الصراع في ناغورني كرباخ
سياسة مختارات مقالات

ناغورني كاراباخ ولعبة المحاور في القوقاز

ناغورني كاراباخ
ولعبة المحاور في القوقاز

بقلم: هبة داودي – الجزائر

النزاع حول ناغورني كاراباخ، ظل يتأرجح بين الحرب الساخنة والباردة بين طرفي النزاع ارمينيا واذربيجان، ساخنا تارة وباردا تارة أخرى، منذ وقف إطلاق النار، عام 1994، حيث يصنف ضمن ما يمكن أن يطلق عليه بالصراعات المجمدة التي تبقى بؤر تؤثر في منطقة القوقاز.. أزمة ونزاع عالق ضمن سياق عهد ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وتبعات التجاذبات الاقليمية القائمة في منطقة خضعت لمنطق الاحتواء والاستقطاب بين الفاعلين الاقليميين والدوليين.

وإذا كانت الاشتباكات التي اندلعت منذ بين أذربيجان وأرمينيا تشكل ذروة جديدة في السجال القائم بين باكو وبريفان، على الإقليم المتنازع عليه، الا أن جذور الازمة تمتد الى أبعد من ذلك بكثير، وسط رهانات ترتبط بحسابات سياسية واقتصادية وجيوسياسية، تضم أطرافا ظاهرها محور أنقرة ـ موسكو، ولكنها في المحصلة تشمل محاور أكبر، بتعدد اللاعبين من واشنطن إلى طهران فبروكسل.

الرهان القائم في النزاع الاذري الارميني يتمحور حول السيطرة على منطقة ناغورني قره باغ الجبلية،  فالمنطقة الاستراتيجية في قلب منطقة القوقاز يسكنها ويسيطر عليها أغلبية أرمينية العرق، لكنها تقع داخل الأراضي الأذربيجانية، وترتبط بأرمينيا عبر طريق سريع، وهي منطقة تمت عسكرتها إلى حد كبير، لكونها ظلت منطقة توتر عالية.

وتجد تركيا وروسيا نفسيهما، مجددا، على خط المواجهة، على غرار ما حدث  في سوريا وليبيا، في سياق سياسات تموقع في مناطق حيوية، فتركيا تدعم اذربيجان، وهي حليفتها الاستراتيجية سواء من حيث مشاريعها الاقتصادية، خاصة مشاريع تمديد خطوط أنابيب النفط والغاز، أو التعاون العسكري والأمني، إذ تعتبر تركيا أن منطقة آسيا الوسطى والقوقاز امتدادا حيويا لها، لاسيما لتواجد روابط تاريخية معها، وسكان من أصل تركماني هناك.

بالمقابل، تقف موسكو وراء أرمينيا المسيحية، لعدة اعتبارات استراتيجية، فهي من الموانع التي تحول دون الامتداد الغربي الكبير بالمنطقة، لاسيما مع توسع الناتو والتحالفات الأمريكية، مثلما يحدث مع جورجيا وأذربيجان، كما تعتبر بريفان حليفا عسكريا لروسيا بالمنطقة، وهي منطقة عازلة، وتعد موسكو داعما طويل الأمد لأرمينيا، في مجال الأسلحة والدبلوماسية، كما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجمعه علاقة طيبة بالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، أي أن الأخير يجد نفسه ما بين الإثنين، أردوغان من جهة، وبوتين من جهة أخرى.

وإذا كانت الواجهة ترتكز على محور موسكو ـ أنقرة، فإن أطرافا اقليمية أخرى لا ترغب في البقاء على الهامش، فإيران تدعم أرمينيا ضد اذربيجان الشيعية، لاعتبارات استراتيجية متصلة بالأقلية الأذرية المتواجدة في ما يعد اذربيجان الجنوبي، حيث تخشى من بروز توجهات انفصالية قد تحظى بدعم أذري.

ويظل ناغورني كاراباخ، الاقليم الذي تتصادم فيه مصالح الدول الاقليمية والدولية، وإن كانت واجهته نزاعا بين أذربيجان وأرمينيا منذ الثمانينيات، حيث تؤكد أرمينيا أنه جزء من أراضيها، بحجة أن أغلب سكانه من الأرمن، أما أذربيجان فتصر على استرجاعه مستندة إلى اتفاقية موقعة بين الدولة العثمانية وروسيا، مؤكدة أن الإقليم سلخ من أراضيها.

ففي عام 1991، مع تفكك الاتحاد السوفياتي، اعلنت كل من أرمينيا وأذربيجان على استقلالها في 1992، وعلى نفس الدرب اعلن قادة اقليم ناغورني كاراباخ رغبتهم في تشكيل جمهورية مستقلة، فرفضت أذربيجان المطلب، متهمة أرمينيا بالتآمر، بينما دعمت ايريفان قادة الاقليم بالمال والسلاح، وهو ما رأت فيه اذربيجان اعتداءا صارخا، أدى إلى نشوب حرب بين الطرفين، ليتوصل الجانبين إلى اتفاق وقف اطلاق النار قي 1994، هذا الوضع لم يفضي إلى حل الأزمة، بل أبقاها في حالة لا حرب ولا سلم، مقابل تصادم في اقليم ناغورني كاراباخ، حيث أرادات اطراف اقليمية وقوى دولية أن تتسع دائرة الصراع لتركيا وروسيا وايران والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ويدخل الصراع عموما في ارتدادات تمس منطقة القوقاز، التي عرفت الكثير من الصدمات والأزمات، على غرار داغستان والشيشان وجورجيا، في ظل سعي أمريكي إلى إبراز سياسات استقطاب واحتواء لروسيا، عبر توسيع الناتو والتواجد العسكري في تخوم النطاق الحيوي الروسي، على غرار جورجيا ودول البلطيق، وكذا جمهوريات آسيا الوسطى، منها أذربيجان، وهو التقارب الذي يثير قلق روسيا، على اعتبار ان ذلك يهدد أمنها القومي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.