جورج رابيشي
فكر مختارات مقالات

جورج طرابيشي.. احلام الزمن الجميل من سارتر الى فرويد

جورج طرابيشي.. احلام الزمن الجميل من سارتر الى فرويد

بقلم: علــي حســين – العراق

وانا اتصفح كتاب هنرييت عبودي الكاتبة والمترجمة ورفيقة رحلة جورج طرابيشي الحياتية والثقافية ” ايامي مع جورج طرابيشي ” نظرت الى رفوف مكتبتي ، اتطلع الى الرف الذي يحتوي مؤلفات وترجمات جورج طرابيشي ، والتي احتلت مكانا واسعا ، وسألت نفسي كيف تمكن هذا المثقف الذي عاش 77 عاما – وُلد في آذار 1939 ورحل في آذار 2016  – ان يتنقل من سارتر الى ماركس ثم الى فرويد وان يقدم كل هذه المؤلفات ، والغريب ان هذا التنقل ارتبط بتطور وعيه الفكري  ، يخبرنا في حوار تلفزيوني معه ان ثقافته بدأت مع سارتر ،الذي ارتبطت كتاباته بمفهوم الحرية ، هذه الحرية التي هي المظهر الحقيقي لوجود الانسان  ، ثم في زمن المد الثوري في الستينيات تحول الى ماركس طلبا للتغيير ، لكن جاءت هزيمة 1967 فوجد ان فرويد يقدم اهم تفسير عن ازدواجية الشخصية العربية ، فقرر ان يترجم كل كتب عالم النفس الشهير  . قبل وفاته باسابيع احتفل طرابيشي بالانتهاء  من موسوعته عن”نقد نظرية العقل العربي”، والتي خصصها للرد على المفكر المغربي محمد عابد الجابري صاحب المشروع الكبير”نقد العقل العربي” . كان في الرابعة عشرة من عمره  حين سمع مدرس الدين يحذرهم من عذاب الجحيم ، عجزهُ عن استيعاب حجم العذاب الذي سيتلقاه  بعد ان يموت زاد من حيرته ،  وبقي في ذاكرته صوتان: الكاهن المسيحي يحذر من عذاب الآخرة، ورجل الدين المسلم الذي  ظل يردد : “كلّ من هو ليس بمسلم فهو عدوّ للإسلام”.

هاجر من مدينته حلب بعد ان ضاقت به سبل التعليم، فقرر والده ان  ينتقل بالعائلة الى دمشق،  فابنه الذي تجاوز الخامسة عشرة من عمره  يولي اهتماما للدرس والمعرفة، وكان الاب يحلم بأن ولده البكر سيصبح يوما قاضياً. نشأ جورج طرابيشي في عائلة مسيحية تواظب على الذهاب الى الكنيسة، وفي دمشق التي وصلوها وجد الأبن جورج متسعاً من القراءة والبحث ، فانكب على القراءة والدراسة التي اوصلته لأن يصبح في بداية الستينات مديرا لإذاعة دمشق. ولأن المعرفة  والبحث والجدل دائما ما تؤدي بأصحابها إما الى السجن او المنفى، فقد اختار طرابيشي ان يرحل الى لبنان التي فتحت امامه ابواب النشر ليقدم خلال سنوات قليلة عشرات الكتب  توزعت بين هيغل وماركس وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وروجيه غارودي، والاقرب الى عقله  سيغموند فرويد الذي خصص له القسم الاكبر من اهتمامه – ترجم ٣٠  كتابا لفرويد ، وسعى الى تطبيق منهجه على الادب العربي  من خلال عدد من الدراسات كان ابرزها:  الله في رحلة  نجيب محفوظ، و نوال السعداوي ..أنثى ضد الأنوثة ، والرجولة وأيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية، عقدة أوديب في الرواية العربيّة ، دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية، لعبة الحلم والواقع عند توفيق الحكيم، والمثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي ، والذي اشر فيه بوضوح الى المرحلة الظلامية التي  تمر بها المجتمعات الغربية : ” الظلامية هي مثل الثورات، بل أكثر من الثورات، في قسوتها على أبنائها. فإن كانت الثورة تنتهي بأكلهم، فإن الظلامية تبدأ به. فهي لا تطيق وجود متنورين حتى في صفوف دعاتها ” .

جورج رابيشي

في مجال الترجمة  آمن طرابيشي بضرورة نقل كتب الفلسفة وعلم النفس إلى العربية، فخصّص سنوات لترجمة الأجزاء الثمانية لموسوعة الفيلسوف الفرنسي ” إميل بريهييه”. كما قدم  للعربية مرجعاً مهما حين ترجم “موسوعة علم الجمال الهيغلي”.

في تلك المرحلة المضيئة كان جورج طرابيشي ينام حالماً بعالم العدالة الاجتماعية، لكنه يفيق على صوت المشاحنات السياسية ومعارك الرفاق، ورغم الصعوبات  استطاع ان يجعل من نفسه مكتبة  مستقلة من الأدب وعلم النفس والفلسفة ، وكان كل يوم يحاول ان يكتشف الجديد في علوم المعرفة الانسانية لكي يقدمه  للقارئ العربي.

المحطة الثالثة من رحلة المهجر كانت باريس، التي لجأ اليها هرباً من الحرب الأهليّة اللبنانية، والتي كرّس فيها  ربع قرن من حياته في اقامة جدال عميق مع المفكر المغربي محمد عابد الجابري. والغريب ان طرابيشي يذكر في مقاله التأبيني عن الجابري ان الأخير لم يرد عليه، لكنه كان متضايقا من امر رجل مسيحي يحاول ان يدس أنفه في التراث الاسلامي .

اقترن اسم جورج طرابيشي بمفكرين سوريين  كبار من امثال إلياس مرقص وصادق جلال العظم ، بالرغم من فوارق الاهتمامات والانشغالات بينهم. وقد شكل هذا الثلاثي ومعهم السوري الرابع سامي الدروبي أثراً كبيراً في أجيال كاملة تربت على كتاباتهم  . يكفي أن نذكر  أنهم عرّفونا بماركس وهيغل وفرويد وفيورباخ وجورج لوكاش ودستويفسكي وبرغسون ومئات الترجمات التي اصبحت جزءا من نسيج الثقافة العربية.

تلك كانت،  مدرسة المعرفة، روائع سامي الدروبي، ومساجلات الياس مرقص في الماركسية، وقذائف صادق جلال العظم نحو التزمت الديني،

و فرويدية جورج طرابيشي  التي شغلت  الكتّاب العرب. الشباب الاربعة الذين جاءوا من اطراف دمشق، والذين توقع البعض ان بيروت ستكون  عصيّة عليهم، ما أن  حلوا  فيها، حتى اصبحوا هم بريقها وصانعي حداثتها، لكن هل ننسى ان في عصرهم كان هناك عشرات النجوم في الشعر والمسرح والرواية والنقد الادبي: ادونيس، يوسف الخال، السياب،نجيب محفوظ، توفيق الحكيم،فؤاد التكرلي، نجيب المانع، محمد الماغوط، عائدة  مطرجي الياس، خالدة سعيد، نازك الملائكة، عبد الرحمن بدوي، فؤاد زكريا، سعد الله ونوس، الجميع يحلمون ويعملون من اجل عالم ضاج بالمعرفة والحداثة، و بمعلقات من الشعر الحديث الذي نسج السياب اولى خيوطه الحريرية. كانوا جزءاً من  زمن جميل مضى، أشرق مع مطرالسياب، كما أشرقت مجلة “شعر” وندماؤها، مثلما حلّق طرابيشي في تقديم تصور جديد لفرويدية القرن العشرين، ومن كتابات ريجيس دوبرية  الى هموم سيمون دي بوفوار، كان فيها طرابيشي مثل دون كيشوت، يخلط الترجمة  بسحر التأليف، يمضي طرابيشي عمره ينقل الى العربية ثقافات العالم، لم يترك جديدا إلا وقدمه في طبق شهي لقراء لغة الضاد. وفي محطاتة الست التي كانت آخر ما قدمه لنا يكتب بوضوح :”إن سوريا، المتعددة الأديان والطوائف والإثنيات، تقف اليوم على أبواب جحيم الحرب الأهلية ما لم يبادر النظام إلى إصلاح نفسه بإلغاء نفسه بنفسه. فبغير هذا الإلغاء لا سبيل آخر إلى إصلاح سلمي يصون البلاد من الدمار. ولكن بدلاً من ذلك امتنع النظام حتى عن الوفاء بالوعود في الإصلاح التي كان لوّح بها. ولكن لأعترف أيضاً بأن إصراري يومئذ على قدر من التفاؤل، من خلال مطالبة النظام بإلغاء نفسه تفادياً لحرب أهلية طائفية مدمرة، كان في غير محله إذ ما كنت أعي في حينه، أي في الأسابيع الأولى لاندلاع الانتفاضة السورية، دور العامل الخارجي إعلاماً وتمويلاً وتسليحاً، وهو الدور الذي يدفع اليوم الشعب السوري بجميع طوائفه ثمنه دماً وموتاً ودماراً غير مسبوق إلا هولاكياً، وهذا في ظروف إقليمية وأممية تشهد احتداماً في الصراع الطائفي السنّي/الشيعي ينذر بأن يكون تكراراً للصراع الطائفي الكاثوليكي/البروتستانتي البالغ الشراسة الذي كانت شهدته أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. يبقى أن أختم فأقول إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت. ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن.”

يصف جورج طابيشي نفسه بانه ابن للثقافة العربية الإسلامية ، وهذا الارتباط هو الذي حفزه لان يتحمل مسؤوليته كمثقف تنويري إزاء مجتمعه الذي ينتمي إليه ليرفده بنتاج فكره فيما يجري، وكان ذلك يعني أولا قراءة مستفيضة لذلك التراث، قبل أن يمنح نفسه الحق في الخوض فيه. ولهذا نجد طرابيشي يخصص سنوات لمراجعة التراث العربي لتكون الحصيلة  كتبا مثل مصائر الفلسفة بين الإسلام والمسيحية ومن “إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” و “من النهضة إلى الردّة” .

يقول طرابيشي في حوار اجراه معه ابراهيم العريس ونشر في جريدة الحياة قبل اكثر من 20 عاما ، ان جيله عاش قطيعة كاملة مع التراث.:”  لقد اتجه تفكيرنا واتجه بنياننا الذهني كله إلى الأيديولوجيات الغربية الحديثة التي، تحولت كلها على أيدينا إلى كتب مقدسة سواء كانت ماركسية أو قومية أو اشتراكية أو وحدوية. عشنا قطيعة تامة مع تراث كنا ننظر إليه على انه ليس أكثر من كتب صفراء. بعد ذلك أمام فشل مشروعنا “التحديثي” وخيبته، إزاء فشل ” ثورتنا”  التي لم تنجح إلا في إحراقنا وإحراق نفسها، ثم أمام السقوط المدوي للأيديولوجيات ، حدث تبدل أساسي، خصوصاً أن ذلك كله تلى هزيمة العام 1967، ثم امتداد أفكار التطرف والعنف، باسم الإسلام ” ، وهذا ما جعله شخصيا يعيد النظر في موروثه الثقافي ليكتشف ما كان بينه وبين التراث من قطيعة :”  والحال إن هذه القطيعة بدت لعيني اكبر حين اضطرتني الحرب اللبنانية للرحيل إلى باريس هرباً وخصوصاً من الاقتتال الطائفي في لبنان الذي كنت أقيم فيه عند ذاك. إزاء هذا كله راحت تتفاعل لدي، وعلى غير توقع مني، علاقتي مع التراث، إذ اكتشفت فيه بديلاً عن الوطن الذي غادرت ” .

كان جورج طرابيشي يمثل اثناء حياته وسيظل بعد وفاته ، أحد أقطاب التنوير الفكري في ثقافتنا العربية المعاصرة ، اضافة الى انه مفكر بالدرجة الأولى وليس ناقلا للفكر الغربي فقط ، وقد ظل ينادي بتطهير ثقافتنا  من الافكار والممارسات الظلامية ، لنتمكن من بلورة ثقافة إنسانية ديمقراطية حديثة يتسع حضنها  للجميع.

 

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0