أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

في التربية .. براءة بناء رجل

 

بقلم/ إسراء مقداد

لو فكّرت كل أم من أمهات عالمنا العربي ببناء طفل من أطفالها ليكون شخص متفرد الوجود ثمّ نكّوّن من أمثالهم أعداداً نصلُ بهم إلى “النُقطة الحرجة”- هذه الدرجة التي نسعى من خلالها تحقيق الكم النوعي الذي نحتاجُ إليه لتوظيف الجهود لقيادة عمليّة التحول الكبيرة والتي يعقبها مباشرة حدوث التغيير وبدايةُ عهد جديد لنهضة قويمة قادرة على قيادة كوكبنا!
خُذ على سبيل المثال، تغيّر السائل إلى البخار في حال وصوله الدرجة الحرجة التي تُحدث التغيير في مادّته. أو كتغيّر أنظمة الحكم في بلدان العالم حينما يحصل الناخب على أصوات 50% +1 .. حال المُجتمعات كحال المواد في تغيُّرها، لا تتغير إلا بتغيّر الأقوام وليس بتغير عدد قليل من الناس. علينا أن نصل إلى نسبة 50%+1 من الرجال أصحاب العقول الواثقة بالتغيير، تعرفهم بسيماهم، ميموني المناقب والفعال، لنرى نور التغيير الذي نصبوا إليه فيضربون في الأرض ويؤثرون- ويتركون وراء ظهورهم كل متقاعس متخاذل!

لو تُهدى نسائنا إلى مزيد ثقةٍ بأن تربيتها لأطفالها هو سرُ تغير الكون إلى كل خير للبشرية، لثابرت ولما زاغت أبصارهنّ عن هذا الهدف السامي. فالتربية إذا وافقت موسم الهمّة والانفتاح النفسي وتصاعد العواطف ومواتاة الظرف: غيّرت وأنتجت. فبناء الأبناء أبلغ نفع للأمة و له أعظم تأثير…

في طفولته، تجعل من نفسها قُدوة له، تعلمه الثقة بالنفس ورفض الباطل والشجاعة في قول الحق مهما كان مُراً، تُعوّده على مساعدة المحتاج، وأن يبتعد عن الانانيّة والكسل فتجعل من نفسه نفسٌ جماعيّة تحب المثابرة والتضحية. يكبُر وتكبُر معه هذه الصفات فتصبح جزءاً من شخصيته. يأنف من كل سوءٍ ويعمل للخير و يؤثر في جميع أطراف الحياة.
الأم المُربية تدعم ابنها إن تعِب وضعُف، و تُهوّن عليه الخطأ والخوف والخطر حتى لا يجد اليأس إلى روحه سبيلا وكلما تذهب نفسه شعاعاً وجّهته لأمر جزم؛ فالنفس الإنسانيّة لا تبقى قويّة بل يأخذ منها الاستهلاك ما يأخذ.
لا تتركه أمّه و لو استوى عوده، تُغذي وتيرة الطموح عنده وتشجعه بلا انقطاع حتّى تعزُّ عليه نفسه، فتصغر الدنيا في عينيه لأنه يرفضُ الدنيّة في سيرته. فتبني رجلا ميمون النقيبة، تعرفه من صفاته وتعاملاته. تربّيهم على أن يكونوا “رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ الله” ولا تُلهيهم صخب الحياة عن الإبداع في تحقيق مُرادهم ولا تلهيهم سفاسف الأمور عن عظيمها!!

وفي سنوات شدّته وقوّته، تجده رجلا لا تُضلّه متاهات الخيال و يلتف على الالتفاف أيّاً كان مصدره ويمضي على بيّنه. ينتصب رائداً مجازفا من أجل النفع العام لا يسرق بصره دقّة تركيزه في شأن أمته ولا تميل عيناه لمالٍ ولا لجاه.
منفتح على العالم يأخذ من نبعه ويميّز جيده من خبيثه بالغربال الشرعي الذي يستفرد به الفرد المؤمن الموحّد. يشتق لنفسه منظومة من قواعد التعامل تكون كأنها مواد قانون يجعلها الفيصل في التعامل مع الذين هم تحت إمرته وحكمه. عنده تضحية وإيثار وقرارات مصيرية تصل حد المخاطرة بالروح. و يتغافل عن كلّ ماكر وما هو بغافل، فيعزم العزمات إذا اقتربوا من الخط الأحمر بلا هوادة.
وبذلك، تُربّي الأم رجالاً ليكون لها ضلعٌ من الأجر ما تعاقبت الأيام وتكاثرت أعمال خير أبنائها، لأنها القادحة الأولى لهذه الشعلة المُضيئة في كل زمان ومكان. لكل أمٍّ أن تفخر ببنائها وتربيتها رجلا قادرا على التغيير، كما يفخرُ كل مخترع ببراءة اختراعه في حياته ويفخر التاريخ بعده بما جلبه من خير للبشرية!
تتغّير الحياة وتتبدّل حكومات، ويسقط رؤساء دول بتأثير تربية الأم- صُعُداً نحو الحضارة الإسلامية المُرتقبة!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0