فكر مختارات مقالات

الحد الفاصل بين حرية التعبير وكف الأذى.. شارلي إيبدو نموذجًا

الحد الفاصل بين حرية التعبير وكف الأذى.. شارلي إيبدو نموذجًا

بقلم: محمد عبد العاطي – مصر

الكاريكاتير هو لون من ألوان الفن الساخر الذي يقدم الفكرة بشكل يدعو إلى الابتسامة، ويعتمد على التناقض وسيلةً للوصول إلى مبتغاه، فتراه مثلا يرسم زعيما سياسيا بأنف طويل جدا للدلالة مثلا على أنه يحشر أنفه فيما لا يعنيه، أو يرسم آخر بكرشٍ متدلٍ مع ساقين رفيعتين للدلالة على عدم إدراكه للتوازن المطلوب بين وعوده وبين قدرته على تنفيذها.. وهكذا من موضوع لموضوع يختار هذا الفن شخصياته حتى أصبح حزءًا أصيلًا من الصحافة المعاصرة .. فإلى أي حد يمكن لهذا الفن أن يدلو بدلوه في موضوعات حساسة تمس العقائد الدينية ورموزها؟ هل يجوز لرسامي الكاريكاتير أن يعاملوا الأنبياء مثلاً معاملة رؤساء الدول فيرسموا على سبيل المثال شكلا هزليا ساخرا يمثِّلُ موسى أو عيسى أو محمد، عليهم جميعها الصلاة والسلام؟ أو هل يجوز لهم أن يرسموا مثلاً رسما هزليا ساخرا للتوراة أو الإنجيل أو القرآن ليقدموا من خلاله فكرة تبعث على الضحك يرون فيها متناقضات يريدون السخرية منها؟

أين يقف الحد الفاصل بين حرية التعبير وبين احترام المشاعر الدينية للآخرين وعدم إيذائهم؟

إنَّ قيمة الحرية يجب ألا تنفصل أو تتعارض وتتناقض مع قيمة العدل؛ بمعنى أنه إذا أردت أن تكون حرًّا فمن العدل ألا تؤذي حريتك الآخرين إيذاء جسديا أو معنويا. لا يمكن لمجتمع أن يسير بساق واحدة فقط هي ساق الحرية بينما يبطل عمل الساق الأخرى؛ ساق العدل، وإلا أصبح أعرجا، واختلَّت الأمور.

فماذا يحدث لو أصر الداعون إلى الحرية المطلقة على موقفهم، مسوغين ذلك بأن قيمة الحرية هي من قيم الحضارة الحديثة التي يجب الدفاع عنها حتى ولو كلفهم ذلك أرواحهم، كما حدث على سبيل المثال مع صحيفة شارلي إبدو الفرنسية الكاريكاتورية الساخرة التي أصرت مرارا وتكرارا على رسم صور مسيئة لنبي الإسلام، شعر معها المسلمون في العالم بالإهانة والإيذاء المعنوي؟

هذه الصحيفة نظرت إلى جانب واحد فقط في الموضوع وأعمت بصرها عن الجانب الآخر.. صوبت بصرها إلى جانب الحرية وأغفلت جانب العدل المتمثل في منع الظلم الذي من صوره الإيذاء المعنوي، فماذا كانت النتيجة؟

لقد برز لها متشددون مثلهم لكن على الطرف الآخر، وحمل أحد هؤلاء مسدسه وانتقم ممن الذين اعتبرهم معتدين على حقه في أن يعيش بعدل ودون أن يؤذيه أحد في مشاعره الدينية.

من المؤكد أن رد الفعل هذا مدان، لأنه من المفترض ألا يأخذ الفرد على عاتقه تنفيذ ما يراه صحيحا من وجهة نظره، وأن الأولى أن يترك ذلك لمؤسسات القضاء تنتصف له، لكن هذا ليس موضوعنا الآن. موضوعنا هو إيضاح أبعاد المسألة من منظور قيمي فلسفي اجتماعي لتحرير مناط الاختلاف وفكفكة الإشكالية الفكرية القيمية الحضارية الموجودة.

لقد عبَّر صاحب مقولة “أنت حر ما لم تضر” عن هذه المسألة أبلغ تعبير. فأنت بالفعل حر في أن تفعل ما تشاء بشرط ألا تضر الآخرين، وغني عن القول إن الضرر الواقع على المسلمين وهو يطالعون رسما كاريكاتيريا “مسخرة” عن نبيهم هو ضرر حقيقي .. وأن من العدل ألا يصابوا بمثل هذا الضرر، وأن تُحترم مقدساتهم ورموزهم وألا تهان بهذا الشكل، وإن من الانصاف القول لرسامي الكاريكاتير هؤلاء إنكم أردت حرية التعبير، ونحن معكم، لكن بشرط ألا تسبب للآخرين ضررا، حتى تحافظوا على قيمة أخرى لا تقل ضرورة وهي قيمة العدل، الذي به تستقيم الأمور وتمتنع الفوضى.

الحق أننا نظن أن الحضارة الغربية وصلت لأقصى درجات الرشد والعقلانية بهذه “الطنطنات” التي يملأون بها الفضاء الثقافي والإعلامي، لكن الناظر إلى عمق هذه الحضارة يجد ثمة إشكالات ونواقص واضطراب في المفاهيم والقيم لابد من التوقف عندها وإبرازها، لعلهم يغيرونها أو على الأقل لعل المستلبين حضاريا عندنا يستفيقون من سكرتهم.الحد الفاصل بين حرية التعبير وكف الأذى.. شارلي إيبدو نموذجًا

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.