قبر الامام النسائي
تاريخ مختارات مقالات

الإمام النسائيّ دفينُ الرملة المحتلة

الإمام النسائيّ دفينُ الرملة المحتلة

بقلم: د. أسامة الأشقر

من أعظم مدن فلسطين وأكثرها ذكراً في التاريخ مدينة الرملة، وهي المدينة التي ولد أبي وجدي في واحدة من قراها، وقد زرتُ قريتي المحتلة هذه مرة واحدة في حياتي مطلع الثمانينيات، وتمنيت أن أدخل المدينة وأسلّم على كبارها الراقدين في حوش جامعها الأبيض الذي خطّه الخليفة الأمويّ سليمان بن عبد الملك وجعله مركزاً للمدينة، ولا تكاد تُذكر الرملة إلا ويذكرون سليمان بن عبد الملك، حتى إنه كاد أن ينقل عاصمة الخلافة الأموية إليها أول أمره لاسيما أنه كان والياً على فلسطين، وكان هو من مصّر المدينة وخططّ معالمها وأنشأ مرافقها ودار الحكمِ فيها.

وإذا قُدّر لك أن تزور هذا الجامع، فسترى عند الحائط الشرقي لهذا الجامع بناء قديماً محجّراً في داخله قبر لا يرتفع عن الأرض كثيراً هو قبر إمام جليل من أئمة السنّة العظام وأكابر الحفّاظ فيها هو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسائيّ صاحب سنن النسائي الشهيرة

قبر الامام النسائي.

أصل هذا الحافظ من نَسا في بلاد خراسان، وهي اليوم في تركمانستان، أي أن هذا الإمام تركمانيّ العرق فيما يظهر، وقد طاف أقاليم الإسلام في الشام والجزيرة والعراق والحجاز ومصر وخراسان والثغور في رحلة مباركة لجمع حديث رسول الله وروايته وضبط أسانيده ومعرفة رجاله، وطار ذكره واتسعت شهرته، حتى قيل إنه: (لم يكن أحد في رأس الثلاث مائة الهجرية أحفظ منه، وأنه أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى الترمذي، وهو جارٍ في مضمار البخاري، وأبي زرعة).

استوطن النسائي مصر آخر حياته، وكان يتردد على الشام كثيراً حتى إنه تولّى قضاء حمص مرةً، وقد كان في شخصيته هيبة القاضي وصرامة المحدّث، وظهر ذلك في منهجه في تعديل رجال الحديث أو جرحهم

قبر الامام النسائي.

هذه الشخصية المنضبطة أثرت أيضاً في آرائه التي حاول فيها أن يكون على مسطرة سويّة مما جعله هدفاً لطائفة من المتعصِّبين الشباب الذين تنشّأت عصبيّتهم في بيئة ما تزال تتعصّب لأمويّة قديمة كانت تثور بين الحين والآخر على نظام الحكومة العباسية ومن ناصرها أول الدعوة من الأسرة العلوية، فقد أغضبهم أن يكتب النسائيّ في دارهم كتاباً حافلاً عن سيدنا عليّ بن أبي طالب ومناقبه وخصائصه ويخرّج الروايات العديدة فيه، فيما لم يكتب عن مؤسس الدولة الأموية سوى ورقات كان يقول إن أكثرها من الضعيف عنده، ولم يكن النسائي على مذهب الشاميين في شدة الولاء للفكرة الأموية التي هزمت بميلاد الدولة العباسية، وكان النسائيّ يرى الكفّ عن ذكر معاوية والمغالاة في الاحتفاء به، ويقرر الحياد في شأنه، وربما اشتدّ على مخالفيه في الشام وأكثرهم من أنصار الأموية السياسية التي باتت عقدة المعارضة للحكم العباسي فيقول:  ( ألا يرضى معاوية أن يكون رأسا برأس حتى يفضل) أي أن المتعصبين لا يقبلون من النسائي أن يساوي معاوية بعليّ، بل يريدونه أن يجعله أفضل منه؛ ويبدو أن الضغط زاد عليه، فقال رأياً متشدداً ظنّوه شيعياً بإطلاقه: إنه لم يخرّج له شيئاً سوى حديث: ( لا أشبع الله بطنه)، ويبدو أنه أغلظ عليهم في ردّه، ولم يقبلوا منه أن يساوي بين الصحابة أو أن يزيد اهتمامه بذكر فضائل معاوية، فاهتاج أهل الرملة وشبابها المتعصبون للحزب الأموي وظنّوه من علماء السلطان العباسي وحلفائه فاعتدوا عليه وهو السبعينيّ الهرم، وأصابوه في حضنيه أو خصيتيه حتى مات بعد ذلك من أثر العدوان؛ ولا نعلم أنه أقيمت له جنازة تليق بمكانته العلمية مما يدل على أنه دفن في بيئة أموية مناوئة؛ ومع أن بعضهم قد قال إنه مات بمكة بعد أن اعتدوا عليه في دمشق فإن الأرجح أن الحادثة وقعت في الرملة مع بدايات عام 303هـ بدليل أن تلميذه المؤرخ أبا سعيد الصدفيّ الشهير بابن يونس وهو أعرف الناس به وأضبطهم توثيقاً لم يذكر إلا رواية موته بفلسطين، وكانت الرملة مدينة فلسطين وعاصمتها؛ كما أنه لا يُعرَف للنسائي مقام أو قبر معلوم إلا في الرملة مما دلّ على وفاته فيها

قبر الامام النسائي.

ويجدر بنا القول هنا أن قضية الاعتداء على النسائي كانت قضية سياسية بامتياز وأن الاحتقان السياسي كان على أشده في الشام، وكانت المعارضة السياسية تتخذ من بعض المرويات مرجعية لها في الشام لتأكيد أحقيتها في الحكم لاسيما مرويات السفياني الأمويّ، كما أن المجازر التي ارتكبها العباسيون بحق أهل الشام وأمراء الأمويين أول تمكين الدعوة العباسية، ثم قمع الثورات الأموية في الشام ما تزال دامية مشتعلة في نفوس الشاميين؛ ولذلك كانت أنصار الحزب الأموي لا يقبلون أي جهة تروّج لحزب السلطة الحاكمة حتى لو كان إماماً سنّياً جليلاً كالنسائيّ الذي بالغ في إظهار موقفه في بيئة محتقنة، وكان غرض النسائي فيها تنوير الناس بوجوب احترام جميع الصحابة الكبار وعدم السماح بالتطاول عليهم لأغراض سياسية لاسيما أن فلسطين كانت بعيدة عن مركز الخلافة في بغداد وهي في زمان وفاة النسائي قد انتقلت إلى السلطة الإخشيدية التي أنهت الحكم الطولوني التابع اسميّاً لبغداد.

لقد كان النسائي وثيق الصلة بالرملة الفلسطينية، فقد أخذ عن بعض شيوخها مثل عيسى بن محمد الرملي، وعيسى بن يونس الرملي، وتلقى عنه فيها ثلة من الرواة مثل أبي الحسن علي بن أحمد بن علي المقدسي ؛ حتى قيل إنه صنف كتابه الشهير السنن وأهداه لأمير الرملة من طرف الإخشيديين، وكان من رجالات الدولة الإخشيدية الكبار؛ مما يدل على أن النسائي كان قريباً من السلطة التي ما تزال تستمد شرعيّة قيامها من بغداد، مما جعله محل مخالفة واعتراض من سكان الرملة وعموم الشام المعارضين للسلطة المناوئين لها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0