونان، لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، إلا محاولة لمناكفة الدور التركي، بالردّ على توقيع أردوغان اتفاقية مع حكومة السراج.

 

تتحرّك تركيا في أكثر من “ساحة” رئيسة: العراق، سورية، ليبيا وشرق المتوسط (بصفة عامة). ومن تبعات هذا التحرّك، في ظل وجود أعداء متربّصين كثيرين، وفي ظل سياق دولي مأزوم، نتيجة آثار كورونا وانعكاساتها الإقتصادية والإجتماعية، الإنهاك الذي يعانيه الجيش التركي من جهة، وانخفاض قيمة الليرة من جهة أخرى. أما إذا قيّمنا حجم المبادرة التركية، ممثلة في نسْف الحدود البحرية المرسومة، والموروثة منذ معاهدتي سيفر (1920) ولوزان (1923)، إبّان تفكيك الإمبراطورية العثمانية، فستظهر طبيعة التحدّيات المطروحة على أنقرة. الإعلان عن احتياطات الغاز في شرق المتوسط، ومحاولة رسم الحدود البحرية بين الدول، كان الشرارة لانطلاق الصراع في المنطقة.

 

تجد مصر أريحيةً في مناكفة التحرّك التركي، خصوصا بوجود فاعلين عديدين، على تناقضٍ تام مع طموحات إدارة أردوغان

 

تجوب تركيا بسفنها شرق المتوسط، اليوم، للتنقيب عن مصادر الطاقة. وبين المبادرة إلى التنقيب، والمبادرة إلى المناورات العسكرية، لا تخلو الإستراتيجية التركية من الدعوة إلى التهدئة والحوار. حتى الآن، وضعت أنقرة أرجلها في مياه شرق المتوسط، في انتظار الإلتفات إلى مطالبها بإيجابية، من اليونان والاتحاد الأوروبي كافة. على كل حال، العزلة التي تعيشها تركيا، اليوم، يمكن أن تشكل ثمنا مناسبا لاستخلاص ما تراه حقوقا مشروعة لها. وللإشارة، من المعهود في أنقرة، المسارعة إلى “التدخل” المباشر، على الأقل في مناسبتين قريبتين: في جزيرة قبرص (سنة 1974)، وفي جزيرة كارداك (سنة 1996). هل سينجح الأتراك في مسعاهم الإستراتيجي، بتغيير الحدود المائية في شرق المتوسط، عبر التدخل العسكري المباشر؟ في جميع الأحوال، تنتظر أنقرة مفاوضات الأسابيع المقبلة. أما مصر، فبناء سد النهضة يستدعي منها تغيير الإستراتيجية، في انتظار وضع أفضل يحمي حقوقها المائية، من دون المراهنة على الولايات المتحدة الأميركية، وخصوم تركيا “الظرفيين” في ملف غاز شرق المتوسط. كما أن مصر في حاجةٍ إلى تغيير سلم أولوياتها، ما دام النيل يشكل المصدر الأعظم للحياة في مصر.

 

العربي الجديد

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0