فكر مختارات مقالات

الأبعاد الثلاث للشعور الديني في فلسفة اسبينوزا

الأبعاد الثلاث للشعور الديني في فلسفة اسبينوزا

بقلم: ا.د. علي المرهج – العراق

انشغل اسبينوزا بنقد اللاهوتيين ورجال الدين الذين اتخذوا من الكتاب المقدس وتفسيره (اللاتاريخي) وسيلة للهيمنة واستغلال عقول المتدينين البسطاء، ليكشف لنا عن رؤيته التجديدية في قراءة (النص المقدس) بوصفه نص تاريخي يخضع لشروط الزمكنة والأرخنة، أي يخضع لتحولات الظرف الزماني والتاريخي الذي جاء في النص بوصفه لغة خطاب للتغيير الزمكاني والتاريخي.

 

1- الشعور التاريخي، ووظيفته نقل الوحي شفاهياً أم كتابياً، وضمان صحته وضبطه عبر التاريخ، وهو ما أظن أن محمد اركون بنى عليه رؤيته في الفصل بين مفهومي القرآن بوصفه اللحظة الوحيانية لتبليغ القدسي للمخاطبين (البشر) بوصف الرسول (النبي) هو أداة الوصل البشرية التي اختارها الإله لتبليغ الرسالة الإلهية.

ميز محمد أركون بين (القرآن) بالمعنى الذي ذكرناه وبين (المصحف) بعد أن جمع الصاحف الخليفة الثالث عثمان ابن عفان ليحول (القرآن) إلى (مصحف) ليكون هو (المدونة الرسمية) للإسلام، فيتحول النص من هبته القدسية ليكون أداة بيد البشر يتصحفون آياته وسوره، ليُفهم بلغة السلطة الرسمية، ولكنه شيشيع فهمه وتتعدد مشارب تأويله، بعد افول نجم السلطة التي أسست للرؤية الرسمية للنص المقدس.

2- الشعور الفكري، ومهمته فهم الوحي – بعد التأكد من صحته – وتفسيره، وتحويله إلى أسس نظرية للسلوك.

يُمكن لنا القول ان ما أسماه اسبينوازا بالشعور الفكري هو ما يُقابل الفهم البشري لطبيعة اللغة الوحيانية او اللاهوتية التي أجاد الاشتغال عليها (نصر حامد أبو زيد) و (شبستري)، بل وحتى (سروش) في نزوعهما لعلمنة (الفكر الديني) وأنسنته.

 

3- الشعور العملي، ومهمته تحويل الوحي – بعد التأكد من صحته وفهم معناه، إلى أنماط للسلوك، وإلى مناهج عملية في الحياة حتى يصبح الوحي نظاماً في العالم، ويتم تحقيق الوحدة بين الفكر والواقع، أو بين الروح والطبيعة، أو إن شئنا، بين الله والعالم.

 

وهذا من مقتضيات منهج النقد التاريخي للنصوص الدينية الذي يدعو له اسبينوزا المعتمد فيها على:

 

1- معرفة خصائص وطبيعة اللغة التي كُتبت بها النصوص الدينية المقدسة.

وضع سبينوزا رؤية نقدية للتعامل مع منهجاً للتعامل مع لغة الكتاب المقدس، أسماها ب “النقد التاريخي”، وهو منهج يتجاوز سطوة وهيمنة رجال الدين (الأكلريوس) الذين احتكروا تفسير النص المقدس وتفسيره.

 

2- جمع النصوص وفهرستها في موضوعات رئيسة، حتى يمكن إستعمال النصوص التي تتعلق بنفس الموضوع مرة واحدة. وهذا يُمكننا من تبويب الآيات حسب الوضوح والغموض. والوضوح هنا يعني فهم النص حسب السياق، وليس حسب العقل، لأن مهمة التفسير فهم النص.

إنه منهج يحملفي طياته دعوة لاعمال العقل اتجاه النص، لتغليب العقل في الفهم والتأويل للنص المقدس.

 

3- معرفة الظروف والملابسات التي دونت فيها النصوص المقدسة المروية عن الأنبياء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق