مقالات

فلسفة التمرد تخرج من البرميل

فلسفة التمرد تخرج من البرميل !

بقلم: علي حسين – العراق

كل ما نعرفه عن هذا الرجل انه كان يمسك في يده “فانوس ” ويخرج به في ضوء النهار ، وعندما يسأله المارة وهم يضحكون ويسخرون : عن أي شيء تبحث ؟

كان جوابه: إنني أبحث عن إنسان! .

هذا الرجل اسمه ” ديوجين الكلبي ” ولد سنة 413 قبل الميلاد ، في مدينة سينوب التركية ، وسمي الكلبي لان الكلب كان شعار الجماعة الفلسفية التي اسسها ، كان يؤمن أن الحكمة لا تتحقق إلا بالحرية ، وخلاصة مدرسة الكلبيين الفلسفية أن العلم النظري لا معنى لوجوده ، فالعلم العملي هو وحده الذي يجب ان يؤمن به الانسان ، وان هدف الفلسفة ان تسلح الانسان بالفضيلة التي تؤدي الى السعادة والتي هي غاية الحياة ، والفضيلة هي الخير الوحيد ، مثلما أن الرذيلة هي الشر الوحيد ، والفيلسوف ” الكلبي ” يرى ان لالانسان يجب ان يبقى مستقلا عن اي تاثيرات خارجية ، وان يتجرد من الثروة ، وان لا يُسلم نفسه لزوجة أو اولاد ، لان ذلك سيضيق عليه حياته ، فالانسان لا يحتج الى انسان آخر يضبط له الحياة .. هل كان ديوجين مؤمنا ومخلصا لهده الافكار ؟ نحن نعرف انه حاول ان يقلد استاذه سقراط ، فكان جريء الفكر ، مستقل الرأي ، ساخراً من المجتمع ، مزدرياً للثروات والمناصب ، مناديا بالحياة الطبيعبة ، حافي القدمين ، لا يضع على جسده سوى معطف قديم ، وقد أختار أن يسكن في برميل ، ويقال انه شاهد ذات يوم صبي يشرب الماء من راحة يده ، فكسر انائه وقال :” هذا الصبي يعلمني انني لازلت أحتفظ بما يفيض من حاجتي ” ، وكان ديوجين يستمتع بلقب الكلب لأنه أراد حياة بسيطة فطرية كالحيوانات ، ويبدو ان صدقه وبساطة حياته قد حازت على اعجاب اهالي اثينا الذين كانوا يكيلون له المديح برغم مظهره المزري ، وفي اتخاذه من الكلب شعارا لفلسفته ، كان يريد ان يفهم الآخرين بان ما يتعلمه الانسان من الكلب اكثر مما يتعلمه من الفلاسفة ، فالكلب حسب راي ديوجين كائن يعيش في الحاضر ولا يهتم للمستقبل ، وهو يستطيع ان ياكل اي شيء يجده ، كما انه لن يجادل كثيرا بشان المكان الذي سينام فيه ، وهو خلافا للبشر الذين يتملقون ويكذبون ويجاملون ، لا يتردد في أن ينبح في وجه اي شخص يثير الشبهات ، ولهذا كان ديوجين يشعر بالسعادة حين يطلق عليه لقب ” الفيلسوف النباح ” ، فهو عاش ينبح في وجه معاصريه وفي وجه كل القيم التي تثير الشكوك .

يؤمن ديوجين ان على الانسان ان يقول ” لا ” حين يجب أن يقولها ، اما اذا كنت تقول ” نعم ” في وقت كان عليك ان تقول ” لا ” ، فانك تحول نفسك الى شخص لا يمكنه إلا ان يقول ” نعم ” ، حتى حين يكون هذا هو الوقت الذي يجب عليه ان يقول ” لا ” ، إذا خنت نفسك ، وتحدثت بالكذب والزور ، وجسدت الاكاذيب فانك بذلك توهن شخصيتك ، واذا كانت شخصيتك واهنة ، فستقضي عليك الشدائد والمحن حين تظهر ، وستحاول الإختباء لكن لن يكون ثمة مكان لتختبئ فيه ، وحينها ستجد نفسك تفعل اشياء فظيعة .

ويرفض ديوجين مثل سقراط النظريات الفلسفية التي تصر على امكانية تحسين الواقع من خلال الزيف والكذب .
درس ديوجين ان السعادة تكمن في اشباع الحاجات الأساسية فقط ، وفي ضبط النفس لكيلا ترغب في المزيد ، ونبذ ما وراء ذلك مثل المال والرفاهية والحياة الاسرية التقليدية ، لانها لا تجعل الانسان افضل من الناحية الاخلاقية ، والجميع يمكنهم تحقيق السعادة باستمرار لانها – اي السعادة – لا تتوقف بشكل اساسي على الآخرين ، ولا على وضع العالم الخارجي ، لكنها حسب رأي ديوجين تتوقف على الانسان وعلى قدرته على احداث تناغم مع ذاته ، فالشرط الاول للسعادة هو ان نفهم ذاتنا الحقيقية فهما كاملا ، حتى ندرك ما يلائمها فعليا ، فالسعادة يمكن ان تتحق شريطة ان نقول ” لا ” للزيف ، وتصبح السعادة ممكنة عندما نغير نظرتنا الخاصة عن العالم . حينها سنكتشف ان السعادة لا تتوقف كثيرا على الاسباب الخارجية المحيطة بنا بقدر ما تعتمد على حالة وجودنا ، كما كان ديوجين يصر على نبذ زخارف الحضارة المقيدة لحرية الانسان ولهذا عاش حياته متمردا على السلطة وعلى تقاليد المجتمع المتوارثة ، وعلى الفلسفة التي لا تحترم رغبات الانسان وعقله ، فهو يؤمن ان المجتمع المثالي ، هو المجتمع الحر ، وان هدف الفيلسوف في الحياة ، أن يُصدم الناس ، لقد أيقن ديوجين ان التفكير الفلسفي يؤدي إلى الحياة الصالحة ، وقد كانت معظم افكاره الفلسفية ذات طابع يؤمن بالفردية ، وان الانسان يجب عليه ان يتبع ضميره وليس ما تمليه عليه القوانين ، حينما يتعارض ما تفرضه قوانين المجتمع السلطة مع العدل
وتتخبرنا المصادر التي دونت حياة ديوجين انه كان ابنا لرجل يعمل مصرفيا خسر امواله وممتلكاته فهاجر مع عائلته ، إلى أثينا وتعرض وهو في طريقه إليها للأسر ،على يد قراصنة ، وفي يوم من الأيام سأله أحد تجار العبيد : ما لعمل الذي تستطيع إتقانه؟ أجابه : إصدار الأوامر، بيعوني لمن يريد سيداً له! .
عاصر ديوجين ، الفيلسوف أفلاطون ، وكان يسخر من دروسه ، ومن تصوره للألهة والإنسان ، صاحب الجمهورية كان يُعرّف الإنسان بكونه حيوان بدون ريش، مما جعل ديوجين يحضر ديكاً بعدما نزع عنه الريش ، ورماه في وجه افلاطون ، ثم قال له ساخراً : هاهو إنسانك ! ورغم حالة العداء بين الفيلسوفين ، إلا ان افلاطون كان يحترم غريمه ، ويطلق عليه لقب ” سقراط المجنون ” .
فور وصوله الى اثينا ، إتخد ديوجين نمط حياة شكل صدمة للمجتمع والنخبة الأثينية ، الرجل إتخد من برميل خشبي مسكنا له ،قضى بداخله أكثر من نصف عمره ،الذي بلغ تسعين عاما : ” حين تملك حياة داخلية فمن دون شك لن يعود للمكان الذي تعيش فيه أي اهمية ” ، كان يجوب أزقة وشوارع أثينا حافي القدميين ، مرتديا معطفيا أسود اللون ، مستندا إلى عصاه ، مثل سقراط يتجول في الشوارع والاسواق وهو يقول ” أرى بشرا كثر ، لكن لم أصادف بعد إنسانا !! ” .
ولم تكن تعاليم ديوجين ، مقتصرة على البحث عن جوهر الانسان ، بل كان شديد الحماس للفضيلة التي قاس إليها طيبات الحياة ، فوجد هذه الطيبات ليست بذات قيمة أطلاقا بالقياس اليها ، والتمس الفضيلة والحرية في تحرير نفسه من الرغبات : ” كن غير آبه للطيبات التي قد تاتيك بها الايام ، تجد نفسك تحررت من الخوف ” .
وتتحدث بعض كتب تاريخ الفلسفة أن الاسكندر الاكبر وهو يتجه صوب الشرق في واحدة من غزواته ، مر بأثينا فأثار إنتباهه ديوجين القابع في جوف برميله ، إقترب منه ، ، فسأله عما يبحث، فقال ديوجين للإسكندر: ” أنا أبحث عن عظام أبيك ، لكني لا أستطيع التمييز بينها وبين عظام العبيد” . وفي رواية أخري، يقال إن الإسكندر الكبير مر يوما بديوجين فوجده جالسا في برميله يستحم بأشعة الشمس، فوقف الإسكندر أمامه قائلاً: أنا الملك الإسكندر الكبير، فرد عليه ديوجين: وأنا ديوجين الكلبي.. فقال له الإسكندر: ألست خائفا مني؟ فرد عليه ديوجين: وهل أنت رجل صالح أم شرير؟ فقال له الإسكندر: بل أنا رجل صالح.. فرد عليه ديوجين: ومن يخاف من الصالح إذًا! ، ثم سأله الإسكندر: هل تعيش في هذا البرميل فقط لكي تلفت انتباه الناس وإعجابهم بك؟ قال ديوجين: وهل فعلا تريد أنت فتح بلاد فارس وتوحيد كل بلاد الإغريق.. أم تفعل ذلك فقط لتنال الإعجاب؟ ابتسم الإسكندر وقال: هذا برميل مليء بالحكمة، فقال ديوجين: أتمني لو كان لدي بدل هذا البرميل المليء بالحكمة.. نقطة واحدة من الحظ الجيد.. للحكمة طعم مر.. أحيانا تؤدي بك إلي الهلاك.. بينما الحظ يفتح لك أبوابا ويحقق لك السعادة ما كنت تحلم بها! ، أعجب الإسكندر بكلام ديوجين، ثم أخبره أن يطلب منه ما يشاء ليلبيه له.. فأجابه ديوجين بهدوء: أريد منك شيئًا واحدًا.. إنك الآن تقف أمامي وتحجب عني أشعة الشمس.. لذا لا تحرمني من الشيء الوحيد الذي لا تستطيع منحي إياه.. لا تحجب شمسي بظلك! ..فاستغرق الاسكندر في الضحك وقال :” لو لم أكن الاسكندر لفضلن أن اكون ديوجين ” ، فرد الفيلسوف بكلام ساخر :” ولم لم اكن ديوجين لفضلن ان اكون أي رجل آخر سوى الاسكندر ” .
يبقى ديوجين من الفلاسفة القلائل الذين إستطاعوا إنتزاع إحترام الخصوم قبل الأصدقاء ، لأنه طابق بين فلسفته وبين معيشه وحياته، بل سخر هاته الأخيرة من أجل تمرير موقفه من الحضارة الإنسانية والطبيعة والدين والأخلاق والمجمتع ومؤسساته ،كالدولة والمدرسة والأسرة.. وصحيح انه لم يترك كتبا لكنه ترك لنا طريقة فلسفية لعيش الحياة ، وبوصفها طريقة في الحياة فقد القت بظلالها على الفلسفة المسيحية وايضا على تفكير الكثير من الفلاسفة وكان كيركجارد واحد من المولعين بتعاليم ديوجين وطريقته في الحياة التي تتمثل في العيش وفق الطبيعة ، وكل ما عداه ليس سوى وهم ، وقد قصد ديوجين بالحياة وفق الطبيعة حياة الإنسان المتجول المتوحد ، الذي يمضي حافي القدمين ، لا يرتدي سوى ثوب واحد ، وكان يقول لكل من يسخر منه لأنه يرفض المال :” إذا استطاع المال أن يعيش بدون ديوجين ، فلماذا لا يعيش ديوجين من دون مال ” ، وكان من شأن هذه الحياة ان تجعل الانسان عصيا على التغيرات وضربات الحظ التي يبحث عنها الآخرون ، فهي حياة تقتضي السكينة والهدوء ، وكان زهد ديوجين للمغريات الحياة زهداً واعيا لذاته مثلما يقول كيركجارد :” لانه زهد يولي اهتماماً كبيراً لمران النفس والعمل كشرط ضروري للحياة الخيرة ” . كان ديوجين يشعر بان المهمة الملقاة على عاتقه هي ان يتجول عبر العالم بوصفه ” طبيب النفوس ” ، مستبعدا المعايير الزائفة من التداول عن نقده الشديد لها ، ومبددا اوهام الناس ومعلما اياهم طريق الفضيلة والحرية والحقيقة .
هناك روايات متضاربة عن موت ديوجين ، ويزعم بعض مؤرخوا الفلسفة أن ديوجين وهو يحتضر سُئل عن الكيفية التي يرغب بها لدفنه بعد موته ؟ اجاب ان يترك خارج اسوار اثينا حتى تتغذى الحيوانات البرية على جسده. وعندما قبل له هل يدرك فظاعة ما يقول ؟ قال : ” لا على الإطلاق ، طالما أنكم ستزودنني بعصا لمطاردة الحيوانات التي تريد ان تنهش جسدي !” فسخر منه الحاضرون وهم يقولون كيف لك استخدام العصا وانت ميت ؟ أجاب: ” إذا كنت لا استطيع استخدام العصا ، فلماذا يجب أن أهتم بما يحدث لي بعد موتي ؟ ” .
عندما سُئل ديوجين لماذا يحب تسميته كلبًا ، أجاب: ” ، فأنا أصرخ على أولئك الذين يخافون ، وأضع أسناني في الأوغاد”.يعتقد ديوجين أن البشر يعيشون بشكل مصطنع ومنافٍ للطبيعة بينما الكلب يعيش دون قلق ، وأن الكلاب تعرف غريزيّا من هو الصديق ومن هو العدو. على عكس البشر الذين يخدعون الآخرين أو يُخدعون ، أن ” الكلاب تعض أعداءها ، أما انا فأقوم بلدغ الناس لإنقاذهم من اوهامهم ” .

يشترك سقراط وديوجين في الكثير من الاراء ، فكانوا يؤمنون بالمذهب الفلسفي القائل ان معرفة النفس هي بداية المعرفة كلها ..وقد كان ديوجين ان الحكمة لابد ان تؤدي إلى البساطة والحرية والامان ..وهو يصر على ان البساطة تنشأ السعادة ، وكلما كانت الرغبات أبسط ، كان اشباعها أسهل: ” أن اعظم لذة هي ان تحتقر كل لذة ” .ففي استطاعة الانسان ان يربح العالم أذا نبذ العالم ، وان مصدر الشر هو الرغبة في الحصول على اكثر مما ينبغي . ويكتب هنري ثورو الاديب الاميركي ان ديوجين عثر لنفسه على السعادة ، بالتدريب على الحرمان : ” لم تكن بساطته الكاملة وضعاً مصطنعاً ، وانما كانت تربية عملية لرجل بلغ من رقته وحبه لخير البشر أن آلى على نفسه عن طيب خاطر أن يعيش فقيرا لمنفعة البشرية العامة ” ، وتاخذ الحرية مكانا مهما في فلسفة ديوجين ، فهو يرى ان الحرية ليست إلا ثمرة الاكتفاء الذاتي .وعندما ساله احد تلامذته عن الوقت المناسب للزواج اجبابه قائلا :” إذا كنت حسن السن كان الزواج مبكراً اكثر مما ينبغي ،وإذا كنت أكبر سنا كان الزواج متأخرا اكثر مما ينبغي ” . وينصح ديوجين بان الانسان لكي يكون حرا عليه ان يتخلص من قيود الشهوات والمخاوف ، والا يكون عبدا للقلق والندم :” فما كان قد كان ، وما يكون سيكون . وما علينا إلا ان نؤكد تحررنا واستقلالنا في وجه القدر وفي حضرة الناس جميعا ” ، ويعيب ديوجين على سقراط استسلامه لحكم الاعدام :” ارفض ان يستعبدني العرف الاخرق او القوانين الظالمة ” ويحدد ان الانسان يبلغ اعلى درجات السيطرة عندما يسيطر سيطرة كاملة على نفسه :” ان السيطرة على النفس هي الحرية الوحيدة التي يقام لها وزن ” .
اعتبر ديوجين نفسه حرا لانه كان يعيش حياة بسيطة توفر له الاطمئنان :” يمكنك ان تختتف من وقع صدمات القدر بتهيئة نفسك سلفاً ” ، كما كان ديوجين يؤمن ان القناعة هي اقصر الطرق إلى الطمأنينة :” فلنقف إذن ، سعينا في طلب المستحيل ، ولنهيء انفسنا لملاقاة الاشياء كما هي . حتى إذا نزلت بنا النكبات فعلينا ان نقاسي منها بالطريقة التي يتبعها الممثلون في مأساة الحياة . ولكن لنتعلم كيف نسخر من آلامنا كأنما نحن مشاهدون لها من بعيد .فنحن إذا ما قابلنا الصعاب بقلب شجاع أمكننا أن نصمد آمنين وسط عالم يترنح ، بل يهبط إلى الدرك الاسفل ” .
لم تكن فلسفة ديوجين القائمة على البساطة والحرية والطمأنينية سوى محاولة لايجاد سلام داخلي .وخلال موجة الاسراف في التشاؤم اصبح ديوجين من المتفالين .ولما كان يتوقع أسوأ الفروض فقد اقام لنفسه درعا من السخرية يصد بها اللطمات احيانا .وخلف هذه الدرع وجد الامن الذي يتمثل في السخرية اللاذعة المرة .فكان يضحك لكي يمنع نفسه من البكاء .

يكتب نيتشه في واحدة من تأملاته انه كان يتنمى لو عاش في عصر ديوجين ، ” لكنت وقفت ساعات لمناظرته ” ، ويضيف نيتشه ” لقد كان هذا الفيلسوف هو المبشر بجنس جديد من الفلاسفة ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0