فكر مختارات مقالات

شرط مبدا التسامح

شرط مبدا التسامح

بقلم الدّكتور: عليّ رّسول الرّبيعيّ

إن التسامح كمبدأ أخلاقي عالمي ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال هو ما إذا كان هذا المبدأ مناسبًا في جميع المواقف وما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون فائدته العملية لهم؟ ليس التسامح مبدأ أخلاقيا  هكذا بشكل مطلق، لكنه مبدأ من بين مبادئ أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يجب إعطاءه مكان مناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. قد يؤدي فهم التسامح باعتباره المبدأ المطلق أو الغالب في مواجهة تهديد واضح ومباشر الى استخدامه كمظلة للسلوك المتبنى. يتم  تعين حدود التسامح من خلال الحد الأدنى للمهمة الأخلاقية الأساسية لمقاومة الشر. إن مبدأ المقاومة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل أو سابق  على مبدأ التسامح.

أنا مهتم في مناقشة التسامح  من خلال بعض الأفكار المعيارية الأخلاقية المهمة لفهم مكانة التسامح كقيمة ومبدأ في إطار الأخلاق. ورأيي هو، أنه  نوع من التفكير في وضع اجتماعي – ثقافي معين

حدود مبدأ التسامح:

التسامح مبدأ أخلاقي. وكمبدأ أخلاقي، فهو عالمي، ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال كما اشرت أعلاه، هو: ما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون  واقعهم العملي ؟ وفقًا لما ذكره مايكل والزر، كما ورد في كتابه عن التسامح

Michael Walzer, On Toleration, New Haven, CT: Yale University Press 1997.

يرتبط التسـامح  ارتباطًا وثيقًا بالسلام، وبالتحديد، بالتعايش السلمي. إنه،في سياق المجتمع الديمقراطي، تعايش المواطنين على قدم المساواة في الحقوق، و في سياق التعددية الثقافية، هو التعايش بين الأفراد كممثلين عن مختلف الأعراق والعقائد، والتقاليد الثقافية. استنادًا إلى مفهوم “المجتمع المفتوح” الواسع، يمكننا ربط التسامح بالانفتاح على الاختلافات. وفقًا لكاتريونا ماكينون، فإن التسامح يعني قبول  ما يعارضه المرء  او يقوم بقمع ممارسة أو اعتقاد يمكن لأحد أن يريده، لأن لديى المرء القوة أو النفوذ.

Catriona McKinnon (Toleration: A Critical Introduction [London and New York: Routledge, 2006]).

لكني أرى أن هذا تعريف وصفي للتسامح لا يقول شيئًا عن الملاءمة الأخلاقية للممارسات المقابلة. نحن نعلم النقاشات الواسعة حول “مسألة  الحجاب” في فرنسا، وحدثت مناقشة مماثلة  لكن على نظاق  أقل في روسيا  عندما أصرت بعض النساء المسلمات على حقهن في أن  تكون صورهن محجبات في جواز السفر. تُظهر هذه الحالات أن الناس والمجتمعات بحاجة إلى التفاوض بشأن الملاءمة الأخلاقية للممارسات وكيف يمكن التسامح معها على نطاق واسع.

يتمثل أحد الجوانب المهمة، في إطار المقاربة السلوكية  للتسامح في إدراك الفرد لحق الآخر في الحفاظ على آخريته. من المحتمل أن تشير أخلاق الفضيلة أيضًا إلى قدرة الفرد على تنظيم مشاعر الفرد السلبية تجاه الآخر على هذا النحو، بغض النظر عما قد يكون (لون البشرة، المظهر، الآداب، الأذواق، المعتقدات، أنماط الحياة، إلخ). إن هذه القدرة مهمة لممارسة التسامح، ولكنها ليست ضرورية لمفهوم التسامح.

لذلك، هناك شرط  محدد للتسامح  يتم تنفيذه من خلال استعداد الفرد للتغلب على الاختلافات. ليست هناك حاجة للتسامح، عندما يكون الشخص جاهلاً بالاختلافات أو لا يهتم بها. ولا توجد حالة من التسامح، عندما لا يملك الفرد القوة ولا الطاقة للتعبير عن تحيزه تجاه ذلك  المختلف أو قمعه. لا يبدو أن الحجج التي تدعو إلى التمييز فيما يسمى التسامح النشط والسلبي المقترحة في الأدبيات الحالية مقنعة. يرتبط ما يسمى بالتسامح السلبي باللامبالاة تجاه الآخرين، أو الخجل والجبن في التعبير عن الذات. نظرًا لأن التسامح مع الفضيلة الشخصية ينطوي على استعداد الفرد وقدرته على التعايش مع أولئك الذين تختلف آراءهم ومواقفهم وأنماط حياتهم عن آرائه. في رأيي، أن هذا وصف كافٍ للتسامح. وفي هذا الصدد، يشبه مبدأ التسامح مبدأ اللاعنف.

لا يوجد لدى، هذا الأخير، شعور عملي يتعلق بهؤلاء، الذين هم ضعفاء، عاجزون، سلبيون، وخجولون. وبالطريقة نفسها، على الرغم من أنه بشكل معاكس، فإن مبدأ التسامح – من وجهة نظر المراقب غير المهتم – هو مبدأ فعلي لأولئك، القادرين على إدراك الاختلافات بين الأفراد والجماعات، منحازين ولديهم الإرادة والسلطة للتعبير عن تحيزهم في سلوكهم تجاه الآخرين.

يشير مايكل والزر، بالاضافة إلى جانب الانفتاح على الاختلافات، الى فضول الفرد للاختلافات وإدراكه للإمكانات البناءة للتنوع الاجتماعي والثقافي. وهناك حاجة إلى التسامح، عندما يُنظر إلى الاختلافات النفسية على أنها تهديد.

لتوضيح مشكلة مبدأ التسامح، يجدر النظر مرة أخرى في “رسالة التسامح” لجون لوك. يمكن تفسير خطاب لوك حول التسامح بطريقة كانه يوجه بها هذا المبدأ إلى العضو العادي في المجتمع المدني. وهكذا تم قبول هذا المبدأ من قبل الثقافة السياسية الحديثة. ومع ذلك، أن الحديث عن التسامح كان مهتمًا بشكل أساسي بالحكام ورجال الدين، أولئك الذين كانوا على رأس التسلسل الهرمي الاجتماعي والقوي ليس فقط للتعبير عن رفضهم و خلافهم وكراهيتهم للآخرين، ولكن أؤلئك الذين يظهرون مواقفهم وتحقيقها في العمل المباشر ضد من يعتبرونهم يستحقون سخطهم. ولكن في الوقت نفسه، على الرغم من أن لوك في تفكيره المعياري كان منفتحاً تجاه مبدأ العالمية، وكان التسامح بالنسبة له مبدأً عالميًا  للمجتمعات، استنادًا إلى القانون الطبيعي، الاً أنه وضع قيودًا معينة على مبدأ التسامح. تتعلق هذه القيود بالمخالفين، أوأؤلئك الذين يمثلون خطورة على النظام الاجتماعي، والذي يبرر أو يضمن  فعالية مبدأ التسامح هذا. بعبارة أخرى، هناك حدود لمبدأ التسامح، يتم وضعها بواسطة نظام التسامح ذاته (استخدم المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر).

لذلك، طبقاً الى لوك، ليس التسامح مبدأ أخلاقيًا نموذجيًا وليس مبدأ أخلاقيًا مطلقًا كما يُقدم غالبًا في المناقشات الفلسفية والسياسية العامة. إنه واحد من بين أمور أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يرتبط تسامح الفكر في الفكر الليبرالي بمفاهيم أخلاقية مثل الاحترام والكرامة وحقوق الإنسان والأستقلالية، وما إلى ذلك. المطلوب إعطاء التسامح كضرورة مكانه المناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. يتم تعيين حدود التسامح عن طريق الأخلاق نفسها، ومن خلال مهمتها الأساس أوالحد الأدنى منها  لتنظيم السلوك الفردي والجماعي لمقاومة الشر. إن مبدأ المعارضة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل مبدأ التسامح.

نحتاج إلى تمييز أعمق للجوانب الأخلاقية والسياسية للتسامح. من وجهة نظر سياسية، يُنظر إلى التسامح باعتباره عاملاً يعزز النظام المدني والاستقرار العام، ومن وجهة نظر أخلاقية يُنظر إلى التسامح على أنه نوع من التقييد المعياري للأفراد لعدم التدخل وقمع المعتقدات والممارسات التي يكرهونها.  النقطة الأساسية هي يجب أن يفهم التسامح ويقبل كفضيلة عامة، باعتبارها واحدة من القيم المجتمعية والمدنية الأساسية.

يمثل مصطلح “نظام التسامح” المذكور أعلاه المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر، في رأيي، مفهومًا مهمًا، يتم بموجبه تبني التسامح في المجتمعات المختلفة من خلال هياكل وإجراءات عامة مناسبة خاصة بمجتمع معين. يتطلب التنفيذ الكامل للتسامح كمبدأ أخلاقي عملي أدوات سياسية وقانونية مناسبة، حيث يتقاسم المجتمع مسؤولية الحفاظ على روح التسامح وأخلاقياتها من أجل الحفاظ على الاستقرار وتوفير فرص بناءة للتفضيلات.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0